عضيد جواد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:44
المحور:
المجتمع المدني
ماسة كوه نور (أو كوهينور) بمعناها الفارسي "جبل النور"؛ تُعدّ واحدة من أكبر وأشهر الماسات المصقولة في العالم . ويُرجّح أنه عُثر عليها في جنوب الهند ما بين عامي 1100 و 1300 ميلادي . كما يشار إلى حجمها المذهل؛ حيث بلغ وزنها الأصلي 186 قيراطاً ، والآن 105.6 قيراطاً . وعلى مرّ تاريخها الطويل، انتقلت ملكية الماسة لمرات عديدة، وغالباً ما كانت تؤول إلى حكّام من الذكور.
ومثل العديد من الأحجار الكريمة الكبيرة، اكتسبت الماسة كوه نور سمعة غامضة، وشاعت حولها اللعنات وسوء الحظ، حتى قيل إن المالكة الأنثى فقط هي التي ستتجنب هالة النحس التي تُنذر بها. وتتنازع كل من الهند وباكستان من بين دول أخرى على ملكيتها ، إلا أنها الآن بحوزة العائلة الملكية البريطانية.
الاكتشاف والملكية المبكرة
إن تاريخ ماسة كوه نور المبكر غامض للغاية على عكس ما يُحيط بها . ويُعتقد أن الماسة كانت مذكورة في نصوص بلاد الرافدين القديمة، إلا أن العلماء ليسوا متفقين على ذلك. وأن إحدى المشكلات المتعلقة بتاريخ كوه نور هو الميل إلى تعريفها بأنها ماسة كبيرة ذُكرت في النصوص القديمة المرتبطة بأحداث شبه القارة الهندية. كما أن الرأي السائد هو أن الحجر الأصلي قد عُثر عليه ( ترجيحاً) في أحد مناجم گولكوندا التابعة لهضبة الدكن (جنوب الهند) ما بين عامي 1100 و 1300 ميلادي .
أن أول ظهور للماسة كان في مذكرات الملك بابور (عام 1483-1530 ميلادي)، مؤسس الإمبراطورية المغولية وسليل الإمبراطور المغولي جنكيز خان . ويُرجّح أنه قد حصل عليها كغنيمة حرب ، حيث وصفها بأنها "تساوي نصف نفقات العالم اليومية" (ديكسون- سميث). وثمة رأي آخر يقول إن بابور كان يتحدث عن حجر آخر، وأن ابنه وخليفته هو من تلقى ماسة كوه نور كهدية من راجا گواليور (ولاية في وسط الهند) بعد انتصاره في معركة پانيپات الأولى عام 1526 ميلادي . وأياً من الروايتين هي الصحيحة ، فالنتيجة واحدة؛ إذ امتلكت العائلة المالكة المغولية الماسة ، و أبهروا زوار القصر بوضعها في عرش الطاووس ( عرش السلطة). وهناك رأي ثالث يؤدي أيضاً إلى النتيجة نفسها، مفاده أن الأباطرة المغول لم يحصلوا على الماسة إلا في منتصف القرن السابع عشر الميلادي بعد اكتشافها في مناجم كولور بنهر كرشنا في الهند .
نادر شاه و"جبل النور"
بحلول القرن الثامن عشر الميلادي، أصبح الأمر أكثر رسوخاً في تتبع تاريخ الماسة . فعندما هاجم الملك الفارسي نادر شاه دلهي عام 1739 ميلادي، كان قد استولى على الماسة رغم محاولة الإمبراطور المغولي آنذاك إخفاءها في عمامته. ولمّا رأى نادر شاه الماسة لأول مرة، وصفها بأنها "كوه نور" أي "جبل النور"، وظل هذا الاسم ملازماً لها منذ ذلك الحين. وبعد وفاة نادر شاه عام 1747 ميلادي، طالب قائد جيشه البارز أحمد شاه بالماسة، وهو مؤسس سلالة دراني الحاكمة في أفغانستان . غير أن سلالة دراني فقدت قبضتها على السلطة لاحقاً، واضطر شاه شجاع (عام 1785-1842 ميلادي) الفرار إلى الهند عام 1813 ميلادي، حيث أهدى الماسة إلى ملك الپنجاب والسيخ المهراجا رانجيت سينگ (عام 1780-1839 ميلادي). بعد ذلك ؛ورث المهراجا دوليب سينگ (عام 1838-1893 ميلادي) المملكة وهو في سن الخمس سنوات ، حيث كان آخر حاكم لها عندما امتدت مخالب الاستعمار البريطاني إلى شمالي الهند .
الملكة ڤيكتوريا
كانت شركة الهند الشرقية البريطانية المالك التالي للماسة عندما سيطرت على منطقة الپنجاب عام 1849 ميلادي . حيث نصت معاهدة السلام التي أنهت الحروب الأنگلو- سيخية (عام 1845- 1849 ميلادي) على إهداء الماسة إلى الملكة ڤيكتوريا (عام 1837ـ 1901 ميلادي). وعليه فقد أُرسلت الماسة من مومباي (بومباي آنذاك) إلى پورتسموث/ إنگلترا على متن السفينة HMS Medea .
وفي يوليو/ تموز من عام 1850 ميلادي اُستعرضت الماسة أمام الملكة وتقديمها لها في حفل خاص . حيث كانت الماسة كوه نور الحجر الأبرز في السوار الذهبي المطلي بالمينا ( الزنّادي أو البازبند ـ يُلبس في أعلى الذراع) . وتقول الأسطورة إن هناك رسالة كانت مرفقة مع الماسة تُذكّر بلعنتها ؛"أن من يملكها سوف يملك العالم، لكنه سيواجه كل مصائبه. وحدهما الإله والمرأة هما المحصنان عند حيازتها" . (ويلكنسون)
ربما نشأت قصة اللعنة من خبر مثير نُشر في جريدة دلهي گازيت Delhi Gazette، ثم تبنته صحيفة إليستريتد لندن نيوز Illustrated London News. وكانت الصحافة في إنگلترا حريصة على إثارة ضجة إعلامية حول المعرض الكبير الذي كان على وشك الافتتاح في لندن عام 1851 ميلادي، حيث ترددت شائعات آنذاك بأن الماسة سوف تُعرض للجمهور.
كما قيل إن الملكة قد أعجبت بحجم الماسة، مشيرةً إلى أنها "غنيمةٌ يُفتخر بها حقاً" (ديكسون- سميث). إلا أنها لم تكن راضيةً تماماً عن اللون الوردي غير المتلألأ في قطعها الوحيد ، في حين كانت الموضة السائدة في أوروبا آنذاك هي الأحجار الكريمة ذات الأوجه المتعددة، وكان هناك تفضيل واضح للبريق على الحجوم . ومع ذلك، فقد كان الحجر نجماً لامعاً في المعرض الكبير، حتى وإن وصفته مجلة " پانچ Punch" الساخرة بأنه "جبلٌ من الظلام" (تارشس). وقد تزينت به الملكة أيضاً في حفل افتتاح المعرض . وبعد تشاور الملكة وزوجها الأمير ألبرت (عام 1819-1861 ميلادي) مع خبير البصريات الشهير السير ديڤيد بريستر؛ أُعيد صقل الحجر عام 1852 ميلادي تحت إشراف صائغ المجوهرات الملكي روبرت گارارد . وحظي دوق ويلينگتون بشرف القيام بالقطع الأول، ثم تنحى جانباً ليقوم اثنان من خبراء الألماس الهولنديين ڤورسانجر و فيدر بإضفاء سحرهم على الحجر .
استغرقت عملية إعادة الصقل حوالي 450 ساعة ، مما أضفى على الحجر مزيداً من الأوجه ليصبح ماسة بيضاوية لامعة، وانخفّض وزنه بشكل ملحوظ من 186قيراطاً إلى 105.6 قيراطاً ، كما بلغ قياسه 3.6 × 3.2 × 1.3 سنتيمتر. ورغم صغر حجمه الآن؛ إلا أن إعادة الصقل أزالت العديد من العيوب وجعلته أكثر ملاءمةً لحمله كـ بروش، وهو ما كانت الملكة تفضله . وفي عام 1856 ميلادي، كُلّف الفنان فرانز زافير ڤينترهالتر برسم لوحة شهيرة للملكة ڤيكتوريا، تُظهرها وهي تضع بروشاً كان من أملاك الملكة أديلايد (عام 1792-1849 ميلادي)، المرصّع بماسة كوه نور. وقد نفّذ صائغ المجوهرات گارارد هذا التصميم الجديد. وفي مناسبات أخرى، تزينت الملكة ڤيكتوريا بالحجر كجزء من سوار أو طوق للرأس .
جواهر التاج البريطاني
تُعدّ ماسة كوه نور اليوم جزءاً من جواهر التاج البريطاني ، وقد ظهرت في العديد من التيجان . ولسمعتها بأنها تجلب الحظ السيئ للرجال الذين يحملونها ، فقد اقتصر استخدامها على تيجان الملكات القرينات؛ حيث توسطت تاج الملكة ألكسندرا في حفل تنصيبها كملكة عام 1902 ميلادي، ثم أُعيد ترصيعها في تاج جديد لتنصيب الملكة ماري عام 1911 ميلادي . كما تألقت الماسة في وسط طوق تاج الملكة إليزابيث الأم (عام 1900-2002 ميلادي) جدة الملك الحالي چارلز الثالث . وحملت الملكة الأم هذا التاج في حفل تتويجها عام 1937 ميلادي ، حيث الماسة كانت مثبتة على قاعدة قابلة للفصل مصنوعة من البلاتين، وهو نفس المعدن الذي صُنع منه باقي التاج . ويُزيّن التاج بـ 2800 ماسة أخرى، من بينها ماسة عيار 17 قيراطاً أهداها السلطان العثماني للملكة ڤيكتوريا عرفاناً منه لمساعدتها له في حرب القرم (عام 1853-1856ميلادي). ورغم روعة هذه الماسة ذات القطع المربع، إلا أنها تبدو ضئيلة أمام ضخامة ماسة كوه نور المرصعة فوقها مباشرةً. وكانت الملكة الأم قد حملت هذا التاج في جميع مناسبات الافتتاح السنوي للبرلمان ، وكذلك عندما تُوّجت ابنتها إليزابيث الثانية عام 1953 ميلادي . ويمكن اليوم مشاهدة التاج وماسة كوه نور إلى جانب قطع أخرى من جواهر التاج في بيت الجواهر داخل قلعة واترلو في برج لندن .
تكررت دعوات الحكومة الهندية لإعادة ماسة كوه نور إلى موطنها الأصلي. وجاء أول طلب من هذا القبيل عام 1947 ميلادي عندما أصبحت الماسة رمزاً لاستقلال البلاد عن الحكم البريطاني، والذي تحقق في العام نفسه.
دخل طرف آخر في دعاوى المِلكية عام 1976 ميلادي ، وذلك عندما طالب رئيس وزراء باكستان آنذاك ذو الفقار علي بوتو، بإعادة ماسة كوه نور إلى بلاده. كما طالبتا إيران وأفغانستان بها أيضاً . ولم تهدأ المطالبات بإعادة الماسة إلى شبه القارة الهندية؛ بل إن مجموعة من المستثمرين الهنود رفعوا دعوى قضائية عام 2015 ميلادي لاستعادة الماسة. ومع ذلك، لا تزال العائلة المالكة البريطانية حتى اليوم متمسكة بهذه الماسة الشهيرة والنفيسة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دانييل.سي. كينسي ـ كوه نور: الإمبراطورية، والماس، والثقافة المادية البريطانية ـ مقال منشور في مجلة الدراسات البريطانية في الثاني من شهر نيسان/ أبريل عام 2009 .
دينا.كي . تارشس ـ ماسة كوهينور ونسختها الزجاجية في معرض القصر الكريستالي ـ مقال منشور في مجلة دراسات الزجاج في عام 2000 .
ديكسون - سميث ـ المجوهرات الملكية ـ مقال منشور في الموقع الإلكتروني ـ القصور الملكية التاريخية ـ 2010 .
المجموعة الملكية ـ تاج الملكة إليزابيث الأم ـ معرض الجواهر في صندوق المجموعة الملكية ـ 2021 .
#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟