أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود















المزيد.....


بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 23:40
المحور: قضايا ثقافية
    


"الوجود الطبيعي عناصر وقوانين تدفع للانتظام وخلق وإثراء الحياة. وأخرى مضادة تعمق العشوائية وتخمد الحياة. والخير والشر في عالمنا يحدده مع أي جانب من هذين يصنف وجودك كإنسان."

ليس الوجود شيئًا مكتملًا يقف أمامنا لكي نصفه، ولا عالمًا ساكنًا أُلقي فيه الإنسان كما يُلقى المتفرج في مسرح جاهز. الوجود، في جوهره صيرورة: تشكّل مستمر، وتحوّل لا ينقطع، وظهور لأشكال جديدة من داخل أشكال سابقة، ثم تجاوزها وانحلالها وظهور غيرها.
ولهذا فإن الثنائية البسيطة بين «النظام» و«الفوضى» لا تكفي لفهم طبيعة الوجود. فما يبدو فوضى قد يكون شرطًا لظهور نظام جديد، وما يبدو نظامًا مستقرًا قد يخفي داخله بذور تحوله وانهياره. وليس الانتظام نقيضًا مطلقًا للعشوائية، كما أن الحياة ليست إلغاءً للموت، ولا الوعي انتصارًا نهائيًا على الجهل.
السؤال الأعمق ليس: هل يحكم الكون النظام أم الفوضى؟
بل: كيف تستطيع الصيرورة أن تنتج انتظامًا، وكيف يستطيع الانتظام أن ينتج تعقيدًا، وكيف يستطيع التعقيد أن يفضي إلى حياة ووعي، وكيف يستطيع الوعي أن يتحول إلى قدرة على إنتاج المعنى والقيمة؟
هنا تبدأ الرؤى الوجودية.
لم يكن ظهور الحياة والتعقيد والوعي نتيجة قصد سابق، ولا ضرورة غائية كامنة في الوجود، وإنما كان حصيلة تضافر عدد هائل من الشروط والتحولات والمصادفات، تلاقت في مسارات معينة بحيث أمكن للتغير أن ينتج انتظامًا، وللانتظام أن ينتج تعقيدًا، وللتعقيد أن ينتج أنظمة قادرة على حفظ وجودها وإعادة إنتاجه وتطويره.
وربما كانت الصيرورة الكونية، في معظم مساراتها، لا تنتج إلا التفكك والفناء، لكن بعض المسارات النادرة استطاعت أن تبلغ عتبة يصبح عندها الانتظام مولّدًا لانتظام أكثر تعقيدًا، والتعقيد حاملًا لإمكانات جديدة من التنظيم والحياة.
وهكذا قد لا تكون الحياة استثناءً خارجًا عن طبيعة الوجود، بل واحدة من الإمكانات التي استطاعت الصيرورة، في شروط معينة، أن تحققها.
إن ما نسميه اليوم «وجودًا وحياة ووعيًا» قد يكون، من هذا المنظور، الأثر الباقي لمسار بالغ التعقيد من التفاعلات؛ مسار لم يكن مكتوبًا سلفًا أن يصل إلى هنا، لكنه حين وصل، أنتج كائنات قادرة على النظر إلى الوراء والتساؤل عن الكيفية التي وصلت بها الصيرورة إلى نفسها.
وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الإنسان نفسه قد يكون إحدى نتائج هذه المصادفات المتراكمة؛ ثم يصبح، بعد ظهوره، قادرًا على أن يتدخل في الصيرورة التي أنتجته، فيضيف إليها لأول مرة ــ على الأقل في حدود معرفتنا ــ كائنًا لا يكتفي بأن يحدث له التغير، بل يستطيع أن يتساءل عن اتجاهه، وأن يحاول التأثير فيه.
وبذلك يصبح الوجود أكثر غرابة:
صيرورة بلا غاية معلنة، أنتجت كائنًا قادرًا على البحث عن غاية.
وتغيرًا أعمى، أنتج كائنًا قادرًا على توجيه بعض التغير.
ومادةً لا نعرف لها قصدًا، أنتجت وعيًا يسأل عن القصد والمعنى

أولًا: من الفوضى والنظام إلى الصيرورة
من السهل أن نتصور العالم باعتباره مجموعة من الأشياء الثابتة: مادة، كائنات، أجسام، عقول، مجتمعات. لكن هذا التصور يخفي حقيقة أساسية: لا شيء مما نعرفه يوجد خارج الزمن والتغير.
الجسد يتغير، والخلايا تتجدد، والذاكرة تتبدل، والمجتمع يتحول، والحضارات تصعد وتهبط، والنجوم تولد وتموت. ومع ذلك نستمر في الحديث عن «الشيء نفسه». فما الذي يجعل الهوية ممكنة وسط التغير؟
ربما لا تكون الهوية سكونًا، بل استمرارًا من خلال التغير.
وربما ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات والموجودات ليس العقل، كما اعتدنا أن نفترض، ولا مجرد قابليته للتغير؛ فالعقل نفسه ثمرة من ثمار الصيرورة، والتغير قانون يسري في كل ما هو موجود. وإنما قد تكمن خصوصيته الأعمق في امتلاكه، داخل هذه الصيرورة التي لا يملكها، هامشًا من الفاعلية يسمح له بأن يتدخل في اتجاهها، وأن يحوّل بعض إمكاناتها إلى وقائع.
فالإنسان ليس مجرد كائن يتغير؛ إنه، إلى حد جزئي ومحدود، كائن يستطيع أن يشارك في تحديد الكيفية التي سيتغير بها. إنه لا يقف خارج الصيرورة ليوجهها من علٍ، بل هو جزء منها وقد بلغت فيه درجة من التنظيم والوعي تسمح لها بأن تصبح، عبره، قادرة على التأثير في مسارها اللاحق.
ومن هنا لا تكمن فرادة الإنسان في أنه يتحرر من الضرورة، وإنما في قدرته المحدودة على أن يجد داخل الضرورة نفسها مجالًا للفعل؛ أن يحوّل بعض ما كان حتميًا إلى ممكن، وبعض الممكن إلى واقع، وأن يضيف إلى شبكة الأسباب القائمة سببًا جديدًا هو قصده وفعله واختياره.
بهذا المعنى، لا يكون الإنسان سيد الصيرورة، ولا مجرد ضحية لها، بل يكون فاعلًا جزئيًا داخلها: كائنًا تستطيع الصيرورة، عبر وعيه وإرادته وفعلِه، أن تتدخل في ذاتها وتعيد توجيه بعض مساراتها.
وربما هنا تحديدًا تكمن خصوصية الإنسان: ليس في قدرته على أن يكون خارج العالم، بل في قدرته النادرة على أن يصبح، وهو في قلب العالم، أحد الأسباب التي تغيّر اتجاهه.
وهنا نقترب من الحدس البرجسوني: الزمن الحقيقي ليس مجرد سلسلة من نقاط منفصلة، بل مدة تتداخل فيها اللحظات، ويحمل الماضي أثره في الحاضر، بينما يبقى المستقبل مفتوحًا على ما لم يوجد بعد.
ومن هذه الزاوية، لا تكون الحياة تكرارًا لما هو موجود، بل قدرة على خلق الجديد.
البذرة لا تحمل الشجرة بوصفها صورة مكتملة فحسب؛ إنما تحمل مسارًا من الإمكانات التي لا تتحقق إلا عبر الزمن.
والإنسان ليس مجرد مجموع ماضيه؛ إنه أيضًا ما يمكن أن يصير إليه.
لذلك فإن الوجود الحي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره «شيئًا» بقدر ما يُفهم باعتباره مسارًا.

ثانيًا: برجسون — الحياة بوصفها خلقًا للمستقبل
يمنحنا برجسون إحدى الأدوات الأساسية لفهم هذا المسار. فإذا كان الزمن مجرد تتابع آلي للحظات، فإن المستقبل لن يكون إلا نتيجة ضرورية لما سبقه. أما إذا كان الزمن «مدة» حقيقية، فإن المستقبل يحمل قدرًا من الجدة لا يمكن اختزاله بالكامل في الماضي. ومن هنا تصبح الحياة إبداعًا مستمرًا.
لكن ينبغي ألا نحول برجسون إلى فيلسوف للتقدم الحتمي. فهو لا يقول إن كل ما ينتجه التطور خير، ولا إن الحياة تتحرك نحو غاية أخلاقية محددة. ما يهمه هو أن الحياة لا تُفهم جيدًا إذا اختزلناها إلى آلية تكرر نفسها. إنها قدرة على إنتاج الجديد.
وهنا يلتقي برجسون مع فكرتنا الأساسية:
الوجود ليس مغلقًا بالكامل؛ فيه دائمًا مساحة للممكن.
لكن برجسون يترك لنا سؤالًا لا يستطيع وحده حسمه:
إذا كانت الحياة قادرة على إنتاج الجديد، فما الذي يجعل جديدًا ما أفضل من جديد آخر؟
هنا يبدأ نيتشه.

ثالثًا: نيتشه — من خلق الجديد إلى تقييمه
لا يكتفي نيتشه بالسؤال عن قدرة الإنسان على تجاوز ما هو قائم، بل يسأل عن القيم التي تحكم هذا التجاوز. فليس كل تحول تقدمًا، وليس كل تجاوز ارتفاعًا، وليس كل قوة إبداعًا. وهنا تصبح مشكلة «الخير والشر» أكثر تعقيدًا.
بدل أن نقبل القيم الموروثة كما لو كانت حقائق أزلية، يدفعنا نيتشه إلى السؤال عن أصولها: كيف نشأت؟ ومن أنتجها؟ وما نوع الإنسان الذي تصنعه؟
وهذه هي أهمية البعد الجينيالوجي في فكره. فالقيمة ليست شيئًا بريئًا خارج التاريخ؛ إنها مرتبطة بأشكال معينة من الحياة والقوة والتأويل. ومن هنا يصبح مفهوم التجاوز أساسيًا.
الإنسان ليس عند نيتشه كائنًا ينبغي أن يستقر على صورة نهائية، بل كائنًا يمكنه أن يتجاوز نفسه. لكن التجاوز ليس مجرد تحطيم للماضي. إنه إعادة تقييم وخلق. ولهذا فإن السؤال النيتشوي الذي ينبغي أن نعتبره هو: ما نوع الإنسان الذي ينتج ما نسميه خيرًا؟
وهذا يختلف جذريًا عن القول: الخير هو النظام، والشر هو الفوضى. فقد يكون النظام تعبيرًا عن حياة ضعيفة تخشى التغير، وقد يكون خرق نظام قائم شرطًا لخلق إمكان جديد. لذلك لا يمكن الحكم على الفعل بمجرد كونه «منظمًا» أو «فوضويًا». السؤال إذن هو: أي نوع من الحياة والقوة والإنسان ينتج عنه؟

رابعًا: فلسفة التعقيد — كيف يظهر النظام من داخل الحركة؟
هنا تدخل علوم التعقيد لتقدم طبقة مختلفة تمامًا. فلسفة التعقيد لا تبدأ من السؤال الأخلاقي، ولا من سؤال المعنى، وإنما من سؤال بنيوي: كيف تنشأ الأنماط المنظمة من تفاعلات متعددة لا تحتاج إلى عقل مركزي يتحكم في كل تفاصيلها؟
في الأنظمة المعقدة قد تنشأ خصائص كلية من التفاعلات المحلية بين العناصر. لا توجد بالضرورة «خطة شاملة» مكتوبة داخل كل عنصر، ومع ذلك يظهر نمط على مستوى الكل. ومن هنا يظهر مفهوم الانبثاق.
فالحياة ليست مجرد ذرات، والوعي ليس مجرد قائمة من الخلايا العصبية، والمجتمع ليس مجرد أفراد منفصلين.
عندما تدخل العناصر في علاقات معينة، يمكن أن تظهر خصائص جديدة على مستوى أعلى من التنظيم. وبذلك تقدم فلسفة التعقيد تصحيحًا مهمًا لفكرة «النظام».
النظام ليس بالضرورة شيئًا مفروضًا من الخارج. قد يكون نظامًا ذاتي التنظيم ينشأ من داخل التفاعل نفسه. ومن هنا تصبح العشوائية أيضًا أقل بساطة مما تبدو عليه. فاضطراب صغير قد يتحول إلى نمط جديد، والتقلبات قد تفتح المجال أمام بنية جديدة، وعدم الاستقرار قد يكون شرطًا للانتقال إلى حالة أكثر تعقيدًا.
لذلك:
الفوضى ليست دائمًا عدو النظام؛ قد تكون أحد شروط ولادته.

خامسًا: لكن التعقيد لا ينتج القيمة تلقائيًا
وهنا يجب ألا نقع في خطأ آخر.
إذا كان نظام ما أكثر تعقيدًا، فهذا لا يعني أنه أكثر خيرًا.
يمكن أن تكون شبكة إجرامية شديدة التعقيد. ويمكن أن يكون نظام استبدادي شديد التنظيم. ويمكن لتكنولوجيا بالغة التعقيد أن تستخدم في البناء أو التدمير. إذن العلم يستطيع أن يساعدنا على فهم كيف ينشأ النظام والتعقيد، لكنه لا يخبرنا وحده لماذا ينبغي أن نختار نظامًا دون آخر. وهنا يعود نيتشه، ولكن من زاوية مختلفة. التعقيد يشرح كيف يحدث النشوء. وبرجسون يضيء كيف يحدث الخلق داخل الزمن. أما نيتشه فيسأل: أي اتجاه لهذا الخلق يستحق أن نؤكده؟
لكن حتى هذا السؤال ليس هو السؤال الأخير. لأن هناك سؤالًا يسبق سؤال القيمة نفسه. وهنا نصل إلى هايدجر.

سادسًا: هايدجر — قبل أن نسأل ماذا نصنع، ماذا يعني أن نكون؟
يذهب هايدجر إلى طبقة أعمق من السؤال.
فحين نقول: الإنسان يخلق، أو الحياة تتطور، أو النظام ينبثق، فإننا نفترض مسبقًا أننا نعرف معنى «الوجود».
لكن ماذا يعني أصلًا أن يكون شيء موجودًا؟
هنا ينقل هايدجر السؤال من الموجودات إلى الوجود.
والإنسان عنده ليس مجرد حيوان أكثر تعقيدًا من غيره، بل هو الكائن الذي يستطيع أن ينفتح على سؤال الوجود. إنه لا يوجد فقط، بل يستطيع أن يسأل: ما معنى أن أكون؟
وهذا هو الفارق الجوهري. فالمشكلة الإنسانية لا تبدأ عند سؤال: ماذا أريد؟
بل قبل ذلك: أي نوع من الوجود أعيش؟
فالإنسان ليس عقلًا منفصلًا يقف خارج العالم ويتأمله.
إنه وجود-في-العالم. إنه منخرط منذ البداية في اللغة، والعلاقات، والعمل، والزمان، والموت، والآخرين، والأشياء. ولهذا فإن العالم ليس مجرد موضوع أمامه. العالم هو المجال الذي يتحقق فيه وجوده نفسه.

سابعًا: التقنية — حين يتحول العالم كله إلى «مورد»
ومن هنا تظهر أهمية نقد هايدجر للتقنية الحديثة.
المشكلة ليست في الآلة ذاتها، ولا في استخدام التقنية بوصفه أمرًا شريرًا. المشكلة الأعمق هي أن يصبح نمط التفكير التقني هو الطريقة الوحيدة التي نرى بها الموجود. فعندها تصبح الطبيعة «موارد». ويصبح الإنسان «رأس مال بشريًا». والعلم مجرد وسيلة للسيطرة. والزمن مجرد إنتاجية. وحتى المعرفة قد تُقاس فقط بمدى قابليتها للاستخدام. وهنا يحدث شيء خطير: نحن لا نغير العالم فحسب، بل نغير طريقة ظهور العالم لنا. وهذا هو السؤال الهايدجري الذي ينبغي إضافته إلى أطروحتنا: هل نبني العالم، أم أن الطريقة التي نبنيه بها تعيد تشكيل الإنسان نفسه؟

ثامنًا: الإنسان ليس سيد الصيرورة
هنا تتقاطع الرؤى الأربع دون أن تتطابق. فمن منظور التعقيد، الإنسان نفسه نظام ناشئ داخل شبكة أكبر من العلاقات. ومن منظور برجسون، هو كائن يعيش داخل مدة لا يمكن اختزالها إلى سلسلة آلية من اللحظات.
ومن منظور نيتشه، هو كائن يستطيع تجاوز ذاته وإعادة تقييم القيم التي ورثها.
ومن منظور هايدجر، هو كائن منفتح على سؤال الوجود، لكنه معرض أيضًا لأن ينسى هذا السؤال ويختزل نفسه والعالم إلى مجرد أدوات.
لذلك فالإنسان ليس سيد الصيرورة.
إنه أحد أشكالها الأكثر تعقيدًا ووعيًا.
ولعل عظمة الإنسان لا تكمن في أنه خارج الطبيعة، بل في أن الطبيعة نفسها، من خلاله، وصلت إلى مرحلة أصبح فيها الوجود قادرًا على مساءلة نفسه.

تاسعًا: من الانتظام إلى الحياة، ومن الحياة إلى الوعي
إذا جمعنا هذه المستويات، يمكن تصور مسار فلسفي لا بوصفه سلمًا للتقدم الحتمي، وإنما كسلسلة من التحولات:
التفاعل ⬅ الانتظام ⬅ التعقيد ⬅ الحياة ⬅ الوعي ⬅ الإمكان ⬅ الاختيار ⬅ القيمة ⬅ المعنى.
لكن كل انتقال هنا يضيف سؤالًا جديدًا.
التعقيد يسأل: كيف نشأ التنظيم؟
برجسون يسأل: كيف تستطيع الحياة أن تنتج الجديد؟
نيتشه يسأل: كيف نقيم هذا الجديد، وكيف نعيد خلق القيم؟
هايدجر يسأل: ما معنى أن يكون هناك كائن يستطيع أصلًا أن يطرح هذه الأسئلة؟
وبذلك لا تصبح الفلسفات الأربع نسخًا متكررة من فكرة واحدة، وإنما مستويات مختلفة من التفكير في الوجود.

عاشرًا: أين يقع الخير والشر؟
عند هذه النقطة ينبغي إعادة صياغة الفكرة الأصلية لهذه الأطروحة. لا يمكن أن نقول ببساطة: النظام خير، والفوضى شر. فالطبيعة لا تعرف الخير والشر بالمعنى الأخلاقي. النجوم لا تختار. والزلازل لا تقصد الشر. والموت ليس فعلًا أخلاقيًا.
"إن الخير والشر يظهران عندما يظهر كائن قادر على الاختيار والتقييم وتحمل المسؤولية."
ولهذا يمكن صياغة المعيار بطريقة أكثر فلسفية:
الخير هو ما يوسّع مجال إمكان الحياة والوعي والحرية والإبداع.
والشر هو ما يغلق هذا المجال ويحوّل الكائن إلى مجرد أداة، أو يسلبه قدرته على أن يصبح ما يمكن أن يكونه.
لكن حتى هذا التعريف ليس قانونًا كونيًا جاهزًا؛ إنه محاولة إنسانية لصياغة معيار للقيمة.
وهنا نعود إلى نيتشه: ينبغي ألا نتعامل مع قيمنا كما لو أنها سقطت من السماء مكتملة، بل أن نسأل دائمًا عن الإنسان الذي تصنعه.

الحادي عشر: الفناء — اللحظة التي يصبح فيها الاختيار ذا معنى
لكن كل هذا يحدث تحت ظل حقيقة واحدة: الفناء.
الإنسان يعرف أنه سيموت. وهذه المعرفة ليست مجرد معلومة بيولوجية؛ إنها بنية عميقة في التجربة الإنسانية. لأنني أعرف أن الوقت محدود، يصبح لاختياري وزن. لو كان الزمن بلا نهاية، فقد يفقد القرار جزءًا من إلحاحه. لكن لأن الفرصة لا تتكرر بالطريقة نفسها، فإن كل اختيار يكتسب فرادته. ولهذا لا يحتاج المعنى إلى الخلود. الموسيقى لا تفقد قيمتها لأنها تنتهي. والحب لا يصبح بلا معنى لأنه مؤقت. والحياة لا تحتاج إلى أن تكون أبدية حتى تكون جديرة بأن تُعاش.
ربما يكون الفناء هو الذي يكشف لنا قيمة الصيرورة. فنحن لا نملك أن نوقف الزمن، لكننا نملك أن نسأل: ماذا سنفعل بالزمن الذي لدينا؟

الثاني عشر: الإنسان بين التكرار والخلق
وهنا يظهر التمييز النيتشوي مرة أخرى. هناك حياة تكرر نفسها. وحياة تستطيع أن تخلق.
هناك إنسان يعيش وفق القيم التي ورثها دون أن يسأل عنها. وإنسان يستطيع أن يقف أمام ما ورثه ويقول: هل أريد أن أكون هذا الإنسان؟
وهنا يبدأ التجاوز. لكن التجاوز لا يعني رفض كل ما سبق. فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ من الصفر.
إنه يحمل اللغة التي تعلمها، والجسد الذي وُلد فيه، والتاريخ الذي سبقه، والذاكرة التي تشكله. لذلك فالحرية ليست التحرر من كل الشروط؛ إنها القدرة على إعادة تشكيل علاقتنا بالشروط التي أعطيت لنا.
وهذه هي الحرية الواقعية، لا الحرية المطلقة.

الثالث عشر: هل الإنسان صانع للنظام أم صانع للمعنى؟
بعد كل ذلك يتغير السؤال الأصلي. لسنا مجرد طرف في معركة كونية بين البناء والهدم. ولا نستطيع أن نقول إن الكون نفسه «يريد» الخير أو الشر.
الأدق أن نقول: إن الكون ينتج عمليات وبنى.
والحياة تنتج إمكانات.
والوعي يكتشف الإمكان.
والإنسان يحول بعض الإمكانات إلى اختيارات.
والاختيارات تنتج قيمًا وآثارًا.
ومن هنا يظهر المعنى.
فالإنسان لا يكتشف بالضرورة معنى جاهزًا مخبأً في الكون، ولا يخترع بالضرورة معنى من فراغ.
إنه ينشئ المعنى داخل علاقة بين ما وجده وما يستطيع أن يصنعه.
وهذه المنطقة الوسطى هي جوهر الوجود الإنساني.

الخاتمة: الإنسان كائن يفتح الإمكان
في البدء ليس هناك إنسان يسأل.
هناك وجود.
ثم صيرورة.
ومن الصيرورة تنشأ البنى.
ومن البنى المعقدة تظهر الحياة.
وفي الحياة يظهر الوعي.
ومع الوعي يظهر السؤال.
وعندما يظهر السؤال، لا يعود الوجود مجرد ما يحدث؛ يصبح أيضًا ما يمكن أن يحدث.
هنا يولد الإنسان بوصفه كائن الإمكان.
برجسون يعلمنا أن الحياة ليست تكرارًا ميكانيكيًا، بل قدرة على خلق الجديد.
نيتشه يعلمنا أن خلق الجديد لا يكفي، وأن علينا أن نسأل عن القيم التي توجه الخلق وعن قدرتنا على تجاوز ما أصبحنا عليه.
فلسفة التعقيد تكشف لنا أن الانتظام يمكن أن ينبثق من التفاعل، وأن الجديد قد يظهر من داخل العلاقات دون أن يكون مخططًا بصورة مركزية.
وهايدجر يعيدنا إلى السؤال الأعمق: قبل أن نسأل ماذا نصنع بالعالم، علينا أن نسأل ماذا يعني أن نكون أصلًا.
ومن اجتماع هذه المسارات لا نحصل على فلسفة واحدة، بل على رؤية متعددة الطبقات للإنسان:
نحن أنظمة ناشئة، نعيش في الصيرورة، ونمتلك القدرة على الخلق، ونخضع لصراع القيم، ونعيش تحت ظل الفناء، ونبقى منفتحين على سؤال الوجود.
لذلك ربما لا تكون مهمتنا أن نهزم الفوضى، ولا أن نفرض النظام على الكون.
مهمتنا الأكثر تواضعًا والأكثر عمقًا هي أن نستخدم المساحة المحدودة التي يمنحها لنا وجودنا لكي نحول بعض الفوضى إلى شكل، وبعض الشكل إلى حياة، وبعض الحياة إلى وعي، وبعض الوعي إلى معنى.
فالإنسان لا يستطيع أن يمنع العالم من التغير.
لكنه يستطيع أن يجعل تغيره حاملًا لإمكان جديد.
وهنا ربما تكمن خصوصية وجودنا:
لسنا الكائن الذي خرج من الفوضى ثم انتصر عليها.
بل الكائن الذي ولد من الصيرورة، وأصبح واعيًا بها، ثم اكتسب القدرة على أن يشارك في اتجاهها.
ولهذا فإن السؤال النهائي ليس:
هل نحن مع النظام أم مع الفوضى؟
بل: أي شكل من الوجود نريد أن نجعل ممكنًا من خلال وجودنا؟
وهنا يبدأ الإنسان الحقيقي.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
- الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
- من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
- الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
- ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
- ثلاثية الإله والروح والخلود
- الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية
- شجرة الوعي- الإنسان وعائلته القردة العليا
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي
- مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام
- الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة
- الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات
- الثوابت الكونية وضبط الوجود
- جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية
- اللاهوت بين الأمومية والأبوية: تحولات الوعي البشري وبنية الم ...


المزيد.....




- متى ستذهب إلى موسكو؟ شاهد كيف رد زيلينسكي على صحفي روسي في ن ...
- نتنياهو يشن هجومًا لاذعًا على ممداني: -يبصق في وجه الحقيقة- ...
- نتنياهو يتوقع -سقوط النظام في إيران- ويهاجم من غادروا القاعة ...
- شاهد.. لحظة انسحاب عدد كبير من الدبلوماسيين مع بدء نتنياهو ك ...
- أردوغان يعرب عن ثقته بحصول تركيا على مقاتلات -إف-35- وينتظر ...
- بولندا تصف حريق محطة ستارلينك بـ -العمل التخريبي-، والدنمارك ...
- التحالف بقيادة السعودية يعلن اعتراض صواريخ باليستية من اليمن ...
- إيطاليا تعيد رسم خريطة الفصول الدراسية: سقف للطلاب الأجانب و ...
- الحوثيون يعلنون قصف الرياض وشركة أرامكو في ينبع
- عن ماذا أسفرت لقاءات ترامب مع القادة العرب ؟


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود