تغريد شحادة
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 19:58
المحور:
الادب والفن
في زمن امتلأت فيه الوجوه، صار العثور على وجه حقيقي أمرا نادرا... نلتقي كثيرين، نصافح، ونتحدث لكننا لا نعرف على وجه اليقين كم إنسانا التقينا فعلا، فبين الوجه والوجه قناع، وبين الكلمة وما تخفيه مسافة، وبين الابتسامة وصدقها احتمالات كثيرة، كأن الإنسان تعلم أن يحمل معه أكثر من نسخة لنفسه، فواحدة للعمل، وأخرى للمجتمع، وثالثة لمن يريد منهم منفعة، حتى صار السؤال أي هذه الوجوه هو الإنسان نفسه؟ لعل أكثر ما نبحث عنه اليوم ليس إنسانا كاملا، بل إنسانا بلا قناع، إنسانا لا نحتاج أمامه إلى أن نفتش خلف كلماته عن نواياه، ولا أن نسأل بعد كل موقف ماذا يريد في المقابل؟ أصبحت البساطة الإنسانية نفسها نادرة، أن يحبك أحدهم لأنه أحبك، أن يقف إلى جوارك لأنه رأى أنك تحتاج إلى من يقف، أن يسأل عنك دون أن يكون للسؤال فاتورة مؤجلة، ولعل الموجع أننا اعتدنا العلاقات المشروطة إلى الحد الذي باتت فيه النية النقية تثير الشك، إذا اقترب منا أحد بلا غرض، بحثنا عن الغرض، وإذا أعطانا بلا مقابل، انتظرنا المقابل الذي لم يظهر بعد، صارت بعض المصالح تدخل حياتنا على هيئة صداقات، وبعض المجاملات ترتدي لباس المحبة، وهنا يتم اختبار إنسانيتنا، فمن السهل أن نحسن إلى من نحتاجه، وأن نمدح من بيده منفعتنا، وأن نتذكر من يمكنه أن يفتح لنا الأبواب، لكن القيمة الحقيقية للإنسان تظهر في موقفه ممن لا يملك له شيئا، كيف يعامل الضعيف؟ كيف يخاطب من هو أقل منه منصبا؟ كيف يتصرف حين لا يكون هناك جمهور يصفق، ولا منفعة تنتظر؟
هناك في المساحات التي لا يرانا فيها أحد، تكشف حقيقتنا، فالإنسان ليس ما يقوله عن نفسه، بل هو مجموع التفاصيل التي لا يظن أنها ستحسب عليه، كلمة قالها في غياب أحد، يد مّها لمحتاج، اعتذار امتلك شجاعة تقديمه، موقف رفض فيه ظلما لأن ضميره لم يسمح له، ورحمة منحها لمخلوق لم يكن قادرا حتى على شكره.
وربما لهذا أصبح الحفاظ على الذات، في عصر الأقنعة، معركة طويلة، أن تكون أنت لا النسخة التي يصفق لها الآخرون، أن تملك الشجاعة كي تخرج من الصف إذا سار في الاتجاه الخطأ، أن تقول لا حين يهتف الجميع نعم، فالقطيع يمنح الإنسان دفئا زائفا، يجعله يظن أن كثرة السائرين في الطريق دليل على صحته، وأن الإجماع برهان كافي، لذلك يخاف كثيرون من الانسلاخ عنه، لأن الخارج من الجماعة لا يفقد الأصوات حوله فقط، بل يفقد الطمأنينة التي كان يستمدها من العدد، غير أن الحق لم يكن يوما مسألة تصويت، وكم من خطأ عاش طويلا لأن الجميع كرروه، وكم من ظلم صار مألوفا لأن أحدا لم يجرؤ على أن يكون أول الخارجين عليه، وكم من إنسان عاش حياة ليست له، لأنه لم يسأل نفسه هل هذا ما أريده أنا، أم ما أراده الآخرون لي؟ أن تنسلخ عن القطيع لا يعني أن تكره الناس، ولا أن تجعل الاختلاف بطولة بحد ذاته، فالاختلاف من أجل الاختلاف قيد آخر، التحرر الحقيقي أن تمتلك صوتك الداخلي، وأن تختار لأنك اقتنعت، لا لأن الجميع اختاروا، أن تنتمي دون أن تذوب، أن تكون جزءا من الجماعة دون أن تسلمها عقلك، وهنا ربما تقدم لنا خلية النحل صورة أكثر جمالا، للوهلة الأولى تبدو الخلية عالما لا مكان فيه للفرد، آلاف النحلات تتحرك في نظام واحد، وكل واحدة تؤدي دورها بصمت، لكن التأمل يكشف فرقا عميقا بين الخلية والقطيع، حيث يسير الفرد لأنه يرى من أمامه يسير، أما في الخلية فيعمل لأنه يعرف دوره، فالقطيع يلغي الفرد، أما الخلية فتمنحه معنى داخل الكل، النحلة لا تسأل إن كان اسمها سيكتب على قطرة العسل، ولا تتوقف عند كل زهرة لتخبر الآخرين بما فعلت، تحط على زهرة وتحمل شيئا من رحيقها وتمضي، قد تبدو الرحلة صغيرة، لكن الخلية تعرف بلغة الطبيعة أن الأثر لا يحتاج إلى توقيع كي يكون موجودا، وهكذا الإنسان حين يغادر، لا يبقى منه ما جمعه بقدر ما يبقى ما صنعه في الآخرين، تنطفئ المناصب، وتبهت الألقاب، وينتهي التصفيق، وتذهب الأشياء التي استهلكنا أعمارنا في مطاردتها، لكن يبقى شيء أكثر هدوءا وأشد رسوخا، الا وهو الأثر، تبقى كلمة في قلب إنسان كان على وشك الانكسار، تبقى معرفة في عقل من علمته، يبقى لطفك في شخص لم ينس أنك عاملته بكرامة يوم كان العالم قاسيا عليه، ويبقى الظلم أيضا، فالإنسان لا يترك الخير وحده، بعض الناس يمرون في حياتنا كنافذة يدخل منها الضوء، وبعضهم يمرون كجرح يحتاج سنوات ليلتئم، لذلك فإن السؤال ليس هل سأترك أثرا؟ فالأثر حتمي، انما السؤال الحقيقي هو أي أثر سأترك؟ قد ينسى الناس كثيرا مما قلناه، لكنهم يتذكرون كيف شعروا في حضورنا، قد ينسون ما قدمناه لهم، لكنهم لا ينسون إن كنا قد حفظنا كرامتهم ونحن نعطي، وقد ينسون نجاحاتنا، لكنهم يتذكرون إن صعدنا وحدنا، أم مددنا أيدينا لغيرنا ونحن نصعد، وفي النهاية، لا تقاس قيمة الإنسان بعدد من عرفوا اسمه، بل بما تغير في الأرواح لأنه مر بها، نحن نعيش أحيانا كما لو أن الخلود يمكن شراؤه بالظهور، فنلهث خلف الألقاب والصور والاعتراف، وننسى أن أعظم الآثار لم تكن دائما الأعلى صوتا، كم من أم لم يكتب اسمها في كتاب، لكنها صنعت إنسانا عظيما؟ وكم من معلم لم يعرفه سوى طلابه، لكنه ترك في كل واحد منهم شيئا عاش بعده؟ وكم من شخص قال كلمة عابرة، ثم نسيها، بينما حملها آخر في قلبه سنوات؟ الأثر لا يحتاج إلى منصة، أحيانا يكفي قلب واحد، وربما لهذا علينا أن نعيد تعريف النجاح، ليس النجاح أن نصل إلى مكان مرتفع، بل أن نصل دون أن نفقد أنفسنا في الطريق، أن لا نرتدي ألف قناع كي نحافظ على موقع، ولا نستخدم البشر درجات في سلمنا، أن نصل ونحن ما زلنا قادرين على النظر إلى المرآة دون أن نشعر أننا نحدق في غريب، ما أصعب أن يكون الإنسان نفسه، وما أجمل ذلك، أن يكون صادقا دون استعراض، قويا دون قسوة، مختلفا دون تعال، ومتغيرا حين يكتشف أنه كان مخطئا، وفي عالم يعلمنا كل يوم كيف نظهر، ربما صار واجبنا أن نتعلم كيف نكون،أن نزيل الأقنعة، وننظر إلى من حولنا لا باعتبارهم فرصا بل أرواحا، أن نرفض الذوبان في القطيع، دون أن نفقد معنى الجماعة، وأن نكون مثل النحلة، صغيرة أمام اتساع العالم، لكنها لا تعتبر صغرها عذرا لعدم العمل، تذهب إلى زهرتها، تأخذ ما تستطيع، تمنح ما تستطيع، ثم تمضي، وفي النهاية يبقى العسل، ويبقى من الإنسان ما يشبه العسل أيضا، خلاصة ما منحه وهو حي، لسنا خالدين بأجسادنا، ولا بأسمائنا، ولا بما امتلكناه، نحن خالدون بقدر ما في الأشياء التي زرعناها في غيرنا، وحين ينتهي الطريق، لا يبقى السؤال كم جمع الإنسان؟ بل ماذا ترك؟ لا كم شخصا عرف اسمه؟ بل كم قلبا عرف خيره؟
ما يبقى من الإنسان هو الأثر، وما يبقى منه حقا ليس صوته بعد أن يصمت، ولا صورته بعد أن تغيب، بل ذلك الجزء الخفي منه الذي يستمر في حياة الآخرين.
#تغريد_شحادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟