تغريد شحادة
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 22:53
المحور:
الادب والفن
لم يكن أبي رجلا عابرا في حياتنا، ولا أبا أدى واجبه ثم مضى، كان من أولئك الآباء الذين لا ينتهي حضورهم بانتهاء أعمارهم، لأنهم لا يتركون أبناءهم كما وجدوهم، يتركون فيهم شيئا منهم، شيئا يشبه البوصلة، ويظل يعمل حتى بعد أن تغيب اليد التي كانت تشير إلى الطريق.
كان أبي إنسانا قبل أن يكون أبا، حنونا من غير ضعف، حازما من غير قسوة، كريما من غير استعراض، لكن ما كان يميّزه حقا أنه لم ينظر إلى الأبوة باعتبارها إطعاما وكسوة وحماية فحسب، بل باعتبارها مسؤولية عن صناعة إنسان يستطيع أن يعيش بكرامة حين تنتهي يد الأب من حمايته.
كنا خمس بنات وابنا واحدا، وفي زمن كانت بعض العقول ترى في الابن استثمارا وفي البنت عبئا مؤقتا على بيت أبيها، كان أبي يرى الأمر بعين مختلفة، لم يقل يوما إن للابن نصيبا أكبر من العلم، وإن البنت يكفيها من التعليم ما يلائم مستقبلها، كان يرى أمامه ستة أبناء، لكل واحد منهم الحق نفسه في أن يتعلم، ويحلم، ويصنع لنفسه مكانا في هذه الحياة.
لم تكن البنت عنده نصف فرصة، ولم يكن الابن امتيازا إضافيا، كنا جميعا أبناءه، وكان يقول لنا دائما:
(إنتو رأس مالي يابا...) وهنا، لا بد لعيني أن تدمع وهي تردد صدى هذه العبارة على مسامعها.
لم أفهم يومها كم كانت هذه الجملة تختصر فلسفته في الحياة، أما اليوم، فأفهم أنه لم يكن يتحدث عن رأس مال يُمتلك، بل عن عمر يُستثمر، وعن إنسانٍ يترك أثره في إنسان آخر.
كان أبي رجلا عصاميا، عرف معنى أن يبدأ الإنسان من القليل، وأن يصنع من تعبه شيئا يشبه الحياة التي يتمناها، ولذلك لم يشأ أن نورث الحرمان الذي عرفه، ولا أن نقف يوما أمام الحياة وأيدينا خالية.
كان يحرم نفسه ليعطينا، ويقتصد في حاجاته ليتسع لنا في حاجاتنا، كان يستطيع أن يؤجل راحته، لكنه لم يكن مستعدا أن يؤجل مستقبلنا.
والتعليم عنده لم يكن شهادة تُعلّق على جدار، بل كان عدة للحياة، وسلاحا لا يستطيع الزمن أن ينتزعه منا، وكان يقول: (أنا يابا بعلمكم لتكون شهادتكم سلاح، ما بعرف الزمن شو مخبيلكم...)، يا لعمق تلك العبارة الآن.
كان يعرف ما لم نكن نعرفه: أن الأب يستطيع أن يحرس أبناءه ما دام حاضرا، لكنه لا يستطيع أن يرافقهم إلى آخر الطريق، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه لهم ليس أن يظلوا في حاجة إليه، بل أن يمنحهم ما يجعلهم قادرين على الاستمرار حين لا يعود موجودا.
ولعل هذا هو الفارق الذي أفهمه اليوم أكثر مما فهمته وأنا ابنة صغيرة: كان أبي لا يربينا للحياة التي نعيشها معه، بل للحياة التي ستأتي بعده أيضا.
كنت مثل أي ابنة في بدايات عمرها، عشت شبابي في زمن الانتفاضة الفلسطينية الأولى، زمن لم يكن يخرج منه الإنسان كما دخله، كانت لي اهتماماتي وانشغالاتي، وكانت الدراسة أحيانا تتراجع أمام أحداث أكبر من أعمارنا وجدنا أنفسنا في لجتها.
كنت أرى أبي يقلق، وربما ضاق صدره مني أحيانا، وربما خالفت بعض ما كان يرجوه لي، كنت أراه أبا يريد أن يمسك بيد ابنته، بينما كانت ابنته تريد أن تكتشف الطريق وحدها.
لم أفهم يومها تماما ما كان يشعر به، أما اليوم فأفهم أن ما حسبته تضييقا كان خوفا، وأن ما ظننته تشددا كان حبا، الرجل الذي كنت أراه أحيانا يقف في وجه بعض اختياراتي، لم يكن يقف في وجهي، بل كان يحاول أن يقف بيني وبين ما يخشاه عليّ وخاصة جند الإحتلال.
كان يخاف عليّ من الحياة، لكنه في الوقت نفسه كان يعلّمني كيف أواجهها.
وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الأبوة: أن الأب قد يقضي عمره في حمايتك من الطريق، ثم تكتشف بعد رحيله أنه كان، طوال الوقت، يهيئك للسير فيه وحدك.
هكذا كان أبي...
لم يستثمر ماله فقط، ولا سنوات عمله، ولا تعبه اليومي. استثمر عمره... فينا.
أعطانا من شبابه وراحته، ومن أحلام ربما أجلها الى ما بعد حين، ومن أشياء كان يستطيع أن يفعلها لنفسه، ليمنحنا أبوابا لم تكن مفتوحة أمامه بالسهولة ذاتها.
ولذلك فإن رحيله لم يجعلني أشعر أنني فقدت أبي فقط، أشعر أنني فقدت الرجل الذي كان يرى المستقبل نيابة عني، يقلق حين لا أقلق، ويفكر في الغد حين أكون منشغلة باليوم.
لكنني بعد رحيله فهمت شيئا أعمق: أنه لم يكن يريد لنا أن نعتمد عليه إلى الأبد، بل كان يريد أن يترك فينا ما يكفينا حين يغيب.
أراه اليوم فينا...
أراه في الطريقة التي نقف بها أمام الحياة، وفي إصرارنا على أن نكمل الطريق، وفي كل مرة يحقق أحدنا شيئا كان يتمنى أن يراه.
وأراه أكثر ما أراه في جملته القديمة: (إنتو رأس مالي يابا...)
نعم يا أبي، نحن رأس مالك الذي بقي بعد رحيلك، لكنني أدرك الآن أن رأس مالك الحقيقي لم يكن نحن وحدنا، كان ما زرعته فينا: العلم الذي تمسكت به، والكرامة التي ربيتنا عليها، والقوة التي كنت تبنيها فينا من غير أن نعرف أننا سنحتاج إليها يوما.
رحلت جسدا، وهذه حقيقة لا يملك القلب أمامها إلا الصبر، لكن ما صنعته فينا لم يرحل.
حين أحتاج إلى ذلك الأمان القديم، لا أجد يدك كما كنت أجدها، لكنني أجد شيئا مما علمتني إياه يقودني، أجد صوتك في بعض قراراتي، وخوفك القديم في حرصي، ونظرتك إلى الحياة في أشياء صرت أؤمن بها.
ولهذا لا أريد أن أكتب عنك كما يُكتب عن الراحلين، وكأنهم أصبحوا جزءا من الماضي.
أنت لست ماضيا يا أبي... أنت حاضر بطريقة أخرى، حاضر في كل مرة يقف فيها أحد أبنائك على قدميه، وفي كل طريق نكمله بعد أن كنت أول من دلنا عليه، في وقوفنا شيء منك، وفي استمرارنا امتداد لعمر لم ينته برحيلك.
أما أنا، فسأعيش كما كنت تريد لي أن أعيش: قوية من غير قسوة، رقيقة من غير انكسار، ومؤمنة بأن الإنسان لا يُقاس بما جمع لنفسه، بل بما تركه في الآخرين.
ما زال لي في هذه الحياة أمانة، وما زال عليّ أن أكمل الطريق.
أسأل الله أن يطيل لي في العمر ما دام في العمر خير، وأن يوفقني لأن أتم ما بقي من أمانتي، وأن يجعلني كلما تقدمت في الحياة أزداد شبها بما كنت تتمنى أن أكون.
أما لقاؤك يا أبي، فلا أبحث عنه في زمن آخر، فأنا ألقاك الآن، في كل مرة أحتاج فيها إليك فأجد أثرك أمامي، وفي كل لحظة أشعر فيها أن شيئا مما زرعته ما زال يحميني.
تركتنا جسدا، لكنك بقيت في تفاصيلنا، وفي دعائنا، وفي قوتنا، وفي ذلك الشعور الخفي بأن اليد التي اعتدناها فوق رؤوسنا ما زالت، بطريقة لا تُرى تمتد بحنان.
ولهذا كلما اشتقت إليك، لا أشعر أنني أبحث عنك بعيدا.
أغمض عيني فقط... فألقاك.
ألقاك في روحي.
رحمك الله يا أبي... لقد استثمرت عمرك فينا، ثم رحلت...
لكن العمر الذي استثمرته ما زال يكبر.
#تغريد_شحادة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟