أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة الهاربة علوي سيف الله















المزيد.....

الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة الهاربة علوي سيف الله


عطا درغام
(Atta Dorgham)


الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 19:32
المحور: مقابلات و حوارات
    


في زمنِ التدفّق البصري السريع والكتابات الطويلة المترهلة، يأتي أدب "الهايكو" وقصيدة النثر كأداة جراحية تقتنصُ جوهر الوجود بأقل الكلمات. نلتقي اليوم بالشاعر والباحث التونسي علوي سيف الله، أحد الأصوات التي اتخذت من التقاط التفاصيل العادية وبناء المشهدية البصرية مشروعاً أدبياً متكاملاً. في هذا الحوار، لا نبحث عن الإجابات المعتادة، بل نتسلل إلى مختبره الشعري لنفكك فلسفة "الومضة" وعلاقة الكلمة بالصمت.
المحور الأول: فلسفة "الومضة" وجغرافيا الكلمة
•كيف تنجح في تحويل "لسانِ دخانٍ في القرية" من مجرد مشهد عابر إلى وثيقة وجودية تثبت أن "البعض يحيا بعد"؟
الومضة هي الهنا والآن توثق العابر و تحاول أن تجعل منه آبدا. ربما "لسان دخان" مثلا هو مجرد لقطة عارضة جدا لا شك، بيد أنها ثقيلة في الدلالة على الحضور الزمكانيّ. إنها توثق وشمًا في الذاكرة.. بالذاكرة نحن ننتمي إلى حيثيّات الحضرة الغائبة... إن "البعض يحيا بعد"، ذاك هو المقصد.. القرى تموت و يهاجر أهلها و ينقطعون عن المألوفات و عن جزء هام من الهوية. حتى إذا ما وجدنا "لسان دخان" أو صوت ضفدعة في ليل القرية الصامت أو رأينا عملية حراثة تقليدية أو حصاد بواسطة منجل و غير ذلك من الأمور المهملة الهيّنة نكون حينها قد عثرنا على الدليل لاستعادة حضورنا في العالم في الزمان والمكان. و على تجديد العلاقة مع صغائر محدّدة للذاكرة
•يُقال إن الهايكو هو شعر "العين لا الأذن"، ما الذي يتغير في حواس الشاعر عندما يكتب بعين الفوتوغرافي؟
الهايكو شعر العين يلتقط اللحظة البسيطة المهملة ويحوّلها إلى حضور له ثقل. و تلك في الحقيقة إحدى مهام الشّعر.. الشاعر بهلوان حواس يمزج بينها أحيانا و يفصل بينها أحيانا.. حين ينصرف إلى الهايكو يستقل مركبة خاصة لنقْل الانفعال. هو اختيار واع بعملية قنص رؤيوي و رؤياوي لا شكّ تشتغل فيها حاسة البصر بأكثر جمالية مما تشتغل اللغة بذاتها . ههنا تكبر اللقطة فيما تُختزل اللغة و تُقتصَد لاحتواء المشهد على نحو تأثيري نافذ ومحرّك..
•هل يمثل التكثيف الشديد في نصوصك هروباً من ترهل اللغة، أم هو عجزٌ مقصود يترك الباقي لبياض الصفحة؟
أما مسألة ترك الباقي فليس لبياض الصفحة ، بل لتنشيط عقل المتلقي و تذكية وسيطه الخيالي في تعمير فراغات أخرى، هي في الحقيقة عملية إعادة إنتاج المقروء بقسط ما من ذكاء القارئ.. عليه ألا يكون متواكلا. عليه أن يسهم في فعل الإنتاج على نحو أو آخر.
•متى تصبح الكلمة الواحدة في قصيدتك عبئاً زائداً يجب التخلص منه لإنقاذ النص؟
* تصبح الكلمة عبئا إضافيا حين تفقد دورها و تخسر وظيفتها الجمالية و الدلالية. حينها هي غثاء على النصّ تثقله بخفتها الطائشة و بوزنها الضئيل الذي بضآلته يشوه النص و يغيّر مجراه الصافي.
المحور الثاني: التقنية وصناعة اللوحة الشعرية
•قصيدتك تُقرأ كلوحة تشكيلية؛ كيف ترسم "الصمت" بالكلمات دون أن تخدش هدوء المشهد؟
رسم الصمت دون خدش هدوء المشهد هذا مبتغى الشعر و شعريته و علامة على كفاءة الشاعر في إدارة تصميم هندسي دقيق.الشاعر مطالب بأمرين متلازمين أحدهما إنتاج الجمال. ثانيهما تلافي القبح..رسم الصمت مهمة صعبة و قد تتعذر أحيانا ما لم نراع ضرورة قصف القبح.. نحتاج ههنا إلى عملية انتقائية دقيقة للفظ و عملية تشذيب دقيقة بدورها للزوائد.. نستدعي هنا معيار الاقتصاد اللغوي للتمحيص و معيار الاستهداف الفني الجمالي للمقصود الدلالي..هكذا يتم رسم الصمت مع الحفاظ على رشاقة المشهد.
•أين تقع الحدود الفاصلة في أسلوبك بين الهايكو كقالب صارم، وبين حرية قصيدة النثر العربية؟
* كنت أفضل السؤال عن الحدود الفاصلة بين الهايكو صارم الحدود و بين الومضة المنفتحة.
أفضل استعمال لفظ الومضة أجدها أكثر اتساعًا و أقل صرامة و أدعى للانعتاق من القالب الثابت.. أما قصيدة النثر فتفاصيلها أكثف و أدق و شروطها الجمالية مختلفة عن شروط الهايكو..
•كيف تصنع "الدهشة" في نهاية الومضة الشعرية دون أن تقع في فخ المباشرة أو الحكمة المصطنعة؟
*مسألة صناعة الدهشة في الومضة الشعرية تعود إلى معنى الإشارة الخاطفة أو إلى عنصر الإلماح الخفيّ الذي لا يمنح المعنى دفعة واحدة. هو يمنح الإشارة أو الباده الأول في لغة نروم الاقتضاب على أن تظل الدلالة زائغة عن القبض التامّ.
إذا رمنا صناعة الدهشة فعلينا توخي الحذر من فخاخ أو اصطناع الحكمة. أعتقد أن الحكمة يتعذّر اصطناعها لأنّها مثقلة بجوار القيمة أصلا.
•في نصوصك حضور طاغٍ للزمن والمساء، كيف تطوع "الفصول الأربعة" لخدمة الحالة النفسية للإنسان المعاصر؟
الإنسان بمزاجه و أخلاطه مشروط وجوده بالزمان بالفصول باللحظات القُلّب.. لا يمكن عزل الإنسان عن اللحظات النفسية والشعورية المصاحبة له.أذن، كل فعل يأتيه إن لم يخضع لشرط العقل خضع بالضرورة لشرط المزاج. مزاج المرء حاضر في شؤون الكبرى و الصغرى.. و ألمزاج مقترن بالأفعال و الأحاسيس هذان مقترنان بالزمن الذي يحدثان خلاله.. الإنسان زمن حتى و إن تعطل فيه الزمن..الفصول الأربعة هي أخلاط الإنسان الأربعة.. و أخلاطه انعكاس لأدائه الفعلي و القولي، و بلا ريب الانفعالي و الشعوري.
•هل تعتمد في كتابتك على التدفق العفوي للحظة، أم أن النص يخضع لمشرط الباحث والناقد قبل نشره؟
كلاهما معا التدفّق العفوية للحظة و مشرط الباحث الممحّص.. الأولى ترد عفويّة في البداية حتى نظنّ لحين أنها مكتملة الشروط و مستوية بالتمام ثم بعد قراءتها نحتاج إلى الصقل و يكون بالتشذيب والتهذيب و أحيانا بالحذف و الاستبدال بغية تقديم ومضة أساسها التعديل و النحْت الختامي. كل كتابة في الأصل إذا كان مقصدها إحداث أثر جمالي، عليها أن تقطع هذين الطوريْن الكبيريْن: الطبع و يرتبط بما سميٍته تدفٍقا عفويّا ثمّ الصنعة و هذا يخضع لمشرط الباحث و حذق التشكيل.
المحور الثالث: شروخ العزلة واليومي البسيط
•تبدو نصوصك وكأنها تُكتب في عزلة تامة، كيف تحمي عين الشاعر من التلوث البصري والضوضاء الرقمية الحالية؟
مسالة التلوّث البصري والضوضاء الرقميّة لا يمكن الفكاك منها. نحن اليوم محاصرون بهذه الزحمة الخانقة و الكثرة الباعثة على التشتّت.. بعيد أنه إذا كنت تتقن المشي بين الألغام يجوز لك أن تنجو، نسبة النجاة مرتهنة بخبرة المشي و خبرةُ المشي في حقل خطر مرتين بالدّربة و امتلاك كلسحة ألغام. بتقدّم العمر و تصفية الذّهن مكتسب تلك الكاسحة.. جل النصوص بل جميعها أحيانا ج إلى العزلة التامة أو شبه التامة. شخصيا لا أستطيع الكتابة إلا ضمن إطار العزلة.. النص لا يستقيم أصلا في ظلّ الاختلاط و الأصوات المزدحمة والضجيج المربط.. و النص الأصيل يتخلّق بتلك الكفاءة.
•إلى أي مدى يعكس المساء في قصائدك مفهوم القبول الفلسفي بالتحولات والنهايات؟
* المساء إذا قصدت الفترة الميقاتية المحددة هو في الحقيقة جزء من الزمن المشار إليه آنفا. لهذا الزمن الميقات المخصوص فتنتُه المخصوصةُ تضاهي أو تفوقفتنةَ سائر الفترات الزمانية الأخرى لا سيّما الفجر و الصباحات، لانّه زمن الوعي بالنهايات و بما تحتويه من شحنة رمزية عالية. دلالة الفجر مثلا جاهزة لا تحتاج تأويل هائلا . أما المساء فله شفرات و رموز محمّلة بعمق الوعي و مقتضية للتفلسف والسؤال عن قادم العتمة.. المحتمَلانُ في المساء أشدّ استغلاقا من المحتمَلات في سائر أزمنة النهار.. نحن نتحدث ههنا عن الكثافة و الإيحاء والشاعرية و علاقة كل ذلك بعناصر الكينونة و لهب الأسئلة..
•كيف يتعايش الباحث الأكاديمي الحذر داخل علوي سيف الله، مع الشاعر المتمرد الذي يقتنص اللحظة الهاربة؟
* في الحقيقة لا أزعم أني باحث أكاديمي بالمعنى العلمي العميق للكلمة. لا شك أتي أتعامل مع نصوص أصيلة و وازنة في مستوى التحليل و التفكيك والمقاربات القرائية.. أوافقك على الشطر الثاني من رايك المتعلق بالشاعر المتمرّد الذي يحاول دائما اقتناص لحظات هاربة في الزمان و المكان و الأحلام حتى يتمكن من إعادتها إلى حقل التخييل و مضمار الشعر و السرد كذلك.. أعتقد أني أقرب إلى روح الإبداع الشعري. و الكتابة الروائية مني إلى البحث الأكاديمي و إن كنت أمارسه بحذر كما تفضلتَ بالذكر.. أؤمن أن الفعل الإبداعي فعل حرّ إلى حدّ كبير أما نشاط البحث فهو مقيّدٌ بالمدرسة و المنهج والمعايير و المواكبة و المواظبة..
•هل ترى أن انحيازك للبساطة اللغوية هو مواجهة واعية ضد التعقيد والغموض المستغلق في الشعر الحديث؟
هذه النقطة تحتاج إلى إيضاح إذ هي مختلَف حولها، أنت ترى أنني أنحاز إلى البساطة اللغوية. آخرون كثر يتهمونني بالإغماض و التعقيد. و ما أراه هو أنني هذان الإثنان وفق الجنس الكتابي الذي يتمّ إنتاجُه من جهة و وفق اللحظة النفسية التي تمليها الملَكة على الفنّ أو على الفعل الكتابي خصوصا. أنا أنحاز غالبا إلى عنصر الجمال في اللغة.. ففي اللغة و باللغة يتحرّك النصّ. واللغةُ جمالُها بالتقسيط أحيانا و بالتعقيد أحيانا. و بالجمع بينهما طورا آخر.
•الأشياء المهملة والبسيطة في القرية هي أبطال نصوصك، ما الذي يمنح هذه التفاصيل المنسية شرعيتها الشعرية؟
الأشياء المهملة في القرية و في العالم أيضا هي أبطال نصوصنا. أستحصر قولا لروب قريي" إن الأشياء تطغى على عالمنا طغيانا يتحول معه الإنسان. نفسه إلى شيء".. تلك الأشياء تشكل على بساطتها حضورَها الوجدانيو ثقلها في الذاكرة. هي جزء غير منفصل عن هويّة الإنسان حيثما ما كان في علاقته بالمكان و البشر و سائر متعلقاته الأخرى. من هذا المنطلق تكتسب الأشياء المهملة جدواها و شرعية حضورها في العالم و من ثمّ في النصّ. تصبح مكوّنا دلاليّا من ناحية و تغدو من ناحية ثانية مشروعا جماليا.. لا يمكن مثلا أن أتغافل عن عكاز والدي () أو أهمل سبحة أمّي التي تعلقها في كل مكان أو غناءها وهي تجلس إلى الرحى .. لا يمكن نسيان طنين النحل في الظهيرة عند النقل و غير ذلك كثير...هي مكوّنات صغرى لكنها تُحدث فارقا ملحوظا و عميقا..أنت تعرف بالتأكيد حكاية الرائحة القديمة التي تعلق بحاسة الشمّ كالوشم و ترتسم بالذاكرة بلا محو عند بروست مثلا أو ضوء الشمعة عند باشلار.. إنها أشياء تُحيل على تاريخ مضى و لم ينته راسب في قاع الروح في الطفولة و الشباب الأوٍل و حين يجد مثيرا خارجيٍا يُستعاد فسوف تنفجر أعشاش من الحلم و تطير فراخ من الفرح و الوجع في كل اتجاه.إن الأشياء هي التي تكتبنا أو تأسرنا لنكتبها و نكتب بها.
المحور الرابع: حركية النشر وفضاء "المغرب الكبير"
•تأسيس فضاءات متخصصة مثل "هايكو المغرب الكبير"، هل هو محاولة لخلق "قبيلة شعرية" جديدة تحمي هذا الفن؟
أعتقد أن هايكو المغرب العربي وغيره من الصفحات التي تشتغل على نفس المشهد هي صفحات ومنتديات جادة تستحثّ القرائح على الإنتاج و تخلق مجالا فسيحا للتنافذ مع الآخرين. و أعتقد أن التنافذ هو بدوره باب للتنافس بشرط أن يكون نزيها موضوعيا و خلاقا.. إنها تتيح فرصا متكافئة للكتابة على نحو متطور و بنسق جدلي سريع.. فقط ربما لا أتفق معك على تسمية قبيلة جديدة بقدر ما هو توجّه يجتهد في حماية النصوص و ضمان الكتابة متفاوتة الجودة و تسعى إلى فعل التوجيه و الإحالة على شروط الجدة والابتكار.. حتّى و إن كان هناك أصوات ضعيفة مقارنة بأصوات أخرى ذات كفاءة لافتة، فذلك هو مجال التحاكّ و التطوّر.
•كيف ترى تفاعل القارئ المغاربي والعربي مع نمط شعري لا يعتمد على الوزن أو القافية الكلاسيكية؟
تفاعل القارئ المغاربي و العربي مع نمط مفارق لأنماط الوزن هو تفاعل مكثف و متوافر متواتر و سريع الانتشار و يمكن تفسير هذا الإقبال إما برغبة في التحرّر من قوالب الإيقاع أو بعجز عن إنتاج نص إيقاعيّ حقيقيّ.. و لهذا التكثيف و التوافر وجهان إيجابي يفتح شهية الكتابة و يعدّد اصواتها و في ذلك إضافة و إثراء للمشهد الإبداعي و لنشاط الكتابة. و الثاني سلبي لأنه يحتاج إلى أصوات نقد موازية لتلك النصوص حتى يقع التعديل و ضبط الشروط و القوانين الملزمة للكتابة في جنس كتابي أو آخر..
•هل نجحت الأنطولوجيات والمجموعات المشتركة في فرض الهايكو كجنس أدبي معترف به في المؤسسات الثقافية الرسمية؟
أعتقد أن تلك الأنطولوجيات قد نجحت بسهم لافت في فرض هذا القالب القولي الجديد أو بعبارة أدق المنتشر عربيا بنسق سريع. لأنها أوجدت أصواتا ومؤسسات سرعان ما تلقت هذا الولع الشعري و حاولت أن تؤسس له شبه مدارس عربية شرقية على غرار المدارس اليابانية و الغربية.. لعلها توفقت إلى حدّ لافت في تسليط الضوء على هذا التقليد الشعري الياباني المنشأ و سعت إلى ترسيخه تقليدا عربيا شرقيا له رواده ومريدوه..
•النشر الرقمي أعطى الهايكو أجنحة سريعة، لكن هل سلبه هيبته وسمح بالاستسهال؟
النشر الرقمي فرصة ذهبية وحاضنة لتفريخ النصوص بنسق سرعة قياسي، و لكنه في الآن نفسه سمح باستسهال الفعل الكتابي في الهايكو من خلال توالد الأصوات غثها وسمينها بالتعبير المألوف.. و هذا ما سلب جزءا من هيبة الهايكو، لأنّ استسهال الأمر يدفع إلى الخوض فيه دون احترام خصائصه وشروط الكتابة فيه.. المشكل الرئيس هو فقدان مؤسسة النقد كمؤسسة مجاورة و محاذية للنشاط الإبداعي.
* •كيف تقيم النقد العربي الراهن في مواكبة قصيدة الومضة؟ هل يمتلك الأدوات التفكيكية المناسبة لها؟
لا يمكن الجزم بمواكبة النقد العربي لقصيدة الومضة مواكبة مقننة دقيقة.. ثمة توالج و تداخل حدود بين جنس قصيدة الومضة و أجناس أخرى مثل القصة القصيرة جدا و ربما الهايكو حتّى.. يبدو لي أنّه يتحتّم وضع حدود فاصلة و نهائية بين تلك الأنماط. و إن كنت شخصيا لا أميل إلى التصنيف الأجناسي إذ يمكن أن نجد تشابهات خافية بينها.. و لذلك أسمّي ذلك التداخل أو عدم القدرة على الفصل الدقيق بلفظ " كتابة"، فهو لفظ جامع. عملية الإبداع فيها هامش حرية متاح. أما النقد فيشتغل على التصنيف الضبط المفاهيمي و دقة المصطلح و توحيده، و إن كان أحيانا يعجز عن ذلك الضبط و ذلك التوحيد و التحديد.
المحور الخامس: هويات النص وتقاطعات الوجود
•يرى البعض أن الهايكو العربي مجرد تقليد لثقافة أخرى، كيف تدافع عن "عروبة" و"تونسية" نصوصك؟
* لا شكّ أن الهايكو تقليد لثقافة يابانية أجنبية. و كغيره من أنماط الكتابة ينبثق في مكان ما ثم يبدأ في الاتساع و الانتشار.. وهكذا يتحوّل إلى أدب عالمي إنساني بالمعنى الشامل.. و لكل القدرة على استثماره و إخضاعه لخصوصية أمته و شعبه وثقافته، و بهذا يكتسب طابعه الجديد الناطق بهوية تلك المجموعة أو سواها..
•كيف يتقاطع المكان التونسي بخصوصيته وجغرافيته مع الفلسفة الكونية العابرة للحدود في شعرك؟
و كغيري من الشعراء و الكتاب أنفتح على ثقافات الآخر و أنهل من معينه على أنّي أطوّع النصّ إلى خصوصيّته العربية عموما و التونسية خصوصا.. فبعض النصوص تحمل الهمّ القومي وبعضها يحمل الهمّ المحلّي الوطنيّ إن صحّ التعبير.. و إن كان البعد العربي و البعد الوطني يلتقيان في نقاط مشتركة عديدة لأنّنا على اختلافنا نتقاطع في الهمّ و الحلم و الوهم كذلك.. وكلا البعدين له علاقة بالبعد الإنساني و الكونيّ..هنالك مفرّقات وجوامع.. نصوصي في اعتقادي منفتحة على الإنسان في لحظاته الشعورية و النفسية الدقيقة و معبرة عن آلام الذاتية و الموضوعية على حد سواء.. مصبّ الفلسفة الكونية في معالجة جوهر الإنسان نمط تفكيره و طبيعة أحاسيسه و أسلوب تعامله مع القيم المشتركة،و أرى أن جلّ نصوصي تتمحور حول هذا الجوهر و تتعاطى مع القيم المشكلة له..
•بين الورق الكلاسيكي والمجلات الرقمية، أين تجد "روح" نصوصك مكانها الأنسب للتنفس؟
يبدو أن روح نصوصي تتنفس بشكل أفضل في المجلات الرقميّة.. بديهي اليوم أن المكتوب الورقي تقلص جمهوره بحكم اتساع دوائر الرقميّ . و سرعة اتساعه و انتشاره تجعل الكاتب أقرب إلى المقروئية الرقمية منه إلى المقروئية الكتابية.. دون أن نغفل عن كلفة نشر الكتب.
*
•هل تعتبر نصوصك نوعاً من المقاومة السلمية ضد تشويه العالم، ومحاولة لإعادة ترميم إنسانيتنا؟
كل أدب أصيل يحترم أصالته و يكتب صدقه و يسعى إلى بلوغ الحقيقة الجمالية هو لا شك مقاومة سلمية ضد تشويه العالم. ولكنها مقاومة رغم سلميّتها فهي تتصدى لأعنف و أقسى أنواع الشرّ" العالم القبيح و الزمن المسخ.. نحن في حقبة معفرة بالدمام شوهاء تماما.. والشاعر و الأديب و الفنّان بتعبير أشمل يبتكر أساليبه في رسم صورة مقابلة للقبح و يحاول ترميم إنسانية الإنسان المهدورة.. كل عملية تجميل في حياتنا مهما كان مصدرها و مداها فهي عملية ترميم.. الترميم هي اللفظة الصائبة. نحن لم نعد نقوى على خلق جمال جديد للعالم. نحن نهذّب القبح لاغير.. و هذه لحالها مهمّة شاقّة جدا.
•لو جردنا قصيدتك من الطبيعة وعناصرها، ما الذي يتبقى من علوي سيف الله الشاعر؟
هي فرضية مستبعده لانّ الطبيعة في وجودنا محور أو هي مدار فما بالك بالقصيدة! القصيدة هي جزء من كيان الشاعر و ترجمان لعلاقته أو لجزء من علاقته بالطبيعة. وهي لذلك غير قابلة للتجريد أو الانفصال.. و لكن بافتراض تجريد القصيدة من تلك العناصر يبقى سيف الدين علوي شاعرا أبتر فاقدا لابرز مكوّن حيوي و جماليّ لحياته و لشعره.. و سيكون الشعر بدوره مسخا معوقا..معالجة جوهر الإنسان نمط تفكيره و طبيعة أحاسيسه و أسلوب تعامله مع القيم المشتركة و أرى أن جلّ نصوصي تتمحور حول هذا الجوهر و تتعاطى مع القيم المشكلة له..



#عطا_درغام (هاشتاغ)       Atta_Dorgham#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ع ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة التونسية فائزة ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعر التونسي محمد عل ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوار مع الشاعر التونسي ن ...
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة:مع الشاعرة مجيدة محمدي
- الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر التونسي محمد ا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع عبد المجيد عبوبي
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوارٌ مع الشاعر والمربي س ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: حوار مع الشاعرة المغربية ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: لقاء مع الفنان التشكيلي ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع عبد المؤمن الزياني
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:عبد اللطيف النيلة في حوار ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الشاعر الناقد فرحات نز ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : مع الشاعر عبدالرحمان ا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: : حوار عميق مع الشاعر وا ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:حوار مع الشاعر المغربي مح ...
- الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة: . إضاءات على مسيرة الشاع ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع النحات ناجح أبو غنيم
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :حوار مع الأديبة والإعلام ...
- الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةحوار خاص مع الشاعر منذر ال ...


المزيد.....




- رحلة الوصول إلى أكبر يقطينة في العالم: 1360 كيلوغرامًا
- -هناك عائلة تتألم-.. زوجة سعد لمجرد تتساءل: أين العدالة؟ وتح ...
- خامنئي: ثمة من يعد إيران القوة العظمى الرابعة والحسابات الإل ...
- إعلام إيراني: عراقجي يلتقي الوسطاء القطريين في نيويورك
- مسؤول أمريكي لـCNN: ترامب يرهن تخفيف عقوبات إيران بـ-تقدم مل ...
- لماذا ذهب نتنياهو سراً إلى الإمارات الآن؟ وماذا طلب من بن زا ...
- حصن الديمقراطية الألمانية .. المحكمة الدستورية تبلغ عامها ال ...
- محكمة فرنسية تدين شركة -سويفت إير- بتهمة القتل الخطأ بعد سقو ...
- بعد 20 عاما.. كيف انتهت أغرب مذبحة في مصر بلا قاتل مدان؟
- محكمة تركية تدين ممثلا كوميديا بتهمة إهانة أردوغان وتأمر بال ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - عطا درغام - الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: حوارٌ مع حارس اللحظة الهاربة علوي سيف الله