أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - ما لا ترويه سماعة














المزيد.....

ما لا ترويه سماعة


تغريد شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 02:53
المحور: الادب والفن
    


ما لا ترويه سماعة...
قادتني خطاي إلى طبيب بعدما أثقلتني بعض الأوجاع، كنت أحمل معي ذلك القلق الصامت الذي يسبق أي مراجعة طبية، لكن ما إن وطئت قدماي عتبة العيادة حتى شعرت أن شيئا مختلفا ينتظرني، لم يكن أول ما استقبلني رفوف الأدوية أو رائحة المعقمات، بل كانت مقطوعة كلاسيكية تنساب بهدوء في أرجاء المكان، كجدول ماء يمر بين الصخور دون أن يعكر صفوه شيء، كانت الموسيقى تداعب الروح قبل أن تلامس الأذن، فتخفف شيئا من وطأة القلق، وكأنها تقول للمريض: اطمئن فما زال في هذا العالم متسع للامل، جلست أستمع إلى السيمفونية، فإذا بالوقت يفقد حدته، والانتظار يتحول إلى لحظة تأمل، أدركت لحظتها أن العلاج لا يبدأ دائما بوصفة دواء، بل بلحن رقيق يعيد للقلب شيئا من سكينته، بعد دقائق دخل الطبيب بابتسامة هادئة تحمل من الطمأنينة أكثر مما تحمله الكلمات، لم يكتف بالترحيب المعتاد، بل فاجأني بفنجان من القهوة، وقال وهو يبتسم: فرصة سعيدة، ثم استدرك سريعا: لا... ليست سعيدة، لأنك هنا بسبب المرض، لكنني سعيد بلقائك، كانت جملة عابرة، لكنها كشفت عن إنسان يرى في مريضه إنسانا قبل أن يراه حالة سريرية أو رقما في سجل المراجعين، شعرت أنني أمام طبيب يؤمن بأن الكلمة الطيبة جزء من العلاج، وأن الابتسامة قد تكون أحيانا أكثر أثرا من الادوية، ثم بدأ الفحص أمسك سماعته بثقة العارف، وكأنها امتداد لخبرته الطويلة، كانت حركات يديه هادئة، دقيقة لا تعرف التسرع ، راح يصغي إلى نبضات القلب وأنفاس الصدر، ثم انتقل يتفقد الشكوى ويبحث في مسببات الألم بعناية لافتة، يراقب ويسأل ويشرح، وكأن كل تفصيل صغير في جسد المريض يستحق الاهتمام البالغ، لم يكن يؤدي عملا روتينيا، بل كان يمارس رسالة امن بها، الطبيب الحقيقي لا يكتفي بأن يبحث عن موضع الألم، بل يبحث أيضا عن الطريق الأقصر إلى طمأنة المريض، فالمهارة الطبية تكتسب بالدراسة والخبرة، أما الإنسانية فلا تمنحها الجامعات، بل تصنعها الأخلاق، ويصقلها الإحساس بالناس، وحين انتهى من الفحص، لم يتعجل بإصدار الأحكام، بل طلب بعض الفحوصات الإضافية، لأن الطبيب الأمين لا يبني قراراته على الظنون بل على الدليل، كان حريصا على أن يصل إلى التشخيص الصحيح قبل العلاج ، وهي قيمة لا تقل أهمية عن أي مهارة طبية، خرجت من العيادة وأنا أحمل في يدي طلبات الفحوصات، لكنني كنت أحمل في قلبي شيئا أكبر من ذلك بكثير، خرجت وأنا أوقن أن الطب ليس سماعة ودواء ووصفة فحسب، بل هو فن الإصغاء، ورقة الكلمة، وصدق الاهتمام، واحترام الإنسان في لحظة ضعفه، لقد أيقنت أن المريض قد ينسى اسم الدواء بعد سنوات، لكنه لا ينسى طبيبا استقبله بابتسامة، وطمأنه بكلمة، وخفف عنه عبء المرض بحسن خلقه قبل علمه، فليس كل باب عيادة يفتح على مرض، فبعضها يفتح على درس في الإنسانية.
سلام على كل طبيب يرى في مهنته رسالة قبل أن تكون وظيفة، وفي مريضه إنسانا قبل أن يكون ملفا طبيا، فهؤلاء لا يعالجون الأجساد وحدها، بل يزرعون في النفوس يقينا بأن الرحمة ما زالت تمشي بين الناس مرتدية معطفا ابيض.

27-6-2026



#تغريد_شحادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبي... الرجل الذي استثمر عمره فينا
- ما يبقى من الانسان
- امرأة في كل حالاتها
- قبل ان تصبح الحكاية خبرا
- حين يصنع المكان الإنسان
- ثلاث نقرات على جدار الزمن
- خناجر في خاصرة الجبل
- خلف ستار التقوى- حين يصبح الدين قناع لا منهج
- كيف يكون لي روح؟


المزيد.....




- الفنان الأمريكي مكلمور يتبرع بمليون دولار لإغاثة الفلسطينيين ...
- -ملكة القطن- في الدوحة.. عرض الفيلم السوداني بعد رحلة حافلة ...
- الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع ...
- بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا ( ...
- -لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح ...
- -مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس ...
- -أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير ...
- عود مصطفى نصري يعود إلى أصالة بعد 13 عاما من الأمانة
- -ورثة الدم-.. أخوان يقتلان أمهما وإخوتهما الأربعة ويدفنانهم ...
- التعليم العالي: اليوم آخر موعد لتسجيل طلبات تقليل الاغتراب ل ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تغريد شحادة - ما لا ترويه سماعة