أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - ثلاث نقرات على جدار الزمن














المزيد.....

ثلاث نقرات على جدار الزمن


تغريد شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 00:48
المحور: الادب والفن
    


ثمة لحظات لا تطرق أبواب العمر بقوة، بل تدخل إليه على أطراف أصابعها، تمر إلى الحد الذي يجعلنا نظن أنها لن تترك أثرا، ثم نتفاجأ بأنها سكنت في أعماقنا أكثر مما سكنته سنوات طويلة، وبعض البدايات لا تأتي على هيئة كلمات أو اعترافات، بل تولد من ومضة صغيرة يعبرها الزمن سريعا، بينما تظل الروح واقفة عندها طويلا، تحاول أن تفهم كيف استطاعت لحظة بهذا القدر من البساطة أن تعيد ترتيب عالم كامل في داخلها، إنها تأتي دائما على هيئة تفاصيل متواضعة، تمر على الآخرين مرورا عاديا، بينما تتوقف عندها روح لتمنحها معنى لا يراه سواها، ليصبح من الصعب تفسير ما حدث، كيف استطاعت لحظة قصيرة أن تترك كل هذا الأثر؟ وكيف تحول تفصيل صغير إلى ذكرى قادرة على مقاومة الزمن كلما حاول محوها؟ وربما كانت تلك هي الحيلة الأجمل التي تتقنها بعض المشاعر، أن تأتي متخفية بشكل لا يلفت الانتباه، وقد تبدأ من لحظة قصيرة تمر وسط زحام الأيام، أو من إشارة صغيرة تبدو عادية للجميع، لكنها تترك في النفس ما لا يتركه العمر كله، كانت ثلاث نقرات على جدار الزمن، خفيفة بما يكفي لتبدو صدفة، وعميقة بما يكفي لتوقظ في الروح ما كان نائما منذ زمن، لم يسمعها العابرون، ولم ينتبه لها المكان، لكنها وصلت إلى القلب كأنها رسالة قديمة عثرت أخيرا على صاحبها، ومنذ تلك اللحظة لم يعد السكون بريئا، ولم تعد الأيام تشبه ما قبلها، منذ ذلك الحين لم يعد العالم كما كان، ليس لأن شيئا عظيما قد حدث، بل لأن الروح أصبحت ترى بعين مختلفة، صار للانتظار معنى جديد، وللصمت حضور مختلف، وأصبحت بعض الذكريات تعود من تلقاء نفسها، لا لأنها مهمة في ظاهرها، بل لأنها تحمل في أعماقها ذلك الأثر الأول الذي لا ينسى، وفي لحظات اللقاء كنت أخرج وأنا أحاول أن أتذكر ما الذي قيل، فأفشل دائما، بينما أبقى أتذكر ما الذي شعرت به، أحيانا تكفي نظرة صادقة كي تقول ما تعجز عنه الرسائل الطويلة، هناك نوع من السكون الدافئ ينشأ بين روحين تفهم إحداهما الأخرى دون حاجة إلى كثير من الشرح، وكأن بينهما لغة لا يسمعها سواهما، عندها يشعر الإنسان أن الطمأنينة ليست مكانا نصل إليه، بل شخصا نعثر عليه، والروابط الحقيقية لا تقاس بقرب المسافات، فثمة أرواح تتجاور كل يوم ولا تلتقي، وأرواح تفصل بينها المسافات والظروف لكنها تبقى قريبة على نحو يعجز العقل عن تفسيره، لذلك لا يكون البعد دائما نقيضا للمشاعر الصادقة، بل قد يكون امتحانها الأصدق، ففي الغياب نعرف ما الذي بقي حيا فينا، وما الذي كان مجرد عاطفة عابرة، وحين يطول الانتظار، لا يتحول الوجع بالضرورة إلى انكسار، أحيانا يصبح درسا خفيا يعلم القلب معنى الصبر، ويمنح الروح عمقا لم تكن لتبلغه، وكلما امتد الغياب، بدا لي أن صدى تلك النقرات الثلاث ما زال يتردد في مكان ما من الذاكرة، خافتا أحيانا وواضحا أحيانا أخرى، لكنه لا يغيب، كأن بعض اللحظات ترفض أن تصبح ماضيا كاملا، وتبقى معلقة بين ما كان وما يمكن أن يكون.
وفي نهاية المطاف، لا يقاس العمر بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعدد اللحظات التي أيقظت فينا الحياة، ولربما تبقى بعض الحكايات معلقة بين القلب والذاكرة، لا نستطيع تفسيرها بالكامل، ولا نملك القدرة على نسيانها، وما أجمل أن يكتشف الإنسان، بعد رحلة طويلة أن لحظة صغيرة بدت عابرة في وقتها كانت بداية حكاية كاملة، وأن إشارة مرت ذات يوم على جدار الزمن ما زال صداها يسكن القلب، كأن الزمن نفسه ما زال يكرر تلك النقرات الثلاث كلما حاولت إقناع نفسي أنها كانت مجرد صدفة، ولعل هذا هو الاسم الآخر لذلك الشعور النادر الذي لا يطرق أبوابنا إلا مرة، ثم يمضي تاركا في أرواحنا ما يكفي من الضوء لنحبه ما بقي من العمر.



#تغريد_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خناجر في خاصرة الجبل
- خلف ستار التقوى- حين يصبح الدين قناع لا منهج
- كيف يكون لي روح؟


المزيد.....




- الروائي محمد تركي الدعفيس: المنفى يخلّف ندوبا والحنين محرض د ...
- بمساعدة الذكاء الاصطناعي.. الموسيقي صامويل سميث يهزم -باركنس ...
- لسان آدم وأصل الحضارة: هل اللغة العربية هي المنطلق الأول للأ ...
- زخاروفا: الاستهداف المتعمّد للمواقع الثقافية أو تدميرها بشكل ...
- الرسوم الدراسية العالقة تحاصر أحلام الخريجين في غزة
- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - ثلاث نقرات على جدار الزمن