أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتز حيسو - سوريا في لحظة الانتقال: من نقد الأحادية إلى بناء المجال العام















المزيد.....

سوريا في لحظة الانتقال: من نقد الأحادية إلى بناء المجال العام


معتز حيسو

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 20:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: معتز حيسو

تدخل سوريا مرحلة تاريخية مختلفة بعد سقوط سلطة الأسد، وهي مرحلة لا يحدد معناها مجرد انتهاء سلطة سياسية استمرت عقوداً، وإنما ما ستفضي إليه عملية الانتقال من شكل للدولة والمجتمع والعلاقة بين المواطن والسلطة. فإسقاط الاستبداد لا يعني، بذاته، بناء الحرية، كما أن انهيار السلطة القديمة لا يضمن تلقائياً نشوء نظام سياسي يقوم على المواطنة وسيادة القانون والتعددية والمشاركة.
لقد فتحت اللحظة السورية الراهنة إمكاناً تاريخياً نادراً لإعادة التفكير في الأسس التي قامت عليها الدولة والمجتمع والثقافة السياسية. فالسؤال لم يعد فقط: كيف تخلص السوريون من الاستبداد؟ وإنما أصبح: كيف يمكن ألا يعاد إنتاج الاستبداد في صورة جديدة؟ وكيف يمكن أن تتحول الدولة من أداة للهيمنة إلى مؤسسة عامة تمثل مواطنيها جميعاً؟.
وهنا تبرز أهمية الفكر والمعرفة. فالمراحل الانتقالية لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى تحول في الوعي السياسي والثقافي، وإلى إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين الجماعة والمجتمع، وبين الاختلاف والوحدة الوطنية. ولا يمكن بناء سوريا جديدة بعقلية سياسية تنتمي إلى شروط الماضي.

ـ من سقوط السلطة إلى تفكيك بنية الاستبداد
لم يكن الاستبداد السوري مجرد شخص أو حزب أو جهاز أمني، بل كان منظومة متكاملة من العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية، جعلت الدولة فوق المجتمع، والسلطة فوق القانون، والولاء السياسي معياراً للمواطنة، والخوف إحدى آليات إدارة الحياة العامة.
ولهذا فإن الانتقال الحقيقي لا يكتمل بمجرد تغيير السلطة، بل يحتاج إلى تفكيك البنية التي أنتجت الاستبداد وأعادت إنتاجه. فالمشكلة ليست فقط في الأجهزة التي مارست القمع، وإنما أيضاً في الثقافة التي جعلت من الطاعة فضيلة، ومن الاختلاف تهديداً، ومن الدولة ملكية للسلطة، ومن المواطن تابعاً لها.
لقد تركت عقود الاستبداد أثراً عميقاً في الوعي السوري. فالخوف الذي يستمر زمناً طويلاً لا يبقى خارج الإنسان؛ إنه يتحول إلى رقابة داخلية، وإلى حذر في الكلام، وإلى تجنب للأسئلة، وإلى اعتياد على الصمت. ولذلك فإن تحرير المجال العام يحتاج إلى أكثر من رفع القيود القانونية؛ إنه يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الإنسان والكلمة، وبين المواطن والمؤسسة، وبين الاختلاف والحياة السياسية. ومن هنا فإن سوريا لا تحتاج فقط إلى تغيير في السلطة، وإنما إلى تغيير في مفهوم السلطة نفسها.

ـ الدولة ليست غنيمة المنتصر
تواجه المرحلة الانتقالية واحدة من أكثر المسائل حساسية: كيف تتحول القوة التي أسهمت في إسقاط سلطة الأسد إلى دولة تتجاوز منطق القوة والغلبة؟
فالانتقال من الحرب إلى الدولة يقتضي أن تتوقف شرعية السلاح عند حدودها، وأن تصبح شرعية المؤسسات والقانون هي المرجعية العامة. وهذا لا يعني تجاهل القوى التي قاتلت وأسهمت في إسقاط السلطة، بل يعني أن دورها التاريخي لا يمنحها حق امتلاك الدولة أو تحديد مستقبلها بصورة منفردة.
وتزداد أهمية هذا السؤال في بلد متعدد القوميات والطوائف والتجارب السياسية. وقد شهدت السنوات الماضية صراعات بين قوى مختلفة، ثم بدأت في المرحلة الانتقالية عمليات لدمج تشكيلات مسلحة ضمن مؤسسات الدولة، كان آخرها إعلان قوات سوريا الديمقراطية حل بنيتها العسكرية المستقلة ضمن مسار دمجها في مؤسسات الدولة. لكن نجاح هذا المسار لا يقاس فقط بضم المقاتلين إلى المؤسسات الرسمية، وإنما بمدى قدرة الدولة الجديدة على ضمان حقوق
المواطنين الذين يمثلونهم، وعلى تحويل التسويات العسكرية إلى عقد سياسي واجتماعي مستدام.
فالدولة التي تستوعب السلاح ولا تستوعب التنوع قد تعيد إنتاج الأزمة بطريقة أخرى.

ـ المواطنة في مواجهة منطق الجماعات
أظهرت الحرب السورية حجم التشققات التي يمكن أن تصيب المجتمع عندما تصبح الجماعة بديلاً عن المواطنة. وعندما يفقد الإنسان شعوره بالأمان داخل الدولة، يبدأ بالبحث عن الحماية في الطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الإثنية أو الميليشيا العسكرية. وهذا لا يمكن علاجه بإدانة الجماعات أو مطالبتها بالتخلي عن هوياتها، وإنما ببناء دولة تجعل الانتماء الوطني إطاراً جامعاً لا يلغي الانتماءات الأخرى. فالمواطنة لا تعني محو الاختلاف، بل تعني أن الاختلاف لا يتحول إلى سبب للتمييز أو الإقصاء أو العنف.
ولهذا فإن سوريا الجديدة تحتاج إلى عقد وطني لا يقوم على فكرة التجانس القسري، وإنما على الاعتراف بالتعدد. فالخوف من التعدد قد ينتج دولة أكثر هشاشة، بينما الاعتراف به ضمن مؤسسات القانون يمكن أن يحوله إلى مصدر قوة اجتماعية.
وقد أظهرت أحداث السويداء حجم المخاطر التي تترتب على غياب الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية؛ إذ خلص تحقيق أممي إلى مقتل أكثر من 1700 شخص خلال أحداث يوليو/تموز 2025، مع توثيق انتهاكات خطيرة ارتكبتها أطراف متعددة، فيما ظلت حتى اللحظة عملية إعادة دمج المحافظة متعثرة. وهنا يصبح الاعتراف بالألم والضحايا شرطاً لبناء المستقبل، لا عائقاً أمامه.

ـ العدالة الانتقالية ليست انتقاماً
تواجه سوريا بعد عقود من الاستبداد والحرب سؤال العدالة الانتقالية. وهذا السؤال لا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم، كما لا يمكن اختزاله في الانتقام من المنتصرين أو المهزومين.
فالعدالة التي تحتاجها سوريا هي التي تكشف الحقيقة، وتحفظ حقوق الضحايا، وتحاسب المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، وتمنع تحويل الانتماء الجماعي إلى تهمة، وتضع حداً لدورة الانتقام.
ولا يمكن بناء دولة جديدة إذا أصبح منطق: «نحن الضحايا ولذلك يحق لنا أن نفعل ما نشاء» قاعدة للحكم. فالضحية تحتاج إلى العدالة، لكنها لا تحتاج إلى تحويل ألمها إلى سلطة جديدة على الآخرين.
ومن هنا ينبغي التمييز بين محاسبة الفرد على فعله، وبين تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد منها. فالمجتمعات لا تبنى على العقاب الجماعي، وإنما على المسؤولية الفردية وسيادة القانون.
إن العدالة الانتقالية ليست ملفاً قضائياً فحسب، بل هي أيضاً عملية لإعادة بناء الذاكرة الوطنية. وسوريا بحاجة إلى ذاكرة لا تنكر الجرائم ولا تحتكر رواية الألم، بل تتيح للسوريين جميعاً أن يروا تاريخهم من مواقع متعددة.

الاقتصاد الانتقالي: من دولة الاحتكار إلى التنمية العادلة
لا يمكن بناء مجال عام مستقر فوق أرضية اقتصادية متهالكة أو قائمة على الإقصاء. فالاستبداد السوري لم يكن مجرد منظومة أمنية ثقافية، بل كان أيضاً شبكة معقدة من الاحتكارات والزبائنية الاقتصادية التي جيرت موارد الدولة وثرواتها لصالح فئات محددة، وحولت لقمة العيش إلى أداة للسيطرة والإخضاع السياسي. ولهذا، فإن الانتقال السياسي لا يمكن أن يثمر دون انتقال اقتصادي يتجاوز منطق"اقتصاد الحرب" وأمراء الطوائف والميليشيات، نحو نموذج تنموي يقوم على الإنتاج، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، وأيضاً التوزيعية. إن حماية الحرية تقتضي بالضرورة حماية الأمان المعيشي للمواطن؛ فالمواطنة ستبقى شعاراً مجرداً لمن يفتقد الحد الأدنى من الكرامة الاقتصادية الخدمية. وفي هذا السياق، فإن تحديات إعادة الإعمار، والإنعاش المبكر، وإعادة دمج الفئات المهمشة، ليست مجرد ملفات تقنية أو مالية، بل هي قضايا سياسية بامتياز تحدد مدى قدرة الدولة الجديدة على نيل ثقة مواطنيها. والدولة التي تنجح في صياغة دستور ديمقراطي عادل ولكنها تفشل في تأمين الخبز والعمل والعدالة التنموية بين المناطق، قد تقدم بيئة خصبة لإعادة إنتاج الفوضى أو الاستبداد في لبوس جديد. فاستقرار العقد الاجتماعي الجديد مشروط، في عمقه، بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين حرية الفرد وأمنه المعيشي.

ـ الدستور ليس نصاً فوق المجتمع
تحتاج سوريا إلى دستور جديد، لكن الدستور لا ينبغي أن يكون مجرد وثيقة تكتبها النخب السياسية ثم يطلب من المجتمع قبولها.
الدستور، في جوهره، هو اتفاق على حدود السلطة وحقوق الإنسان وشكل الدولة وآليات تداول الحكم وضمان استقلال القضاء والحريات العامة والمساواة بين المواطنين واقتصاد يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية.
ولذلك فإن قيمة أي عملية دستورية لا تقاس فقط بجودة النص الذي تنتجه، وإنما أيضاً بدرجة المشاركة التي تسبق إنتاجه.
وقد بدأ المجلس النيابي الانتقالي عمله في يوليو/تموز 2026، لكن صلاحياته محدودة في المرحلة الانتقالية، كما أن تشكيله يجمع بين أعضاء اختيروا عبر هيئات انتخابية إقليمية وآخرين عينهم الرئيس، مع استمرار أسئلة حول مدى اتساع التمثيل واستقلال المؤسسة التشريعية. وهذا يجعل النقاش حول الدستور وشكل النظام السياسي مسألة مفتوحة وحاسمة في الوقت نفسه. والأهم أن الدستور لا ينبغي أن يكون أداة لتثبيت توازنات مؤقتة، بل إطاراً يمنع أي سلطة مستقبلية من احتكار الدولة والمجتمع.

ـ نحو عقد وطني سوري جديد
ربما يكون أهم ما تحتاج إليه سوريا اليوم هو عقد وطني جديد. ليس عقداً بين السلطة وبعض القوى السياسية، وإنما عقداً بين الدولة والمجتمع.عقد يقول بوضوح: إن الدولة ليست ملكاً للحاكم. وإن الجيش ليس ملكاً لحزب. وإن الدين ليس ملكاً لسلطة سياسية. وإن المواطنة و الوطن ليسا ملكاً لأغلبية أو لأقلية مسيطرة. وإن المعارضة ليست خيانة. وإن الاختلاف ليس مؤامرة. وإن المواطنة لا تتجزأ. وإن الحقوق لا تمنحها السلطة بوصفها منّة، بل يحميها القانون بوصفها حقوقاً أصيلة. هذا العقد وحده يمكن أن يحول سوريا من دولة تتعايش فيها الجماعات تحت الخوف إلى دولة يتعايش فيها المواطنون في ظل القانون.

ـ الدين والدولة والمجال العام
ربما يكون من أكثر الأسئلة حساسية في سوريا الجديدة السؤال المتعلق بالدين والدولة. ولا يمكن معالجة هذا السؤال عبر ثنائية مبسطة تجعل الدين في مواجهة الدولة، أو العلمانية في مواجهة الدين. فالمطلوب ليس إقصاء الدين من المجتمع، ولا تحويله إلى مصدر وحيد للتشريع السياسي، وإنما بناء دولة تضمن حرية الاعتقاد والضمير والممارسة، وتساوي بين مواطنيها على أساس الحقوق والواجبات.
المشكلة تبدأ حين تتحول المرجعية الدينية أو القومية أو الأيديولوجية إلى سلطة سياسية تمنح أصحابها حق احتكار الحقيقة أو المواطنة.
كما أن الدولة التي تستخدم الدين لأغراض سياسية تضر بالدين بقدر ما تضر بالدولة؛ لأنها تحول الاعتقاد إلى أداة للصراع السياسي، وتضع المؤمنين أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضاً.
وفي المقابل، فإن بناء دولة مدنية لا يعني محاربة الدين، وإنما يعني أن تكون الدولة ملكاً لمواطنيها جميعاً.

ـ من الثورة إلى الثقافة السياسية
من الممكن إسقاط سلطة سياسية بقوة السلاح، لكن بناء ثقافة سياسية ومدنية جديدة أكثر صعوبة. فالاستبداد لا يعيش فقط في القصر الجمهوري أو الأجهزة الأمنية؛ فهو يمكن أن يستمر في المدرسة والأسرة والحزب والجامعة والإعلام والمنابر الثقافية ووسائل التواصل، وفي طريقة تعاملنا مع المختلف. ولهذا فإن الثورة السياسية تحتاج إلى ثورة في الثقافة السياسية، وآليات التفكير. نحتاج إلى الانتقال من ثقافة الزعيم إلى ثقافة المؤسسة، ومن ثقافة الطاعة إلى ثقافة المشاركة، ومن التخوين إلى الحوار، ومن احتكار الحقيقة إلى الاعتراف بتعدد وجهات النظر. كما نحتاج إلى أن يصبح النقد ممارسة طبيعية داخل المجتمع السياسي والثقافي، لا علامة على الخيانة أو العداء.
فالمجتمع الذي لا يحتمل نقد السلطة لن يستطيع بناء سلطة ديمقراطية، والمثقف الذي يطالب
بحرية التعبير ثم يرفض حرية خصمه يعيد إنتاج المشكلة التي يقول إنه يحاربها.

ـ الفكر وسؤال الحداثة
ليست سوريا بحاجة إلى استيراد نموذج جاهز من الخارج، كما أنها ليست بحاجة إلى العودة إلى نموذج مثالي من الماضي. فالحداثة التي تحتاجها سوريا ليست نسخة عن تجربة أوروبية أو عربية أخرى، وإنما قدرة السوريين على بناء مؤسسات حديثة انطلاقاً من الواقع السوري، والاستفادة من التجارب الإنسانية دون تحويلها إلى قوالب إلزامية. كما أن الأصالة لا تعني العودة إلى الماضي، وإنما القدرة على التعامل معه بوصفه سياق تطور تاريخي متعيِّن ماضوياً يحتاج إلى قراءة نقدية منهجية، وعقلانية موضوعية لفهم آليات نشوئه وأسباب تطوره.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل نختار التراث أم الحداثة؟. بل: كيف نجعل التراث موضوعاً للمعرفة لا سلطة فوقها، وكيف نجعل الحداثة أفقاً للنقد والتحرر لا أيديولوجيا جديدة؟ فالمشكلة ليست في وجود المرجعيات، وإنما في تحويلها إلى حقائق مغلقة لا تسمح بالمراجعة.

ـ المثقف السوري أمام لحظة جديدة
تقع على المثقف السوري اليوم مسؤولية مختلفة عن تلك التي كانت تقع عليه في ظل سلطة الأسد. إذ لم يعد دوره مقتصراً على فضح الاستبداد، رغم أن نقد الماضي ومحاسبة المسؤولين عنه يظلان ضروريين. بل أصبح مطالباً بالمشاركة في التفكير في الدولة التي يريد السوريون بناءها. وهنا ينبغي للمثقف أن يحذر من التحول إلى ناطق باسم السلطة الجديدة، كما ينبغي ألا يتحول إلى معارض دائم يرفض كل ما يأتي منها لمجرد أنها سلطة.
إن الموقف النقدي الحقيقي هو أن يكون المثقف مستقلاً عن السلطة والمعارضة والجماعة والأيديولوجيا، وأن يحاكم الجميع بالمعيار نفسه. فإذا كانت الحرية مبدأ، فلا ينبغي أن تتغير قيمتها بتغير الحاكم. وإذا كانت الكرامة حقاً، فلا ينبغي أن تتجزأ بحسب الانتماء السياسي أو الطائفي أو القومي.

ـ المعرفة في زمن المنصات والخوارزميات
لا يمكن التفكير في سوريا الجديدة بأدوات القرن الماضي وحدها. فالمجال العام السوري يتشكل اليوم عبر الهواتف والمنصات الرقمية وشبكات التواصل، حيث تنتشر المعلومات والشائعات والصور والروايات بسرعة غير مسبوقة. لقد أصبحت معركة الوعي جزءاً من معركة بناء الدولة. فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل ما يحظى بأغلبية المشاهدات أكثر أهمية أو صدقاً. كما أن الخوارزميات لا تعمل دائماً على أساس القيمة المعرفية للمعلومة، بل وفق أنظمة اقتصادية وتقنية تهتم بجذب الانتباه واستمراره.
ومن هنا فإن بناء سوريا الجديدة يحتاج إلى ثقافة نقدية قادرة على التمييز بين الخبر والدعاية، وبين الذاكرة والشائعة، وبين الشهادة والتوظيف السياسي للألم. ويحتاج التعليم السوري، بصورة خاصة، إلى الانتقال من تلقين الإجابات إلى تدريب الطلاب على طرح الأسئلة والتحقق من المعلومات وفهم الاختلاف.

ـ سوريا أمام امتحان المستقبل
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن نخرج من أحادية قديمة إلى أحادية جديدة، ومن سلطة احتكرت الدولة باسم الحزب إلى سلطة تحتكرها باسم الثورة أو الدين أو الأمن أو الأكثرية. فالتغيير الحقيقي لا يقاس باسم السلطة الجديدة، وإنما بقدرتها على قبول النقد، واحترام القانون، وضمان الحقوق، وإدارة الاختلاف، وتداول السلطة. ولا يمكن لسوريا أن تستعيد وحدتها من خلال فرض التطابق على السوريين. الوحدة التي تقوم على الخوف مؤقتة، أما الوحدة التي تقوم على المواطنة فهي قابلة للاستمرار.
كما أن بناء الدولة لا يعني محو الذاكرة، وإنما تحريرها من الاستخدام السياسي. ولا يعني المصالحة نسيان الضحايا، بل الاعتراف بهم ومنع تكرار ما حدث.
وفي الوقت نفسه، فإن السيادة الوطنية ليست شعاراً مجرداً. فسوريا الخارجة من حرب طويلة ما زالت تواجه تحديات أمنية وإقليمية، بما فيها الوجود والتحركات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، وهو ما يجعل بناء الدولة واستعادة قدرتها على حماية حدودها وسيادتها جزءاً من عملية الانتقال نفسها.

ـ مآلات
تقف سوريا أمام فرصة تاريخية، لكنها ليست فرصة مضمونة النتائج. فبعد عقود من الاستبداد والحرب، بدأت عملية انتقال سياسي ومؤسسي، وأصبحت إعادة بناء الدولة والانفتاح الدولي وإعادة الإعمار وإعادة دمج المناطق والقوى المختلفة أسئلة عملية لا شعارات مجردة. وقد شهدت البلاد بالفعل خطوات باتجاه إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة العلاقات الدولية، لكن هذه الخطوات ستبقى ناقصة ما لم تترافق مع مشاركة سياسية أوسع وضمانات دستورية واضحة للمواطنة والحقوق والعدالة.
إن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بقدرة السلطة على فرض الأمن، وإنما بقدرتها على تحويل الأمن إلى قانون، والقوة إلى مؤسسة، والانتصار العسكري إلى عقد وطني.
ولن يكون المطلوب هو بناء دولة منتصرة على جزء من السوريين، بل دولة يشعر فيها السوريون جميعاً بأنها لهم وليست عليهم.
وهذا يتطلب فك الارتباط بين الدولة والجماعة، وبين السلطة واحتكار الحقيقة، وبين الدين والاحتكار السياسي، وبين الثورة وامتلاك الدولة.
فالدولة التي تستبدل جماعة مهيمنة بجماعة أخرى لا تكون قد تجاوزت منطق الاستبداد، وإنما تكون قد غيرت أطرافه.
أما سوريا التي يمكن أن تخرج قوية ومتماسكة اجتماعياً من هذه المرحلة؛ هي سوريا التي يصبح فيها الاختلاف جزءاً من النظام العام، لا خطراً عليه؛ ويصبح النقد حقاً، لا جريمة؛ وتصبح المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة، لا الانتماء السياسي أو الطائفي أو القومي.
إن المهمة الفكرية الأكثر إلحاحاً اليوم ليست إنتاج أيديولوجيا سورية جديدة، وإنما تحرير المجال العام من الحاجة إلى الأيديولوجيا المغلقة.
وليس المطلوب أن نتفق جميعاً على تفسير واحد للماضي، وإنما أن نتفق على قواعد تمنع إعادة إنتاج مآسيه.
وليس المطلوب أن نبحث عن إجابة نهائية لسؤال سوريا، وإنما أن نمتلك الشجاعة لإعادة صياغة الأسئلة التي تحكم مستقبلها.
فبعد سقوط الاستبداد، تبدأ المعركة الأصعب: كيف نبني الحرية من دون أن نعيد إنتاج الاستبداد، وكيف نبني الدولة من دون أن نحولها إلى سلطة فوق المجتمع، وكيف نحافظ على وحدة سوريا من دون أن نحول الوحدة إلى ذريعة لإلغاء التنوع؟. هناك، في الإجابة عن هذه الأسئلة، يتحدد معنى الانتقال السوري.
كاتب وباحث سوري



#معتز_حيسو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الهوية القاتلة والهوية العادمة: كيف سيكون وجه المستقبل
- سورية بين وهم الكانتونات وضرورات الدولة الوطنية الجامعة
- إشكالية العمل السياسي في سوريا: بين السلطة والمجتمع.
- بين الجمهور والمواطنة: مأزق الذات السورية بعد سقوط الطغيان.
- هوية الاقتصاد السوري:واقع وآفاق؟؟.
- مداخل التوافق الوطني في ظل تحديات اللحظة الراهنة
- من الحرية إلى تصدُّع الوحدة الوطنية
- تجاوز عقل الجمهور شرط تمكين المواطنة
- عتبة التحول السوري سوريا في قلب الصراع الدولي والإقليمي
- من أجل بناء عقد اجتماعي سوري جديد
- عوامل النزاع الأهلي في سوريا
- عوامل السلم الأهلي في سوريا
- الأوضاع السورية في سياق المتحول العالمي الراهن
- أنا هوالآخر
- أناهو الآخر
- قراءة أولية في أوضاع التجمعات المدنية والسياسية في سوريا
- بخصوص إشكالية إعادة إنتاج الذات
- مدخل إلى خطاب المظلومية
- بخصوص ثقافة العنف
- عود على بدء سؤال الهوية من جديد


المزيد.....




- وزارة الدفاع الأفغانية: قتلنا 28 مسلحا معظمهم من عناصر الأمن ...
- ترامب: قد نجري مفاوضات مع إيران الأسبوع المقبل
- توكاييف: مقتل 14 عسكريا في مناورات بحر قزوين كشف غياب الاحتر ...
- بعد تصريحات سموتريتش.. مصر تحذر إسرائيل من استمرار ممارساتها ...
- وفد طبي روسي يجري عمليات زراعة قوقعة لـ50 طفلا في مجمع ناصر ...
- سفير أمريكا لدى بكين: ترامب سأل شي جين بينغ عما إذا كان يرغب ...
- التضامن تستعرض التجربة المصرية في «تكافل وكرامة» وتطلع على م ...
- التضامن تستعرض التجربة المصرية في مواجهة الفقر متعدد الأبعاد ...
- “القومي لذوي الإعاقة” يدشن فعاليات مبادرة “أسرتي قوتي” بمحاف ...
- بريطانيا: متفجرات قرب قاعدة جوية يستخدمها الجيش الأمريكي


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتز حيسو - سوريا في لحظة الانتقال: من نقد الأحادية إلى بناء المجال العام