أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - تغريد شحادة - الاشياء التي تفكر فينا














المزيد.....

الاشياء التي تفكر فينا


تغريد شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 02:50
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفقد صوته، بل أن يتكلم طويلا بصوت لا يعرف أنه ليس صوته،
أن يقضي عمره مدافعا عن أفكار لم يختبرها، ومؤمنا بحقائق لم يقترب منها، وخائفا من أسئلة لم يرتكب ذنبا سوى أنها أيقظت فيه شكا قديما، أن يظن أنه اختار طريقه بحرية، بينما كانت خطواته الأولى قد رسمت له قبل أن يعرف للطرق نهايات، وما نسميه أحيانا قناعة قد لا يكون أكثر من خوف تعلم ارتداء ثياب اليقين، فنحن لا نولد إلى العالم عراة من الأفكار كما نتصور، نولد إلى عقول أخرى سبقتنا إليه، وإلى لغات رتبت الأشياء قبل أن نراها، وإلى أحكام جاهزة تنتظرنا عند أول محاولة للفهم، نتعلم أسماء الأشياء قبل أن نختبرها، ونتعلم ما ينبغي أن نحب قبل أن نسأل أنفسنا عما يحرك قلوبنا، وما ينبغي أن نرفض قبل أن نعرف إن كان الرفض موقفا اتخذناه أم خوفا ورثناه... ثم نكبر، نكبر ونسمي ما ألفناه طبيعة فينا، وما تكرر أمامنا حقيقة لا تقبل الشك، وما عجزنا عن تخيله مستحيلا، ولا يخطر لنا أن بعض ما نعده جزءا من هويتنا ليس سوى طبقات متراكمة من أصوات قديمة، وأننا ربما أمضينا سنوات طويلة نحسن حراسة أبواب لم نختر يوما ما وراءها، وهنا تبدأ المأساة الهادئة، حين يصبح الإنسان سجينا لأفكاره، ثم يتوهم أن القضبان هي شكل الحرية، فالفكرة التي لا نسمح بمساءلتها لا تعود فكرة نمتلكها، تصبح سلطة تمتلكنا، والرأي الذي نخشى الاقتراب من نقيضه لا يكشف بالضرورة عن رسوخ إيماننا به، بل قد يكشف عن هشاشة لا نريد رؤيتها، إذ ليس كل يقين معرفة، كما أن الشك ليس دائما ضياعا، أحيانا يكون الشك أول نافذة يفتحها العقل في جدار ظل يظنه الأفق، لكن الإنسان لا يخاف الحقيقة وحدها، إنه يخاف الثمن الذي قد تطلبه منه الحقيقة، فماذا لو اكتشف أنه ظلم إنسانا باسم مبدأ لم يفهمه؟ ماذا لو أدرك أن سنوات من الخصام لم تكن دفاعا عن الكرامة، بل عن كبرياء زائف؟ ماذا لو تبين له أنه لم يختر بعض علاقاته، ولا بعض أحكامه، ولا حتى صورة الإنسان الذي يحاول أن يكونه، بل ورثها جميعا ثم أنفق عمره في إقناع نفسه بأنها اختياراته؟ إن الاعتراف بذلك ليس أمرا هينا، لأن الإنسان لا يراجع فكرة فحسب، بل يراجع النسخة التي بناها من نفسه حولها، وحين تتصدع الفكرة، قد يتصدع معها تاريخ كامل من التبريرات والخصومات والقرارات، لهذا نفضل أحيانا أن ندافع عن الخطأ الذي ألفناه على أن نواجه الصواب الذي سيجبرنا على إعادة النظر في أنفسنا، ولعل أكثر ما يستحق أن نتعلمه ليس كيف نفكر، بل كيف نكتشف ما الذي يفكر فينا ونحن نظن أننا نفكر، أن نتوقف أمام غضبنا ونسأله أهو غضبي حقا، أم غضب تعلمت أن علي أن أحمله؟ وأن نتأمل مخاوفنا هل تحمينا من خطر حقيقي، أم تحرس حدودا رسمها آخرون ثم أقنعونا بأن تجاوزها سقوط؟ وأن نراجع أحكامنا على البشر، لا لنصبح بلا مبادئ، بل لنعرف إن كانت مبادئنا تمنحنا بصيرة أوسع، أم تمنحنا فقط شعورا مريحا بأننا على حق، فالوعي لا يبدأ حين نمتلك إجابات أكثر، بل حين نفقد حاجتنا إلى تقديس الإجابات التي نملكها، وليس المقصود أن نشك في كل شيء حتى نفقد القدرة على الوقوف، ولا أن نتخلى عن جذورنا لمجرد أنها جذور، إنما أن نميز بين الجذر الذي يمنحنا القدرة على النمو، والجذر الذي يطالبنا بأن نبقى صغارا كي لا نبتعد عنه، فليس الوفاء أن نكرر الماضي إلى الأبد، بل أن نمتلك شجاعة فهمه، وأن نحتفظ منه بما يجعلنا أكثر إنسانية، لا بما يجعلنا نسخا متشابهة تخشى الاختلاف، وربما كانت الحرية، في أعمق معانيها، أن تبلغ من الصدق حدا تستطيع معه أن تقول: كنت أؤمن بهذا، لكنني لم أعد أراه كما كنت، وأن تعترف بأنك أخطأت دون أن تشعر بأن وجودك كله خطأ، وأن تتغير دون أن تتعامل مع ماضيك كعدو، وأن تترك فكرة أحببتها طويلا حين تكتشف أنها لم تعد تحتمل ضوء الحقيقة، عندها فقط، يبدأ العقل باستعادة ملكيته، لا حين يتخلص من كل تأثير، فذلك مستحيل بل حين يصبح قادرا على رؤية التأثير، وتسميته، ومساءلته، واختيار ما يستحق أن يبقى منه، لأننا في نهاية الأمر، لسنا مسؤولين عن كل ما زرع فينا، لكننا مسؤولون عما نواصل سقايته بعد أن نعرف طبيعته، وربما لا يكون السؤال الذي يستحق أن نختم به: هل أفكاري صحيحة؟ بل لو لم أكن قد ورثتها، ولو لم أخف خسارة ما تمنحني إياه من انتماء وأمان، فهل كنت سأختارها من جديد؟ فثمة أفكار لا تحتاج إلى من يدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى عقل يجرؤ على فتح نوافذها، وثمة أبواب لا نكتشف أنها مغلقة إلا حين نحاول الخروج، وثمة إنسان في داخل كل واحد منا ينتظر، منذ سنوات أن نكف عن ترديد ما قيل لنا، كي نسمع أخيرا ما نستطيع نحن أن نقوله.



#تغريد_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لغة لم تتعلم الكلام
- ما لا ترويه سماعة
- أبي... الرجل الذي استثمر عمره فينا
- ما يبقى من الانسان
- امرأة في كل حالاتها
- قبل ان تصبح الحكاية خبرا
- حين يصنع المكان الإنسان
- ثلاث نقرات على جدار الزمن
- خناجر في خاصرة الجبل
- خلف ستار التقوى- حين يصبح الدين قناع لا منهج
- كيف يكون لي روح؟


المزيد.....




- صدفة تفك خيوط الجريمة.. كيف أدين 3 محامين في صفقة بيع قصر ال ...
- البنتاغون يشتري صواريخ SM-6 متعددة المهام بقيمة 24 مليار دول ...
- بوليتيكو: امتعاض لدى الناتو من تهديد مفوض أوروبي لروسيا
- احتجاز نحو ألفي طالب مع اتساع نطاق الاحتجاجات المدرسية في فر ...
- الجيش الأمريكي يستعد لنشر تعزيزات بحرية في الشرق الأوسط تحسب ...
- الرياض وواشنطن تبحثان تعزيز الشراكة الدفاعية والأمن الإقليمي ...
- العلاقات الإثيوبية الإريترية.. تسلسل زمني من المحطات والمطبا ...
- عاجل | واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين: الجيش يخطط لتعزيز ال ...
- مشادة بين فيدان وممثل إسرائيل في مجلس السلام خلال اجتماع بني ...
- تضارب المصالح.. استثمارات كوشنر في شركات تصنيع أسلحة إسرائيل ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - تغريد شحادة - الاشياء التي تفكر فينا