أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - انتصار كامل جفلان الخشت - طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف التوحد: رحلة من الحيرة إلى الفهم والاحتواء» بقلم: انتصار الخشت















المزيد.....

طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف التوحد: رحلة من الحيرة إلى الفهم والاحتواء» بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 08:39
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


ليس كل ما نحتاج إلى فهمه يمكن أن تشرحه الكلمات وحدها، فبعض الحكايات تحتاج إلى أن نقترب منها بقلوبنا قبل أن نقترب منها بمصطلحاتنا.

ومن هنا تأتي أهمية كتاب «طيف التوحد: رحلة من الحيرة إلى الفهم والاحتواء»، الذي لا يقدّم التوحد بوصفه عنوانًا للخوف، ولا يجعل التشخيص نهاية الطريق، بل يحاول أن ينقل القارئ من مساحة الحيرة إلى مساحة الفهم، ومن الفهم إلى الاحتواء.

فالكتاب يبدأ من فكرة إنسانية واضحة: التوحد لا يمثل نهاية الطريق، وإنما بداية لنمط مختلف من العيش. ومن ثم لا تكتفي المؤلفة بالتعريف، بل تسعى إلى تقديم أدوات عملية مستمدة من الواقع التربوي والبحثي والميداني.

وهنا تكمن قيمة الكتاب؛ فهو لا يضع الطفل أمامنا باعتباره «حالة»، وإنما يحاول أن يضع الإنسان أولًا، ثم يأتي التشخيص بوصفه وسيلة للفهم لا جدارًا يحاصر صاحبه.

من الحيرة إلى الفهم

يتدرج الكتاب في ستة فصول، تبدأ بماهية اضطراب طيف التوحد من الجانب العلمي والنفسي، ثم تنتقل إلى رحلة التشخيص والتدخل المبكر، والتحديات السلوكية والحسية، وبيئة الاحتواء الشامل، والدعم النفسي والاجتماعي للأسرة، وصولًا إلى آفاق المستقبل والاستقلالية والمواهب.

وهذا التدرج ليس مجرد ترتيب للفصول، بل يشبه رحلة الأسرة نفسها؛ سؤال في البداية، ثم بحث عن إجابة، ثم محاولة للفهم، ثم اكتشاف أن الطريق لا يتوقف عند التشخيص.

وفي حديث الكتاب عن طيف التوحد، تظهر فكرة «الطيف» باعتبارها مساحة واسعة تختلف فيها السمات من فرد إلى آخر، مع الإشارة إلى جوانب تتصل بالتواصل، والتفاعل الاجتماعي، والأنماط المتكررة من الاهتمامات أو الأنشطة.

وهنا تبرز أهمية ألا نضع جميع الأطفال في قالب واحد؛ فاختلاف السمات يعني بالضرورة اختلاف الاحتياجات، وبالتالي اختلاف طرق الدعم.

التشخيص ليس نهاية الحكاية

يمنح الكتاب التشخيص المبكر مساحة مهمة، ويربطه بإمكانية اكتساب المهارات، كما يشير إلى أهمية الفريق متعدد التخصصات في عملية التقييم والتدخل، من الطبيب النفسي إلى أخصائي النطق وأخصائي التربية الخاصة.

لكن أجمل ما في الفكرة أن التشخيص، في سياق الكتاب، لا يبدو كخاتمة توضع عند آخر السطر، بل كعلامة تساعد الأسرة على معرفة الطريق.

فالمشكلة ليست في أن نعرف اسم الحالة، وإنما في ماذا سنفعل بعد أن نعرفه.

وهنا تتحول المعرفة من معلومة جامدة إلى مسؤولية.

حين يتكلم السلوك بدل الكلمات

من أكثر المساحات الإنسانية التي يتوقف عندها الكتاب حديثه عن التحديات السلوكية والحسية.

فبعض الأطفال قد يعانون من اضطراب المعالجة الحسية، وقد تتحول الأصوات العالية إلى مصدر ألم حقيقي بالنسبة إليهم، كما يطرح الكتاب نوبات الغضب في سياق قد تكون فيه وسيلة للتعبير عن احتياج غير ملبى أو إحباط تواصلي.

وهنا يتغير السؤال.

بدل أن نسأل: لماذا يفعل الطفل ذلك؟

ربما علينا أحيانًا أن نسأل:

ماذا يحاول الطفل أن يقول؟

فحين تعجز الكلمات عن الوصول، قد يتحدث السلوك.

وهذه واحدة من أهم المساحات التي يحتاج فيها المجتمع إلى الانتقال من الحكم السريع إلى محاولة الفهم.

الاحتواء يبدأ من البيئة

يضع الكتاب مفهوم الاحتواء في قلب تجربته، ولا يجعله مجرد شعار تربوي.

فالاحتواء، كما يقدمه الكتاب، يعني تعديل البيئة لتناسب الطفل، لا إجبار الطفل على التكيف مع بيئة قاسية. وفي المدرسة تبرز الحاجة إلى فصول مهيأة تراعي المثيرات البصرية والسمعية.

وهذه الفكرة تتجاوز جدران المدرسة.

فالمجتمع نفسه بيئة.

والشارع بيئة.

والبيت بيئة.

وكل مساحة يدخلها الطفل يمكن أن تكون جسرًا يساعده على التفاعل، أو حاجزًا يزيد صعوبة يومه.

لذلك فإن الاحتواء الحقيقي لا يعني أن نطلب من المختلف أن يصبح نسخة من الآخرين؛ بل أن نتعلم كيف نصنع مساحة تتسع للاختلاف.

الأسرة… الوجه الآخر للحكاية

لا ينسى الكتاب الأسرة، بل يمنحها فصلًا خاصًا بالدعم النفسي والاجتماعي، ويعرض رحلة التقبل عبر مراحل تبدأ بالإنكار والغضب والمساومة والاكتئاب، وصولًا إلى التقبل الإيجابي والنشط.

وهنا يبدو الكتاب قريبًا من الإنسان العادي، لأن الأسرة لا تستقبل التشخيص بمصطلحات علمية فقط؛ إنها تستقبله بمشاعر وأسئلة وخوف على المستقبل.

ولهذا فإن دعم الطفل لا ينفصل عن دعم والديه.

فالأسرة التي تجد من يفهمها تستطيع أن تمنح طفلها مساحة أكبر من الأمان، والأسرة التي تُترك وحدها أمام الخوف قد تحتاج قبل أي شيء إلى من يقول لها: لستم وحدكم.

لا تنظروا إلى الطيف باعتباره غيابًا

في الفصل الأخير، يفتح الكتاب نافذة أخرى على المستقبل، فيتحدث عن المواهب ومجالات يمكن أن يظهر فيها الإبداع، مثل البرمجة والفن والرياضيات، ويؤكد أهمية تمكين الفرد من مهارات الاستقلالية الشخصية والحياة اليومية.

وهنا ينتقل الكتاب من سؤال «ماذا ينقصه؟» إلى سؤال أكثر إنصافًا:

ماذا يستطيع أن يفعل؟

فحين نبحث فقط عن مواطن الصعوبة، قد نفوّت علينا رؤية مواطن القوة.

والتربية الحقيقية لا تقوم على إزالة الاختلاف، بل على اكتشاف الإمكانات ومساعدة الإنسان على الوصول إلى أقصى ما يستطيع.

بين قطعة الأحجية والقلب

يستخدم الكتاب رمز قطع الأحجية للدلالة على تعقيد الطيف وتنوعه، بينما يأتي القلب رمزًا لفلسفة الاحتواء والحب التي يتبناها الكتاب.

ولعل اجتماع الرمزين يحمل دلالة جميلة:

العقل يبحث عن الفهم، والقلب يبحث عن الاحتواء.

ولا يكفي أحدهما وحده.

فنحن بحاجة إلى المعرفة حتى لا يتحول الجهل إلى خوف، وبحاجة إلى الإنسانية حتى لا تتحول المعرفة إلى برود.

ولهذا تبدو فلسفة الكتاب قائمة على معادلة بسيطة في شكلها، عميقة في معناها:

أن نفهم… كي نحتوي.
وأن نحتوي… كي نُمكّن.

كتاب لا يريد أن يغلق الحكاية

في خاتمته، يضع الكتاب التوحد ضمن التنوع البشري، ويرى أن الاحتواء ليس صدقة، بل استثمارًا في طاقات إنسانية فريدة.

وهذه الجملة تختصر جوهر الرحلة التي يحملها الكتاب.

فالطفل ليس مشروع شفقة.

والأسرة ليست موضع اتهام.

والاختلاف ليس عيبًا يُخفى.

والتشخيص ليس حكمًا على المستقبل.

إنها رحلة تحتاج إلى معرفة، وتربية، وصبر، وبيئة مهيأة، وأسرة مساندة، ومجتمع يتعلم أن يرى الإنسان قبل أن يرى التشخيص.

وربما لهذا جاء عنوان الكتاب «رحلة من الحيرة إلى الفهم والاحتواء»؛ لأن الرحلة الحقيقية لا تبدأ حين نعرف اسم الطيف، بل حين نبدأ في معرفة الإنسان الذي يقف خلفه.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم:

كيف نجعل الطفل يشبهنا؟

بل:

كيف نجعل العالم أكثر اتساعًا له؟

فحين نغيّر نظرتنا، تتغير أسئلتنا، وحين تتغير أسئلتنا، يمكن أن تتغير طرق التربية والاحتواء.

وهناك، في تلك المسافة الصغيرة بين «أن نحكم» و«أن نفهم»، تبدأ الحكاية الإنسانية الحقيقية.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرحبًا، حقيبة سفر :بقلم -انتصار الخشت
- في الجهة الأخرى من الحلم -بقلم: انتصار الخشت
- فرحين بما آتاهم :بقلم -انتصار الخشت
- النوم في الخريف :بقلم-انتصار الخشت
- هم يشعرون بك فاشعر بهم :بقلم -انتصار الخشت
- اسماء القمر
- قفل ومفتاح :بقلم انتصار الخشت
- ابليس في رداء الفضيلة
- نافذة على القدس بقلم/ انتصار الخشت
- مساواة المرأة… حين يستقيم ميزان الحياة بقلم -د-انتصار الخشت
- امرأةٌ من ضوء بقلم -د-انتصر الخشت
- حياة كريمة… حين يصبح الحق في الحياة قضية إنسانية
- المرأة بين العصر الحديث والعصر الجاهلي بقلم -د انتصار الخشت
- استعداد المعلمين لصناعة عام دراسي مختلف
- أولادي… نبضُ قلبي
- تأويل العجائبي ووظيفة الخلاص في رواية «ملحمة الحرافيش» لنجيب ...
- نافذتي… وحكايات شجرة الشمام
- جِنِّيّة البحر -هدير
- حقوق الإنسان: المفهوم، الأهمية، والتصنيف
- حين تتكلم الأشياء التي لا صوت لها


المزيد.....




- خبير أوروبي: كالاس غاضبة من دعوة واشنطن الرئيس بوتين إلى قمة ...
- بعد هجمات الحوثيين .. هل تتحول فرنسا إلى شريك السعودية الأمن ...
- ألمانيا واستخدام الذكاء الاصطناعي لمواجهة الطقس المتطرف
- التحالف بقيادة السعودية يقول إنه اعترض مسيرات وصواريخ أطلقها ...
- خريطة ترامب الجديدة للخليج.. -مضيق ترامب- وغياب قطر والبحرين ...
- هابل يتجاوز توقعات ناسا ويكمل 200 ألف دورة حول الأرض
- أربعة سيناريوهات للحكومة الإسرائيلية المقبلة.. ماذا إن عاد ن ...
- بزشكيان لـ -سي بي إس-: سنلتزم باتفاق هرمز إذا قبلته واشنطن و ...
- العاهل السعودي يوجه بإطلاق اسم الملك المؤسس على جامع سيتم بن ...
- أطفال غزة لا يخشون سيارة الإسعاف هذه.. إنها -حافلة الأحلام- ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - انتصار كامل جفلان الخشت - طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف التوحد: رحلة من الحيرة إلى الفهم والاحتواء» بقلم: انتصار الخشت