أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم مراد - السَّمكةُ والبُلبُل















المزيد.....

السَّمكةُ والبُلبُل


عبدالكريم مراد

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 17:38
المحور: الادب والفن
    


"السَّمَكَةُ وَالْبُلْبُلُ"

على شاطئِ البحرِ،
حينَ كانَ الغروبُ
يُطفئُ آخرَ خيوطِ الشمسِ
على صفحةِ الماء،
وكانَ البلبلُ
يُطرّزُ هدوءَ المساءِ
بأنشودةٍ من تغاريدِهِ…

لمحَ بقايا صيّادٍ بليد،
وإناءً منسيّاً
على الرمل،
وفي داخلهِ
سمكةٌ…

مختارةٌ من البحر،
منسيّةٌ على الشاطئ،
حزينةٌ…
مهمومةٌ…
حائرةٌ
بينَ ماءٍ تعرفهُ
وإناءٍ لا تعرفه.

كانتْ تقفزُ،
ثم ترتطمُ
بجدارِ سجنها المصقول،
فتعودُ إلى قاعِهِ
منهكةً…

وتنقرُ الزجاجَ
بذيلها الصغير،
وتُطلقُ أنفاسًا متقطّعة،
كأنّها تُرسلُ إلى البحر
آخرَ رسائلِها:

متى أعودُ إليكَ؟
متى؟

سمعَ البلبلُ أنينَها،
فاقتربَ منها،
وأطلَّ على سجنها،
ثم قال:

— ما بكِ؟
ولِمَ كلُّ هذا القفزِ والدوران؟
أما تعبتِ من محاولاتِكِ؟

نظرتْ إليهِ
بعينينِ أثقلهما اليأس،
وقالت:

— سامحكَ اللهُ أيُّها الغرّيد…

أتظنُّني أرقصُ فرحاً؟
أمّا سمعتَ
أنَّ الطيرَ قد يرقصُ أحياناً
من شدّةِ الألم؟

فهل يستطيعُ اللعبَ
مَن يحتضر؟

سأموتُ هنا…
بعيدةً عن البحر،
عن أترابي،
عن مائي،
عن ذلكَ الفضاءِ
الذي وُلدتُ فيه.

يا لسوءِ طالعي!
ويا لغبائي!

أغراني صبيٌّ أحمقُ
بفتاتٍ من طعام،
فخرجتُ من البحرِ خلفَه،
فأودعني هذا السجن،
ثم مضى…

ونسيني.

سكتَ البلبلُ قليلاً،
ثم قال:

— آسفٌ…
لقد ظننتُكِ ترقصين.

فالحريةُ جميلةٌ،
لكنّي الآن
لا أملكُ منقذاً
ولا ذراعينِ أحملكِ بهما.

لن أستطيعَ الوصولَ إليكِ وحدي…

لكنْ
انتظريني.

قالها البلبلُ،
ثم طار…

طارَ إلى سربِ الحمام،
يحملُ في منقارهِ
حكايةَ سمكةٍ
تختنقُ بعيدًا عن بحرها.

وكانَ الحمامُ
حمامَ السلام…

فكيفَ يردُّ
حمامُ السلام
نداءَ المظلوم؟

اجتمعتِ الأجنحةُ،
وتوزّعتِ المهمّة:

سربٌ
فوقَ الشاطئ
يحرسُ الطريق…

وسربٌ
يحملُ الإناءَ
مع البلبل،
بحذرٍ
كأنّه يحملُ قلبَ وطن…

وثالثٌ
حطَّ قريبًا من الماء،
ينتظرُ لحظةَ الخطر،
ويتهيّأُ للطوارئ.

وكان المشهدُ
أشبهَ بالبشر…

حينَ يتّحدون
لإنقاذِ حياةٍ واحدة.

ارتفعتِ الأجنحة،
وحُملَ الإناء،
وظلَّ البلبلُ يحلّقُ قريباً،
يراقبُ السجينةَ
ويهمس:

تماسكي…
لم يبقَ كثير.

وحينَ بلغوا الماء،
أُسقطَ الإناء…

فارتطمَ بالموج،
وتصدّعَ الزجاجُ،
وانفتحَ السجن.

خرجتِ السمكةُ…

قفزتْ فوقَ وجهِ الماء،
ثم غطستْ،
ثم عادتْ تقفزُ،
كأنّها تُهلهلُ للبحرِ
وتشكرُهُ لأنّهُ لم ينسَها.

ثم غطستْ عميقًا…

وغنّتْ،
بصمتِ السمك،
أجملَ أغنيةٍ
لا يسمعُها
إلّا مَن ذاقَ السجن:

أغنيةَ الحرية…
أغنيةَ الوطن…
أغنيةَ العودة.

وهناك،
فوقَ الماء،
ظلَّ البلبلُ يغرد،
وظلَّ الحمامُ يحلّق،
كأنّ السماءَ كلّها
تصفّقُ لسمكةٍ
استعادت بحرها.

⸻

وهنا…

أتوقّفُ قليلًا،
وأرفعُ رأسي
نحوَ البلبل:

أيُّها الغرّيد…
ما أجملك!

وما أروعَ أن يكونَ
للتغريدِ قلبٌ
يعرفُ وجعَ الآخرين.

وألتفتُ إلى السمكة:

أيتها الصغيرةُ العظيمة…
ما أسمى تشبّثَكِ
ببحرك!

فلم تكوني تطلبين
ذهبًا ولا سلطانًا،
بل كنتِ تطلبين
حقَّكِ في الماء.

ثم ألتفتُ إلى الحمام:

أيُّها الحمامُ الزاجل…
ما أروعَ مهمّتَك!

لم تحملوا سلاحاً،
بل حملتمْ إناءً
وحياةً
وأملًا.

وهنا…

أستميحُكم عذراً
لألتفتَ من الحكاية
إلى بلادي…

وأتساءل:

ماذا ينتظرُ
الذين جعلوا الوطنَ
ساحةً للقتل
والانتقام؟

ماذا ينتظرُ
مَن لا يتعلّمُ
من الطيرِ والحيوان،
ولا من الإنسان،
ولا من التاريخ؟

أما آنَ لهذا الليلِ
أن ينتهي؟

أما آنَ لمن جعلوا حياةَ الناس
ميدانًا للمساومة
أن يكفّوا عن العبث؟

أينَ الموانئُ
التي كانت تفتحُ صدرَ البلادِ للبحر؟

أينَ القلاعُ
التي حملتْ ذاكرةَ الأجداد؟

أينَ الأنهارُ
التي كانت تمضي
ولا تسألُ أحدًا
عن هويته؟

أينَ البساتينُ
والمدنُ
والبيوتُ
التي كانَ الوطنُ
يُشبهُها وتشبهه؟

كم من مكانٍ
دخلتهُ يدُ السياسة،
فخرجَ منهُ التاريخُ
جريحًا…

وكم من نهرٍ
صارَ ورقةً
على طاولةِ المساومات…

وكم من أرضٍ
وجدتْ نفسَها
بينَ مطامعِ الخارج
وحساباتِ الداخل.

وتتبدّلُ الأسماء،
وتتغيّرُ الرايات،
ويبقى السؤالُ واحداً:

مَن يدفعُ ثمنَ كلِّ ذلك؟

إنّهُ الإنسان…

ذلكَ الذي لا يملكُ
إلّا بيتَهُ الصغير،
وخبزَهُ،
وأمانَهُ،
وحلمَهُ
بغدٍ لا يشبهُ الأمس.

حتى الوحوشُ
إذا افترستْ
تعودُ إلى غابتها،
وتحاولُ أن تخفيَ أثرَها…

أمّا الإنسانُ
حينَ ينسى إنسانيتَه،
فقد يرتكبُ الفعلَ
ثم يقفُ في جنازةِ ضحيّتِه
كأنّهُ لم يكنْ هناك.

يا لهذا الزمن!

تسيلُ الدماءُ
على أرضِ الوطن،
ثم تُرفعُ الرايات،
ويُعلَنُ الحداد،
ويُطلبُ من القطيعِ
أن يصدّقَ الروايةَ ذاتها
مرّةً بعدَ مرّة.

لكنّ الدمَ
لا ينسى…

والأرضَ
لا تنسى…

والتاريخَ
لا ينسى.

ولأنّ الوطنَ
ليسَ ملكًا لفردٍ
ولا لجماعة،
فإنّ خلاصَهُ
لا يكونُ بقتلِ أبنائه،
ولا بتقسيمِهم،
ولا بتحويلِهم إلى أرقامٍ
في دفاترِ الضحايا.

لنا الله…

ولنا الأرض…

ولو أُحرقتْ
حتى غدتْ رماداً،
فإنّ في الرمادِ
بذرةً تنتظرُ المطر.

وسيأتي المطر…

وستشرقُ شمسُ الربيع…

وستعودُ السنابلُ
تبحثُ عن حقولها،
والأنهارُ
عن مجاريها،
والطيورُ
عن أعشاشها،
والإنسانُ
عن إنسانيته.

وسنعودُ،
كما عادتِ السمكةُ
إلى بحرها…

لا نحملُ في أيدينا
إلّا الحلم،
ولا في قلوبنا
إلّا الوطن.

فما دامَ البحرُ موجوداً،
فإنّ السمكةَ لن تنسى طريقَها إليه…

وما دامَ في السماءِ
بلبلٌ يغرد،
وحمامٌ يحملُ السلام،
فإنّ الحريةَ
لن تكونَ حكايةً من الماضي.



#عبدالكريم_مراد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عُشقُ الياسمين
- دعاءٌ في حِداد-
- حكاية عصفوزة
- -حِوارٌ بَيْنَ كُرْدِيٍّ وَفِلَسْطِينِيّ -
- - حين يصبح الدمُ وقودًا للفتنة… فلنُطفئ النار قبل أن تلتهم ا ...
- -أَخْبِرِينَا… فَلَيْسَتْ أَسْرَارًا-
- استباحةُ الوطن
- سعادةُ النَّائِب
- الواقعُ المأساويُّ للكورد في سوريا… إلى أين؟
- الدمُ السُّوريُّ
- هَكَذَا يَحْيَا الإِمَامُ
- - ثَورة الغَاب -
- - ذاكرةُ القامشلي بين مطرقةِ السياسة وسندانِ النسيان-
- -حين يصبح المال عذراً للباطل -
- حينَ يَسألُني الوطنُ: إلى أينَ تعود؟-
- -صَياعُ وطنٍ-
- الربيعُ العربيّ بين المُزنة والبركان
- - وطنٌ على حافّة الصبر-
- -محاكمةُ السَّنة… لائحةُ اتهامٍ ضدَّ شعبٍ مُستنزَف”
- - مدينة عشقي-. إهداء إلى زوجتي


المزيد.....




- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالكريم مراد - السَّمكةُ والبُلبُل