أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - حين يصنع المكان الإنسان














المزيد.....

حين يصنع المكان الإنسان


تغريد شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 22:48
المحور: الادب والفن
    


ثمة أماكن نمر بها، وثمة أماكن تمر بنا، الأولى لا تترك سوى أثر عابر، أما الثانية فتنقش أرواحنا في صخورها، حتى إذا شخنا بقيت هي أكثر شبابا في ذاكرتنا، منا في مرايا العمر، لذلك كلما سألني أحدهم من أين أنت؟ أدركت أن السؤال لم يكن يوما عن الجغرافيا، بل عن الفكرة التي صنعتني، وعن الينبوع الأول الذي شربت منه روحي، فالإنسان لا يولد من رحم أمه وحدها، إنه يولد مرة أخرى من تراب المكان الذي علمه كيف يرى العالم، وكيف يحبه، وكيف يحزن له، رمون ليست بقعة من الأرض، لانها لا تعرف أبناءها، رمون وطن حيث الأوطان تتعرف إلى وقع أقدام ابنائها، هي ليست اسما على لافتة، بل جملة لم ينته الزمن من كتابتها، كل جيل يضيف إليها كلمة، ثم يرحل ويبقى النص مفتوحا لمن يأتي بعده، كأن المكان هو الكاتب الوحيد الذي لا يضع نقطة النهاية، وأيقنت بعد أعوام من التأمل، أن الإنسان كلما اتسعت الدنيا أمامه، ازداد احتياجا إلى نافذة صغيرة يعود منها إلى نفسه، وما البلدة الأولى إلا تلك النافذة، منها ندخل إلى العالم ومنها نعود إذا أرهقتنا كثرة الأبواب، وأثقلتنا المدن وتعبت أرواحنا من الضجيج، وما زلت أؤمن أن للمكان ذاكرة لا تحفظها الكتب، أعرف وجوها طيبة كانت تعرف المارة بأسمائهم، وتحييهم كما لو أن البلدة كلها عائلة واحدة، وكلما استدعيت تلك الوجوه، تقدمها وجه أبي، لا لأن الذاكرة تجامل الغائبين، بل لأن بعض الوجوه تصبح جزءا من المكان، فإذا غاب أصحابها بقي حضورهم يسكن الحجر والشجر وقلوب من أحبوهم، يومها فهمت أن الأوطان لا تكبر بعدد بيوتها، بل بعدد الأرواح التي تظل تمنحها الحياة حتى بعد الرحيل، وتعلمت من الزيتون في رمون حكمة لم أجدها في الكتب، أن الثمرة لا تكون عظيمة لأنها اقتربت من السماء، بل لأنها تشبثت بجذورها في الأرض، وكل شجرة استعجلت العلو قبل أن تتقن التجذر، أسقطتها أول ريح، وكذلك الإنسان ليس ارتفاعه بما يملك، بل بعمق ما ينتمي إليه، ويخدعنا الزمن حين يوهمنا أن القوة في السرعة، غير أن الجبال تعرف سرا آخر، فهي لم تصبح شامخة لأنها سبقت الريح، بل لأنها صبرت عليها آلاف السنين، لذلك فإن أكثر الأشياء رسوخا في الحياة لم تولد من العجلة، وإنما من الصبر، ذلك الصبر الذي يشبه صلاة طويلة لا يراها أحد، لكنها تغير صاحبها من الداخل، كم هو غريب هذا العالم... يفاخر الناس فيه بما بنته أيديهم، بينما أعظم ما في الإنسان ليس ما بنته يداه، بل ما بناه فيه المكان، فالبيوت نرفع جدرانها بالحجارة، أما الأوطان فترفع جدرانها في داخلنا بالذكريات، وبرائحة خبز الطابون عند الفجر، وبنداء الأمهات عند الغروب، وبالصمت الذي يعرف أسماءنا قبل أن ننطق بها، ولعل المأساة الكبرى ليست أن يغادر الإنسان وطنه، بل أن يغادره وطنه وهو ما يزال يمشي بين الناس، فهناك من يحمل جواز سفره في جيبه، لكنه فقد عنوانه في قلبه، وهناك من ابتعد آلاف الأميال، وما زال يسمع، في أكثر لياليه وحدة، صوت الريح وهي تعبر بين أشجار بلدته، فيبتسم كأن المسافة لم تخلق إلا لتختبر صدق الحنين، إن قيمة المكان لا تقاس بما يملكه من عمران، وإنما بما يزرعه في أخلاق أبنائه، فكل حجر لا يعلم كرامة يبقى حجرا، وكل طريق لا يقود إلى الوفاء يبقى مجرد طريق، أما الأرض التي تنبت رجالا ونساء إذا وعدوا صدقوا، وإذا أحبوا أخلصوا، وإذا رحلوا تركوا أثرا أجمل، فهي وطن يستحق أن يذكر بخشوع، ولهذا كلما نظرت إلى رمون، لم أر بيوتا ولا طرقا ولا أشجارا، رأيت فكرة عتيقة تقول إن الإنسان قد يكون صغيرا في عدد سكان بلدته، لكنه يصبح عظيما إذا حملها في أخلاقه، ورأيت حقيقة لا يغيرها الزمن، أن المكان لا يخلد أبناءه لأنهم عاشوا فيه، بل لأنهم عاشوا له، وسيأتي يوم يصبح فيه كل ما جمعناه من الدنيا ذكرى، وتذرو الرياح أسماء كثيرة كانت تظن نفسها خالدة، أما اسم البلدة التي أحببناها بصدق، فسيظل يهمس في أعماقنا حتى آخر العمر، لأن الحب وحده لا يشيخ، ولأن الأرض التي دخلت القلب لا تخرج منه إلا بخروج القلب نفسه، وربما لهذا لا أخاف أن يأخذ العمر من وجهي ما يشاء، ولا أن يبدل الزمن ملامحي، أخاف فقط أن يأتي يوم أعجز فيه عن أن أرى رمون بعيني الأولى، عين الطفل الذي كان يظن أن العالم يبدأ من شجرة زيتون وينتهي عند باب بيته، فذلك الطفل لم يكن يعرف شيئا عن الفلسفة، لكنه كان يعرف بالفطرة أن الإنسان يشبه المكان الذي أحبه، وإذا أردت أن تعرف من أنا، فلا تسألني عن اسمي، فالاسم تمنحه العائلة، ولا تسألني عن مهنتي، فالمهنة تمنحها الحياة، اسألني عن رمون... فهناك في تلك البلدة التي تبدو صغيرة على الخرائط، وكبيرة في ميزان الروح، تبدأ حكايتي وكل ما عداها... هوامش.



#تغريد_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثلاث نقرات على جدار الزمن
- خناجر في خاصرة الجبل
- خلف ستار التقوى- حين يصبح الدين قناع لا منهج
- كيف يكون لي روح؟


المزيد.....




- بميزانية 250 مليون دولار.. ملحمة -الأوديسة- تستعد لاجتياح ال ...
- نقابة الفنانيين الأردنيين: قرار شطب صبا مبارك نهائي
- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - حين يصنع المكان الإنسان