أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟















المزيد.....

من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 19:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي



26 أيلول سبتمبر 20 26


حين تصبح «البطاقة البيضاء» على التلفزيون الفرنسي مساحةً للصراع على رواية غزة



لم تكن أديل هانيل تتوقع، على ما يبدو، أن تتحول دقائقها الأخيرة على شاشة France 5 إلى قضية سياسية وإعلامية تتجاوز البرنامج نفسه. في التاسع من أيلول/سبتمبر، ظهرت الممثلة والكاتبة الفرنسية في برنامج «المكتبة الكبرى»، وفي ختام الحلقة مُنحت ما يسمىا «دون أن تحيد عينيك»، وهي فقرة تُترك فيها للضيف «بطاقة بيضاء» أي مطلق الحرية كي يخاطب خلالها المشاهدين مباشرة، من دون مناظرة أو محاورة.
ا
بدأت هانيل من موضوع العنف الجنسي وآليات الصمت التي تحيط به، قبل أن تنقل حديثها إلى غزة. قالت إن «دولة إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في فلسطين، وإن فرنساد متواطئة»، ثم دعت إلى «معاقبة إسرائيل وتحرير فلسطين».

بُث الكلام مباشرة. لم يوقفه أحد، ولم تقطع المذيعة حديثها. لكن في اليوم التالي إختفى التسجيل الكامل للحلقة من منصة France.tv.

هنا بدأت العاصفة.

لم تقل France Télévisions إنها حذفت الحلقة لأن هانيل تحدثت عن إسرائيل أو فلسطين. روايتها الرسمية مختلفة: البرنامج تناول قضية جيوسياسية شديدة الحساسية من دون أن تتوافر، بحسب المؤسسة، شروط «وضعها في سياقها» و«تعدد وجهات النظر» التي تفرضها قواعد الخدمة العامة. وبعد تلقي شكاوى إلى هيئةغ تنظيم الإتصال السمعي البصري والرقمي، Arcom، قررت المؤسسة سحب الإعادة بصورة إحترازية إلى حين دراسة الملف.

وهذا التفصيل مهم. فالقضية ليست رقابة مسبقة على هانيل؛ لقد قالت ما أرادت وقيل كلامها على الهواء. القضية هي هل يحق لمؤسسة إعلامية عامة أن تسحب لاحقاً مادة بثتها ضمن فقرة يفترض أنهاغا «بطاقة بيضاء»؟

السؤال يبدو تقنياً، لكنه يخفي وراءه صراعاً أكبر على حدود الكلام عن غزة في فرنسا.

ما الذي تعنيه «بطاقة بيضاء»؟

إذا كانت الفقرة مساحة شخصية، فإن طبيعتها تفترض أن يتحدث صاحبها بإسمه، لا أن يقدم مناظرة متوازنة بين طرفين. أما إذا كانت قواعد التلفزيون العام تشترط في كل موضوع خلافي إظهار وجهات نظر متعددة، فإن «البطاقة البيضاء» تصبح أقل بياضاً مما يوحي إسمها.

المفارقة أن فرنسا نفسها قدمت قبل ذلك مثالاً مختلفاً.

في حزيران/يونيو 2025، ظهرت الكاتبة آني إرنو في الفقرة نفسها. تحدثت عن غزة، وعن الأطفال القتلى والمصابين، وعن تدمير المدارس والمستشفيات، وقالت بوضوح إن ما يجري هو «الإبادة الجماعية التي تحدث في غزة، على الهواء مباشرة، وكل أدلتها أمام أعيننا». وطالبت بوقف إطلاق النار والضغط على الحكومة الفرنسية والهيئات الدولية.

لم تُسحب فقرتها.

ولم تتعرض الحلقة، وفق ما أوردته «لوموند»، للإجراء الذي واجهته حلقة هانيل، فيما ظل تسجيل إرنو متاحاً عبر حسابات البرنامج.

وقبل ذلك أيضاً، كانت مونا شوليه قد إستخدمت المساحة نفسها للحديث عن فلسطين.

إذا كان المعيار التنظيمي هو نفسه، فإن السؤال الطبيعي يصبح: ماذا تغيّر؟

ربما تغيّر المناخ أكثر من القاعدة

من السهل إختزال القضية في كلمة «رقابة». لكنه إختزال لا يساعد كثيراً. فـFrance Télévisions تملك أساساً تنظيمياً تستند إليه، وArcom لم تقل كلمتها النهائية بعد.

لكن من السهل أيضاً إختزال الأمر في «تطبيق القانون» وكأن القواعد تعمل في فراغ سياسي.

فبين ظهور إرنو وظهور هانيل تغيرت البيئة الفرنسية المحيطة بالحرب في غزة بصورة كبيرة. أصبحت فلسطين أكثر إلتصاقاً بالنقاشات حول معاداة السامية وتمجيد الإرهاب والتطرف، وأصبحت الكلمات المستخدمة لوصف الحرب نفسها موضوعاً للصراع.

ثم إن عبارة هانيل لم تكن مجرد تعبير عن التعاطف مع الفلسطينيين. لقد جمعت ثلاثة أحكام سياسية مباشرة: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، فرنسا متواطئة، وعلى الجمهور أن يطالب بمعاقبة إسرائيل وتحرير فلسطين.

وهنا تملك المؤسسة حجتها: عندما يستخدم التلفزيون العام هذه المنصة، هل يكفي أن تقول إن الضيف يعبّر عن رأيه، أم يجب أن توفر للمشاهد ما يضع ذلك الرأي في مواجهة روايات أخرى؟

لكن الطرف الآخر يملك سؤالاً لا يقل قوة: إذا كان المطلوب تقديم الرأي ونقيضه، فلماذا تسمى الفقرة أصلاً «بطاقة بيضاء»؟

من لندن وواشنطن إلى باريس

المفارقة الفرنسية تكتسب أهمية أكبر إذا وضعناها في السياق الأوسع الذي ناقشناه في إضاءتنا السابقة «كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية» لآدم جونسون.

لا نملك دليلاً على وجود غرفة عمليات مشتركة في لندن وباريس وواشنطن لتحديد ما يجوز قوله عن غزة. ولكن تشابه النتائج بستدعي نظرية مؤامرة.

لكن ربما لا نحتاج إلى مثل هذا التنسيق المباشر.

فالمؤسسات المختلفة تستطيع أن تنتج النتيجة نفسها عبر آليات مختلفة: الضغوط السياسية، الشكاوى، القواعد التحريرية، الخوف من الإتهامات القانونية، الحسابات المهنية، أو مجرد التحسس المتزايد من كلمات بعينها. وخلف كل هذه الحسابات تقف اللوبيات الصهيونية.

وهكذا قد ينشأ ما يمكن وصفه بـ«إتفاق من الباطن»: ليس إتفاقاً مكتوباً، بل تقارباً في النتائج يجعل الرواية الفلسطينية مطالبة بإستمرار بتقديم التبرير والسياق والتوازن، بينما تبدو الرواية المقابلة أكثر رسوخاً وأقل حاجة إلى الدفاع عن حقها في الظهور.

وهنا تصبح قضية هانيل أكثر من مجرد خلاف حول إعادة برنامج تلفزيوني.

إنها سؤال عن من يملك حق تسمية ما يحدث في غزة.

هل نقول حرباً أم إبادة؟ هل وصف إسرائيل بأنها دولة إبادة جماعية رأي سياسي مشروع، أم إتهام يحتاج إلى رد فوري؟ وهل يمكن لفنان أو كاتب أن يستخدم دقائق «بطاقة بيضاء» ليقدم موقفه الأخلاقي والسياسي، أم أن التلفزيون العام يملك سلطة إعادة صياغة المساحة بعد إنتهاء البث؟

السؤال الذي تركته هانيل

هانيل نفسها ردت على حذف الحلقة بتسجيل مصور قالت فيه، بإختصار، إنها كانت تتوقع حذف فقرتها، لكنها لم تتوقع حذف الحلقة كلها. ورأت أن ما حدث يؤكد، بصورة ساخرة، فكرتها الأساسية عن وجود «كلمات وحقائق يعرفها الجميع، لكن لا ينبغي أن تُقال».

قد يدعي البعض أنها مخطئة في تفسير ما حدث. وقد يقول أن France Télévisions محقة في إستنادها إلى قواعد التعددية. وقد يراهن أن تجد Arcom في النهاية أن الإجراء كان مبرراً.

لكن المقارنة مع آني إرنو تبقى قائمة.

إذا كان الكلام عن غزة ممكناً على الشاشة الفرنسية بالأمس، فلماذا أصبح اليوم أكثر كلفة؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

وفي إنتظار جواب Arcom، ربما يكون من المبكر الحديث عن «رقابة فرنسية» شاملة. لكن من المشروع تماماً مراقبة ما يحدث للكلمات نفسها: من يسمح لها بالظهور، ومن يطلب منها التراجع، ومن يُطلب منه أن يوازنها، ومن يستطيع أن يتحدث من دون أن يُطلب منه أولاً أن يثبت حقه في الكلام.

بعد أن سألنا كيف يمكن للإعلام أن يساهم في بيع الإبادة الجماعية، تقدم باريس حالة أكثر دقة للسؤال نفسه:

ماذا يحدث عندما يحاول أحدهم أن يتحدث عن الإبادة بلغة لا يريد النظام الإعلامي أن تصبح هي اللغة السائدة؟



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس ...
- ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر ...
- جون ميرشايمر كان في موسكو
- ما الذي يؤخر «النصر»؟
- من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
- ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف ...
- جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير ...
- «نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
- من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
- عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي ...
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...


المزيد.....




- -عراب الذكاء الاصطناعي- يوضح لـCNN سبب معارضته للاستخفاف بسي ...
- جريمة هزّت مصر تتجسد على الشاشة.. -ما لم يُحكَ عن بني مزار- ...
- لقطات مزعومة لضربات حوثية على -أهداف حساسة- في الرياض وينبع. ...
- -يغلق أمام أكبر دولة شيعية-.. إيران تعلق على وقف رحلاتها إلى ...
- هكذا رد ترامب على سؤال CNN حول مناقشة حرب إيران ومستقبل مضيق ...
- إيران مهددة جيرانها: -إما أن يكون المجال الجوي مفتوحا أمام ا ...
- محكمة مصرية تلزم أوبر بتعويض أسرة فتاة بـ10 ملايين جنيه
- محمد هاني: لا توجد مواجهات سهلة في إفريقيا ونسعى لحصد النقاط ...
- حارس أنجولا يتحدى: نملك الثقة للفوز في القاهرة
- رسميًا.. الأهلي يعلن إيقاف عمرو زهران 6 أشهر وخصم نصف عقده


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟