|
|
هوية الاقتصاد السوري:واقع وآفاق؟؟.
معتز حيسو
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 00:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هوية الاقتصاد السوري: واقع وآفاق؟؟. معتز حيسو من الأهمية بمكان الإضاءة على إشكالية التناقض بين هوية الاقتصاد السوري كاصطلاح نظري، وبين السياسات الاقتصادية الفعلية في إدارة الثروة الوطنية والموارد الصناعية والزراعية الإستراتيجية، والسياسات المالية والنقدية، وصولاً إلى تحديد شكل/ نموذج الاقتصاد الكلي، العام. إن نموذج الاقتصاد الاشتراكي الذي اعتمدته السلطة السورية بداية 1963م حتى منتصف التسعينيات من القرن العشرين، كان في جوهرة اقتصاد "رأسمالية دولة" ترتبط بعلاقات واسعة مع رأسماليات غربية. وهيمنت من خلاله سلطة الأسد على إدارة الموارد والثروات الاقتصادية والإستراتيجية من خلال هيمنتها على: قطاع الدولة، المشترك، التعاوني والخاص اعتماداً على خطط خمسيه لم تحقق أياً من أهداف التنمية الإستراتيجية.نتيجة لذلك، أصبحت سمات تلك المرحلة تتلخص في: الإفقار، التهميش ،الإذلال، القهر، النهب، وعدم التوزيع العادل للثروة والناتج الوطني الإجمالي. وترافق هذا الواقع مع مأسسة الفساد وتحويله إلى نهج سلطوي ممنهج. حيث اعتمد المتنفذون سياسية المحاصصة والاحتكار. وتزامن هذا التجريف الاقتصادي مع تجفيف بيئة العمل السياسي والاجتماعي، والهيمنة المطلقة على الحياة السياسية، ومنظمات المجتمع المدني والنقابات، التي انحصر دورها في الدفاع عن السلطة، فضلاً عن إخضاع أحزاب"الجبهة الوطنية التقدمية" وإلحاقها ذيلياً بالسلطة. شكل إصدار قانون الاستثمار رقم /10/ في 4 مايو عام 1991م بداية التحول نحو الانفتاح الاقتصادي، عبر توسيع مشاركة القطاع الخاص، وفتح الباب لتحرير التجارة وبعض القطاعات الإنتاجية المملوكة للدولة.ورغم هذا الانفتاح أبقت السلطة على هيمنتها على الموارد الإستراتيجية، وحافظت على دعم موجَّه لقطاعات التعليم والصحة والخدمات، إضافة لبعض المواد التموينية والمشتقات النفطية؛ رغبة منها في تحقيق استقرار مجتمعي شكلي. بيد أن هذا الاستقرار في حقيقته لم يكن نتاج توازن اقتصادي، بل كان مفروضاً بقوة القبضة الأمنية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الإجراءات الاقتصادية والسياسية، المترافقة مع الترتيبات الأمنية، كانت تهدف في عمقها إلى تمهيد الطريق وتهيئة البيئة العامة لانتقال السلطة إلى الأسد الابن. بعد سيطرة بشار الأسد على السلطة عام 2000م. شهد المجتمع انفراجة سياسية مؤقتة كشفت عن حيوية السوريين التي تجلت في "ربيع دمشق" الذي ُأُجهض مبكراً، وأُودع رموزه والمشاركون فيه أقبية السجون. اقتصادياً تجلت تلك المرحلة في اعتماد سياسات تحرير الأسواق واعتبار التجارة قاطرة التطور والنمو الاقتصادي. وكان لتركيا الدور الرئيسي، إذ اندفعت الحكومة السورية نحو توقيع عشرات الاتفاقيات التجارية والاستثمارية المشتركة(توجت في عام 2004 باتفاقية التجارة الحرة الشاملة) التي دخلت حيز التنفيذ الفعلي في يناير 2007م. مما انعكس سلباً على الصناعات السورية ولاسيما الحرفية منها، نتيجة غياب تشريعات تحمي المنتج الوطني الذي عجز حينها عن منافسة الواردات التركية وغيرها. تزامن ذلك مع تقارب أوروبي سوري مدفوع بأمل تحقيق إصلاح سياسي يواكب الليبرالية الاقتصادية الناشئة. برز في خضم هذه التحولات مستشار الشؤون الاقتصادية الدكتور عبد الله الدردري بوصفه منظِّراً لسياسية تحرير الاقتصاد والمشرف على تنفيذها؛ إلا أن هذه السياسات صُممت وآلياتها لتخدم مصالح المتنفذين من رموز المال والفساد في السلطة وتمثلهم. أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات الإفقار، وسيطر رأس المال التجاري على قطاعات الدولة الرابحة، واعتُمدت سياسية الخصخصة الممنهجة لبيع أصول القطاع العام لبعض المتنفذين. إن اعتماد نموذج الاقتصاد الحر بإدارة سلطة سياسية فاسدة، وقبضة أمنية قهرية، أتاح للنظام الاستمرار في الهيمنة على السياسية والمجتمع، وإبقاء النقابات ملحقة بالسلطة ومدافعة عنها. وهو ما اختصره تصريح رئيس اتحاد نقابات العمال حينها بقوله: "إن اتحاد نقابات العمال مع الدولة يشكلون فريق عمل واحد". ويُذكر بأنه في عام 2005م، جرى رسمياً اعتماد نهج أُطلق عليه (اقتصاد السوق الاجتماعي)؛ وهو نموذج فكري اقتصادي أسسه المفكر "ألفريد مولر آرماك" وطبقه مستشار ألمانيا لاحقاً "لودفيغ إيرهارد" بهدف تجاوز تداعيات الحرب العالمية الثانية عبر الدمج بين آليات السوق والتدخل الحكومي لضمان العدالة الاجتماعية وحماية الفقراء واستقرار النقد ومنع الاحتكار. وفي وقت تطور فيه هذا النموذج موضوعياً في ألمانيا، فإنه فشل تماماً في التجربة السورية؛ويرجع ذلك إلى طبيعة بنية السلطة وتركيبتها، وشكل تحالفها الشائه مع المستثمرين بها، وتراجع الدولة عن مسؤولياتها الرعائية والاجتماعية مقابل إطلاق يد شرائح مالية طفيلية معبرة عن السلطة، مما قاد البلاد إلى كوارث اجتماعية واقتصادية عميقة. بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011م دخل الاقتصاد السوري مرحلة مختلفة تمثلت في انهيار الاقتصاد الصناعي، الزراعي، التجاري والخدمي، وأيضاً الأمن الغذائي الذي كان من أسبابه انهيار مستوى الدخل وقيمة العملة السورية. فكان الفساد والاحتكار والإفقار والنهب من أبرز سمات المرحلة التي استمرت حتى إسقاط سلطة الأسد 8/12/ 2024م. من الملاحظ حالياً أن ثمة إشكالية منهجية تعترض دارسي الاقتصاد السوري ومن يعمل على تحديد هويته المستقبلية. تجنباً لذلك نرى أنه من المفترض أولاً تحديد السياسات الاقتصادية السورية الكلية في سياق ينسجم مع ميل الاقتصاد العالمي العام. وهذا لا يتناقض مع سيادة قرار الدولة واستقلاله كمدخل إلى بناء الدولة اقتصادياً وسياسياً ومجتمعياً. فالقرار الاقتصادي بجوهره مقولة سياسية. فهل يمكن لدولة تعاني من التفكك الشامل والعميق، أن تبني في لحظة معولمة، اقتصاداً يخالف الميل العام للاقتصاد الرأسمالي المعولم بوصفه نمطاً مهيمناً؟. بعيداً عن السياق التاريخي لتطور حركة رأس المال العالمي وتجلياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبخاصة دور الدولة. بات معلوماً إن رأسمالية الدولة القائمة على السياسات الكينزية ( نسبة إلى جون ماينارد كينز وكتابه الاستراتيجي:"النظرية العامة في الفائدة والنقود والتوظيف") قد تشكلت في سياق تجاوز آثار الحرب العالمية الثانية على أساس جملة من السياسيات الجزئية والعامة منها: استعادة دور الدولة التدخلي في وضع السياسات الاقتصادية، ضرورة التشغيل الكامل للقوى العاملة الحيّة. واستمر هذا النموذج مهيمناً حتى نهاية السبعينيات. في تلك الأثناء، برزت نماذج اقتصادية رأسمالية ليبرالية تطورت موضوعياً لتتحول إلى النموذج النيو ليبرالي ( الليبرالية الجديدة) المحكوم برأس مال معولم وشركات عابرة للقوميات. آنذاك كان منظرو الاقتصاد الحر أمثال: ميلتون فريدمان رائد النظرية النقدية، فريدرش هايك، توماس فريدمان، فرانسيس فوكوياما، كارل بوبر، وآخرون يعملون على فرض سياسات تقطع تماماً مع الإرث الكينزي؛ وحظي هذا التوجه بدعم حاسم من مارغريت تاتشر عام 1979م ورونالد ريغان مطلع الثمانينيات. كونه من وجهة نظرهم فقد القدرة عن مواكبة تطور حركة رأس المال، وبات يشكل عقبة أمام تطوره.بيد أنه في عام 2008م، وإبان الأزمة المالية العالمية،اضطرت دول رأسمالية عدة إلى استدعاء، بعض من السياسات الكينزية مجدداً لحماية الأسواق من الانهيار. وفي هذا السياق، نؤكد أن كافة نماذج الاقتصاد الراهنة غير قادرة على القطع مع الميل العام لرأس مال المعولم؛ أو تجاوزه، بيد أن ذلك لا يعني مطلقاً تبني نموذجاً يتماهى مع رأس المال المعولم بصفته المتوحشة. وفي الوقت ذاته يفتقر إلى الموضوعية استدعاء نماذج اقتصادية سادت مرحلة الحرب الباردة، مثال الاقتصاد المتمحور حول الذات، أو رأسمالية الدولة ( مثل تجربة " السياسة الاقتصادية الجديدة ـ النيب" التي اعتمدها لينين اضطرارياً عام 1929م) بعد فشل نموذج اقتصاد شيوعية الحرب. إن استنهاض أياً من المفاهيم السابقة لضبط وتحديد هوية الاقتصاد السوري يمكن أن يخالف الميل العام للاقتصاد العالمي. لتجاوز ذلك نرى أنه من الأهمية بمكان تحديد وضع الدولة ودورها الاجتماعي في سياق تحديد وضبط السياسات الاقتصادية، وبالتالي ضبط انعكاساتها على المجتمع ومستقبل الاقتصاد. نشير في السياق المذكور إلى أن المستوى الاقتصادي يحدد المستوى السياسي ويتحدد به. وكلا المستويين الاقتصادي الأساسي والسياسي الرئيسي، يحددان المستوى الاجتماعي وآليات تجلياته وأشكال تمظهراته، ويتأثران به. بناءً على ذلك فإن دراسة محددات بنية الاقتصاد السوري وأشكال تجلياته المستقبلية تشكل المدخل الأساسي لفهم الوضع السوري بتجلياته كافة. بناءً عليه يمكن أن نضع تصوراً موضوعياً لهوية الاقتصاد السوري المرتبطة عضوياً بدور الدولة كسلطة سياسية غير حيادية في إدارة الاقتصاد. وطبيعة علاقتها مع القوى السياسية والهيئات المدنية، وبشكل خاص النقابات، كونهم يشكلون خط الدفاع الأول عن مصالح المتضررين من تناقضات وسياسات الاقتصاد الحر المحكوم داخلياً بقوانين الاحتكار والعولمة المالية. نشير هنا أن معرفة مخاطر تحرير الاقتصاد، لا يعني القطع معه. لكن يمكن العمل على إيجاد آليات سياسية واقتصادية تجنب المجتمع تناقضات تحرير رأس المال، وتخفف من آثاره السلبية. يدلل على ذلك تجارب متعددة نزعت الغطاء الأيديولوجي عن الاقتصاد، حافظت على دور الدولة الاجتماعي، وأطلقت حرية النشاط السياسي والمدني. استناداً إلى تجارب غير دولة، فإن تحرير الاقتصاد وانفتاح الأسواق الوطنية على الخارج الإقليمي والدولي، يؤدي في بعض الحالات إلى تراجع دور الدولة الاقتصادي التنموي. مما يضع الاقتصاد والمجتمع بمواجهة صدمات مفاجئة، يفاقم من تداعياتها السلبية عوامل متعددة منها، عدم حماية الاقتصاد الوطني من مخاطر المنافسة غير المتكافئة. وهنا نذكِّر بأن ثمة فارقاً كبيراً وجوهرياً بين "اقتصاد مهيمن" وآخر "مسيطر". فبنية الاقتصاد العالمي في مراكزه الأساسية أفضت في سياق تطورها الموضوعي إلى إنتاج نظام سياسي يتطابق مع النمط الاقتصادي السائد(النمط المهيمن). أما في دولنا العربية ودول أخرى مشابهة، فإن النظم السياسية الشمولية الاستبدادية السائدة هي التي تفرض شكلاً اقتصادياً قسرياً يناسب بنيتها الأمنية(الاقتصاد مسيطر)ويتكامل محلياً مع سياسات غربية تدخليه تهدف إلى ضبطه وتوجيهه بما يحقق مصالحها الاستراتيجية. بناءً على ذلك فإن اختيار"تحرير الاقتصاد" كمنطلق لرسم هوية الاقتصاد السوري المستقبلي، يصطدم بتحديات وهياكل داخلية معقدة تُعيق الاستثمار؛ وتتمثل في تشوه البيئة الاقتصادية ،غياب القدرة التنافسية، تخلف قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، تدني الأجور، الهشاشة الأمنية، انخفاض مستوى النمو الكلي والجزئي، تردي مستوى البنى التحتية الإدارية والتشريعية والخدمية، فضلاً عن غياب الحواضن النقابية المستقلة، وتأثير الأحزاب السياسية. إن ربط الليبرالية السياسية(الديمقراطية) بالليبرالية الاقتصادية ليس شرطاً حتمياً تلازمياً؛ وتؤكد الشواهد الدولية أن دولاً عدة شهدت قفزات في مؤشرات نموها الاقتصادي، لكنها ظلت خاضعة لسلطات استبدادية وشمولية(سياسية أو دينية)، وعجزت شعوبها عن الانتقال إلى الليبرالية السياسية. فالاقتصاد الحر وارتفاع معدلات النمو الرقمية لا يقود بالضرورة إلى الليبرالية السياسية(ديمقراطية). لقد ورثت السلطة الحالية اقتصاداً متهالكاً، وبنى إدارية بيروقراطية، ومؤسسات فاشلة تفشَّى فيها الفساد والمحسوبية والمحاصصة والنهب الممنهج؛ ارتفاع حاد في مستوي البطالة الحقيقي والمقنَّع، هيمنة اقتصاد الظل على ما يقارب أو يفوق75% من الناتج الاقتصادي الكلي. ورغم هذا التآكل، كان يُطلق على هذا النموذج زيفاً "اقتصاد السوق الاجتماعي" للإيحاء برعايته المجتمعية. بمعنى أن الدولة هي من أسس له وأشرف عليه وأمسك بمفاصله. بيد أنه في حقيقته كان اقتصاداً مافيوياً تقوده شبكات نهب ومحاصصة فرضت سيطرتها الأمنية على مفاصل الدولة، مما أدى إلى تعميم الإفقار والإفساد والقمع. ويتفاقم هذا العجز اليوم مع لجوء السلطة الحالية إلى إعادة هيكلة المؤسسات عبر آليات تتنافى مع حقوق السوريين القانونية، كالاستيلاء على قطاعات إنتاجية خاصة دون معايير قضائية، وفصل أعداد كبيرة من الموظفين، وتجاهل الآثار الكارثية لهذه السياسات على السلم والأمن المجتمعيين. إن آلية اشتغال السلطة الراهنة تمهد الطريق لاستقطاب الرساميل الخارجية وفق نماذج تضمن حرية التملك المطلق وإخراج الأرباح دون قيود زمنية، فضلاً عن تشريع استجلاب العمالة الأجنبية على حساب اليد العاملة الوطنية. أما ونحن على عتبة مرحلة جديدة، نرى أن من واجبنا الإضاءة على نموذج اقتصادي يشكل مدخلاً لتنمية مستدامة اقتصادية واجتماعية ذات ملمح وطني ديمقراطي. فإدارة الموارد المتاحة، وطرق استثمارها وتوظيفها وتوزيع عوائدها وفق أشكال تحقق العدالة الاجتماعية، تشكّل أحد أهم محددات هوية الاقتصاد. فمستوى العدالة الاجتماعية يكشف عنه حصة الفرد من الناتج القومي الإجمالي. في حين يشكل دور الدولة التنموي الاجتماعي، أحد أهم روافع النهوض الاقتصادي. وإذا كان لابد من تحرير الاقتصاد، فإن ضمان العدالة الاجتماعية يستوجب من الدولة إدارة الثروات الوطنية والموارد الإستراتيجية بشكل يضمن تأمين الخدمات العامة، والحاجات الأساسية للمواطن، أيضاً استقرار قطاعات الإنتاج الإستراتيجية، كمدخل لتطور مستدام يضمن كرامة المواطن وحقه في العمل. إن الاقتصاد الليبرالي الحر وبشكل خاص النموذج النيوليبرالي، ينزع بطبيعته إلى إلغاء دور الدولة الاجتماعي، ويعمّق من ظاهرة الاحتكار في سياق منافسة تقوم على تحرير الأسواق من أية ضوابط تَحُد من حرية حركة التبادل السلعي ومنها الأموال، لتحقيق أعلى معدل ربح، بغض النظر عن نتائجه الاجتماعية الكارثية. هذا في وقت يتم الدفع بالدولة لتكون أداة قمع سياسي تُحجِّم دور النقابات والأحزاب السياسية. يتقاطع ذلك مع إخضاع الدولة لشروط الشركات الاستثمارية في إلزامها تطوير وإنشاء البنى التحتية اللازمة للاستثمار. ما يعني أن الحريات السياسية والمدنية لا يرتبط وجودها في الدول الطرفية(بالاقتصاد الحر). تأسيساً على ما سبق، فإن تمكين هيمنة رأس المال المتوحش، والمتحرر من كافة الضوابط والقوانين الناظمة لحركته العامة في التوسع والاحتكار، تحجيم دور النقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، تمكين سلطة سياسية قادرة على فرض شروط رأس المال الذي يميل بحكم آليات تطوره الداخلية إلى التوسع والاحتكار والهيمنة. وهو ما يدفعنا للتأكيد على الأهمية القصوى للتمسك ببناء مؤسسات مجتمع مدني وقوى سياسية مستقلة تماماً عن سلطة الدولة ككابح أساسي يمنع تغول رأس المال على الاقتصاد والسياسية والمجتمع. إن صون الحريات العامة يهدف إلى مراقبة أداء الدولة؛ إذ تُشكل منظمات المجتمع المدني الوسيط الفعّال بين الحاكم والمحكوم من جهة، وبين أصحاب رأس المال والمنتجين من جهة أخرى، لإعادة الاستقرار والتوازن المجتمعي، وتحقيق العدالة الاجتماعية المستدامة. أن تطوير الاقتصاد وتحسين معدلات الإنتاج لتمكين تنمية مستدامة تحقق الأمن الغذائي والاحتياجات الأساسية للسوريين، وتصون كرامتهم باعتبارهم مواطنين أحراراً، يفترض التأكيد على حزمة من المحددات والسياسات الشاملة: السيادة والقرار الوطني: امتلاك الدولة لقرارها السيادي المطلق على كافة المستويات السياسية، وتحريره من هيمنة الأيديولوجيا الجامدة والمصالح الضيقة. الدور الرعائي والتنموي: ترسيخ دور الدولة الاجتماعي والقيام بالإشراف والتخطيط لتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للناتج القومي الإجمالي. التخطيط التشاركي والأمن الغذائي: التنسيق بين الجهات المتخصصة والخبراء والصناعيين لدعم القطاع الزراعي، وتوزيع الاستثمارات بشكل عادل جغرافياً. لإنهاء التهميش، وإدارة الموارد والثروات الوطنية بما يحقق ارتفاع معدل الإنتاجية في سياق تنمية مستدامة تحقق رفاه السوريين. استثمار الموقع الجيوسياسي: الاستفادة من ميزة سوريا كمنقطة تقاطع وعبور قارية في مشاريع الترانزيت، ونقل حوامل الطاقة، والألياف الضوئية لإحداث نهضة اقتصادية. الإصلاح الهيكلي والنزاهة: مكافحة كافة أشكال الفساد المالي والإداري، وإنهاء المحاصصة، وإعادة هيكلة القطاع العام والمؤسسات على أسس الكفاءة والشفافية،مع إقرار راتب بطالة لكل مواطن كحق أصيل حتى توفير فرصة العمل الملائمة له. البيئة الاستثمارية والائتمانية: توفير بيئة استثمارية آمنة وبنية تحتية خدمية تحفز الاستثمارات الوطنية والدولية في سياق تنمية شاملة ومستدامة، مع ضبط دخول وخروج الرساميل الأجنبية لتجنب المضاربات واشتراط تشغيل الكوادر السورية. كبح التضخم واستقرار العملة: تحسين الناتج الإجمالي عبر توظيف الثروات الوطنية(حوامل الطاقة، الفوسفات، والمعادن)لدعم قطاعي الإنتاج وتأمين القطع الأجنبي اللازم لاستقرار الليرة، وتشكيل لجان لوضع نظام ضريبي وجمركي حمائي يحفز المنتج الوطني. العدالة الاجتماعية المستدامة: استعادة الأموال المهربة للخارج وتوظيفها تنموياً،إحياء القطاعات الإنتاجية، دعم قطاع التعليم والصحة،وضع سلم أجور مرن(متحرك) يواكب الأسعار، مع التركيز على الاقتصاد المعرفي والتقنيات الحديثة، وهيكلة القطاع العام وفق آليات تمكنه من أداء دور وطني. إن استقرار الاقتصاد والتأسيس لتنمية مستدامة حقيقية يتطلبان حتماً امتلاك الدولة لقرارها السيادي؛ باعتباره المدخل الرئيسي لإعادة الموارد والثروات الوطنية والأموال المنهوبة إلى كنف الشعب، وتوحيد الجغرافية السورية تحت إدارة سلطة تعددية مدنية ديمقراطية. إن هذا التحول هو الكفيل بوضع خطط التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، واستقطاب الاستثمارات في سياق تحقيق تنمية مستدامة، بالتوازي مع العمل الدبلوماسي الحثيث لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السوريين لتكتمل شروط تحقيق النهوض الاقتصادي والكرامة الإنسانية، والمصالح الوطنية السورية. كاتب وباحث سوري
#معتز_حيسو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مداخل التوافق الوطني في ظل تحديات اللحظة الراهنة
-
من الحرية إلى تصدُّع الوحدة الوطنية
-
تجاوز عقل الجمهور شرط تمكين المواطنة
-
عتبة التحول السوري سوريا في قلب الصراع الدولي والإقليمي
-
من أجل بناء عقد اجتماعي سوري جديد
-
عوامل النزاع الأهلي في سوريا
-
عوامل السلم الأهلي في سوريا
-
الأوضاع السورية في سياق المتحول العالمي الراهن
-
أنا هوالآخر
-
أناهو الآخر
-
قراءة أولية في أوضاع التجمعات المدنية والسياسية في سوريا
-
بخصوص إشكالية إعادة إنتاج الذات
-
مدخل إلى خطاب المظلومية
-
بخصوص ثقافة العنف
-
عود على بدء سؤال الهوية من جديد
-
عود على بدء سؤال الهوية من جديد
-
مقدمات أولية للحوار عن إشكاليات الأيديولوجيات الكبرى
-
قراءة أولية في وثيقة الإعلان الدستوري
-
بخصوص الوطنية والمواطنة
-
قراءة في مستقبل الاقتصاد السوري
المزيد.....
-
مصادر تكشف لـCNN عن تلقي ترامب رسائل -متضاربة- من السعودية و
...
-
مراسلنا: مقتل شخصين وإصابة آخرين في هجمات إسرائيلية على مناط
...
-
القوات الروسية تستهدف سفنا تحمل أسلحة في البحر الأسود وميناء
...
-
رغم الحظر الدولي.. الأسلحة الحديثة تواصل التدفق إلى السودان
...
-
أحدهما من أصول عربية.. صراع على النفوذ وترامب الابن وشائعات
...
-
-أرسل ما تريد تضمينه-.. تسجيلات تكشف كواليس تحرك غراهام ضد إ
...
-
واشنطن وتل أبيب تخططان لقصف البنية التحتية للطاقة الإيرانية
...
-
رئيس الإذاعة المصرية يستقبل السفير البريطاني لبحث أطر التعاو
...
-
الصحة اليمنية: الحوثيون يهددون ملايين الأطفال بالحرمان من ال
...
-
أدميرال أمريكي متقاعد: هكذا يمكن لـ-إف-16? الأوكرانية وقف ته
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|