أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - لغة لم تتعلم الكلام















المزيد.....

لغة لم تتعلم الكلام


تغريد شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 02:58
المحور: الادب والفن
    


كان المكان صامتا.. لا كما تنعدم الضجة، ولكن كأن النطق لم يخلق بعد.
لم يكن ثمة صوت غائب، ولا ضجيج انكفأ إلى زوايا الأشياء، بل كان الصمت قائما بذاته، مكتملا على نحو يثير الريبة، كأن العالم لم يفرغ بعد من تأليف حنجرته الأولى، وكأن الأشياء على اتساع حضورها، لم تتلق الإذن بالكلام... حتى الهواء بدا وكأنه لا يتحرك، لا لأن الريح قد نامت، بل لأن الحركة نفسها لم تكن قد اكتشفت حاجتها إلى أن تبدأ، الجدران واقفة في حياد غريب، والظلال ملقاة على الأرض كما لو أنها أفكار تخلى عنها أحد قبل أن ينطق بها، كانت هناك أو لعلها كانت مجرد احتمال لإنسان لم يكتمل حضوره بعد... وقفت في قلب ذلك السكون، وشعرت للمرة الأولى أن الصمت ليس شيئا يحدث حولها، بل شيء يحدث فيها، يتقدم من أعماقها كلما تراجعت الأصوات، حتى تكاد تسمع ذلك الجزء القديم من روحها الذي لم تتعلم اللغة الوصول إليه، كانت تعتقد أن الكلام هو بداية المعنى، وأن الأشياء لا تكتمل إلا حين تسميها، تمنح البحر اسمه، فتظن أنها اقتربت منه، وتسمي الحزن فتحسب أنها أحاطت به، وتقول: أحبك، وكأن الكلمة قادرة على اختصار ذلك الاضطراب الهائل الذي يحدث في كائن حين يصبح وجود كائن آخر شرطا لطمأنينته.
لكن ماذا لو كانت اللغة، على اتساعها، ليست سوى محاولة متأخرة لترميم المسافة بينها وبين ما تشعر به؟
ماذا لو أن الكلمات لا تكشف الأشياء بقدر ما تمنحها القدرة على احتمال غموضها؟
في ذلك المكان، لم تكن بحاجة إلى أن تقول شيئا، كانت الكلمات تبدو دخيلة، أشبه بأثاث ثقيل ينقل إلى غرفة لا تزال تتنفس فراغها الأول، وكلما حاولت أن تستدعي جملة إلى ذهنها، شعرت أنها تصل متأخرة، كأن ما تريد قوله كان حاضرا فيها قبل أن تعرف كيف تسميه، وللمرة الأولى راودها شعور غريب، ربما لا تصمت لأنها لا تملك ما تقول، بل لأن في داخلها أشياء أكبر من أن تختصر في قول، ثمة أحزان لا تنقصها الكلمات، وثمة عشق إذا نطق به فقد شيئا من قدسيته، كأن الإفصاح عنه ينقله من فضاء الشعور اللامحدود إلى حجرة ضيقة لها جدران وسقف، وثمة أسئلة لا تبحث عن إجابة، وإنما تبحث عن روح تستطيع أن تجلس إلى جوارها دون أن تستعجل الخلاص منها.
ولعل أكثر ما يتعب الإنسان ليس ما يعجز عن قوله، بل ما يضطر إلى قوله كي يصدق الآخرون أنه يشعر، كم من مرة اضطرت إلى شرح وجعها حتى أفسدت بساطته؟ وكم من مرة أعادت صياغة مشاعرها، لا لكي تفهمها، بل لكي تجعلها قابلة للتصديق في عالم لا يعترف بما لا يستطيع سماعه؟
كانت تتذكر تلك اللحظات التي بحثت فيها عن الكلمات المناسبة أمام من أحبت، لا لأنها تجهل ما تشعر به، بل لأنها كانت تخشى أن يبدو شعورها أقل مما هو عليه، فتضيف إلى عباراتها ما لا تحتاجه، وتحذف منها ما تخشى ألا يفهم، حتى إذا انتهت من الكلام، شعرت أنها تركت الجزء الأصدق منها خارج الحديث، ولم يكن يؤلمها أن يعجز الآخرون عن فهمها بقدر ما كان يؤلمها أن تضطر، في كل مرة إلى ترجمة نفسها إلى لغة لا تشبهها تماما.
هي تعيش في زمن لا تخشى الصمت بقدر ما تخشى ما قد يكشفه الصمت، تملأ المسافات بالأصوات، والانتظار بالشاشات، والفراغ بالكلمات، كأنها تخشى أن تترك وحدها مع ذلك الكائن الغامض الذي يسكنها، والذي لا تعرف إن كان هي حقا، أم بقايا الشخصيات التي تقمصتها طويلا لترضي العالم، فالكلام في كثير من الأحيان، ليس وسيلة للتواصل بقدر ما هو وسيلة للهروب من مواجهة الذات، تتحدث كي لا تسمع ارتجافها الداخلي، وتشرح كي لا تضطر إلى الاعتراف، وتضحك أحيانا لا لأن الفرح يملؤها، بل لأن الصمت الذي يلي الضحكة قد يكون أصدق مما تستطيع احتماله، ومع ذلك ليس كل صمت حكمة، ولا كل نطق خيانة للمعنى، فثمة صمت يشبه الباب المغلق في وجه العالم، وثمة صمت يشبه النافذة المفتوحة على اتساعها، الأول يراكم العتمة في الداخل، والثاني يترك للروح فرصة كي ترى ما لم تكن تراه وسط ازدحام الأصوات، وليس النضج أن تتقن الصمت، بل أن تعرف أي صمت يستحق البقاء، وأي صمت ينبغي كسره، وأي كلمة لو تأخرت قليلا، لتركت في قلب إنسان ندبة لا يمحوها اعتذار، فقد يكون الصمت أحيانا عجزا يتخفى في هيئة حكمة، وقد تكون الكلمة التي نخشى قولها هي وحدها القادرة على إنقاذ ما تبقى من علاقة أو ترميم ما تصدع في روح إنسان، وليس في الصمت فضيلة حين يصبح ستارا نخفي خلفه خوفنا من الحقيقة.
لكنها في ذلك المكان لم تكن تهرب من حقيقة، ولم يكن ثمة أحد ينتظر منها اعترافا أو تبريرا، كانت للمرة الأولى أمام نفسها دون أن تشعر أنها مطالبة بالدفاع عنها... ربما كان ذلك المكان صامتا لأن العالم لم يكن قد بدأ بالكذب بعد، لا مجاملة فيه تخفي نفورا، ولا وعد فيه يقال لتأجيل الخذلان، ولا عبارة مواساة تلقى على قلب مكسور، كان كل شيء حاضرا دون ادعاء، الأشياء أشياء، والفراغ فراغ، والوجود لا يحتاج إلى شهادة من أحد كي يثبت أنه موجود، عندها أدركت أن ما تخشاه في الصمت ليس غياب الآخرين، بل أن تلتقي بنفسها دون وسيط، أن تكتشف أنها هي طوال تلك السنوات، لم تكن تبحث عن الكلمات بقدر ما كانت تبحث عن مكان لا تضطر فيه إلى استخدامها كي تكون مفهومة، مكان لا تحتاج فيه إلى أن تشرح لماذا تغيرت، ولا أن تبرر لماذا لم تعد تشبه صورتها القديمة، ولا أن ترتب فوضاها الداخلية في جمل أنيقة تصلح لأن يتعاطف معها أحد، مكان يسمح لها أن تكون ناقصة دون اعتذار.
ولم تكن تلك المصالحة تعني أنها فهمت نفسها أخيرا، أو أن الأسئلة التي أثقلتها وجدت أجوبتها، بل إنها لم تعد ترى في غموضها عيبا ينبغي إصلاحه، ولا في تناقضاتها دليلا على أنها لم تعرف بعد من تكون، فبعض ما يسكن الإنسان لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يحتاج إلى أن يمنح حقه في الوجود، دون أن يطالب في كل مرة بأن يقدم برهانا على معناه، وربما في نهاية الأمر لم يكن ذلك المكان صامتا كما ظنت، ربما كان ممتلئا إلى حد لم تعد معه الأصوات قادرة على إضافة شيء، ربما كان الصمت هو اللغة التي لم تتعلمها لأنها انشغلت طويلا بتعلم الكلام.
ولعل أعمق ما يمكن أن يبلغه الإنسان ليس أن يجد الكلمات المناسبة لكل ما يشعر به، بل أن يبلغ من الصدق حدا لا يعود فيه مضطرا إلى تحويل كل ما يشعر به إلى كلمات، أن يجلس أمام العالم، ولو لمرة واحدة، دون أن يحاول تفسيره، وأن يجلس أمام نفسه، دون أن يحاول إنقاذها من حقيقتها، فبعض المعاني لا تولد حين تنطق بها.. بل حين تصمت بما يكفي، لتسمح لها أن تولد فينا.



#تغريد_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما لا ترويه سماعة
- أبي... الرجل الذي استثمر عمره فينا
- ما يبقى من الانسان
- امرأة في كل حالاتها
- قبل ان تصبح الحكاية خبرا
- حين يصنع المكان الإنسان
- ثلاث نقرات على جدار الزمن
- خناجر في خاصرة الجبل
- خلف ستار التقوى- حين يصبح الدين قناع لا منهج
- كيف يكون لي روح؟


المزيد.....




- -دبلة- شيرين عبد الوهاب تثير الجدل (فيديو)
- عبد الله إبراهيم.. السردية العربية جديرة بالاستنطاق.. و-المط ...
- جراحة فتق تحولت إلى كابوس.. القتل الرحيم ينهي معاناة الفنان ...
- سفارة دولة فلسطين تستضيف الثقافة البوسنية وتفتح أبوابها للمج ...
- معدات شحيحة وطموح بلا حدود.. طلاب غزة يتحدون الظروف لمواكبة ...
- مهرجان الموسيقى العربية يحمل اسم هاني شاكر.. ودرع تكريمه يثي ...
- مهرجان نيويورك يفتح أبوابه أمام -نازا- وأفلام -كان- وفينيسيا ...
- بعد غضب إسرائيل.. مخرجا -نازا- يتيحان الفيلم مجانا عبر الإنت ...
- إسرائيل: بعد شطب قائمتين عربيتين.. هل يغيب التمثيل العربي عن ...
- -سويوزمولتفيلم- يحتفل بتسعين عاما.. أفلام روسية تعبر الحدود ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - لغة لم تتعلم الكلام