|
|
لماذا يخسر الكورد حين يراهنون على حليف واحد؟ قراءة استراتيجية في مأزق التحالفات الكوردية بعد تجربة -قسد-
مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 14:56
المحور:
القضية الكردية
مقدمة: حين يحل الحليف محل الذات من أقسى الدروس التي تفرضها التجربة الكوردية في سوريا خلال العقد الأخير أن التحالف مع قوة دولية كبرى قادر على منح الطرف الأصغر هامشاً استثنائياً من الصمود والتمدد، لكنه عاجز، مهما بلغت متانته، عن أن يتحول إلى بديل عن القوة الذاتية، أو إلى ضمانة دائمة لمصير مشروع سياسي بأكمله. هذه ليست ملاحظة عابرة، بل هي في جوهرها إحدى القواعد الكلاسيكية في نظرية التحالفات: فالتحالف الأمني، مهما اتسع، يبقى أداة تخدم مصالح متقاطعة مؤقتاً، لا رابطة عضوية دائمة.
وينبغي هنا التمييز بدقة بين أمرين كثيراً ما يُخلط بينهما في الأدبيات السياسية والإعلامية على حد سواء: فالتحالف مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، في ذاته، لم يكن خطأً استراتيجياً؛ بل كان استجابة منطقية لظرف وجودي فرضه صعود تنظيم داعش. أما تحويل هذا التحالف إلى الركيزة شبه الوحيدة للأمن والسياسة والعلاقات الخارجية، فقد حمل منذ لحظته الأولى مخاطرة بنيوية.
ذلك أن الدول، في جوهر سلوكها، لا تتحالف بدافع الصداقة أو الوفاء، بل انطلاقاً من حسابات المصلحة. وحين تتبدل طبيعة التهديد، أو تتغير الأولويات، أو تُعاد صياغة موازين القوى الإقليمية، تُعاد بالضرورة صياغة التحالفات تبعاً لذلك. هذه ليست خصوصية أمريكية، بل قانون عام يحكم سلوك القوى الكبرى تجاه شركائها الأصغر.
ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي المشروع ليس: لماذا تخلّت الولايات المتحدة عن الكورد؟ بل، وهو سؤال أعمق وأكثر إيلاماً: لماذا لم تُبنَ قوة كوردية قادرة على الاستمرار حين تتغير حسابات واشنطن؟
أولاً: جذور المشكلة سابقة على لحظة التخلي ثمة نقطة جوهرية يغفل عنها كثير من قراء التجربة الكوردية: أزمة الاعتماد الأحادي لم تبدأ يوم الانسحاب أو التخلي المفترض، بل تشكّلت في بنية العلاقة منذ لحظة تأسيسها.
قبل قيام قوات سوريا الديمقراطية، كانت القوة العسكرية الكوردية في شمال شرق سوريا متمثلة أساساً في وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، وهي تشكيلات ذات هوية كوردية واضحة لا لبس فيها. ومع تصاعد الحرب على تنظيم داعش، تطورت العلاقة بين هذه القوات والولايات المتحدة والتحالف الدولي، حتى تشكّلت عام 2015 "قسد" كمظلة عسكرية أوسع ضمّت قوى عربية ومسيحية وتركمانية إلى جانب المكوّن الكوردي الذي ظل يمثل ثقلها الأساسي. وتشير مصادر أمريكية إلى أن وحدات حماية الشعب كانت من أبرز وأقوى مكونات قوات سوريا الديمقراطية وأكثرها تأثيراً في قرارها العسكري.
من منظور عسكري بحت، كان لهذا التحول منطقه المقبول: فالحرب على داعش استلزمت تحالفاً واسع القاعدة، كما أن تقديم القوة بوصفها تشكيلاً سورياً متعدد المكونات كان أكثر قابلية للقبول دولياً ومحلياً من تقديمها بوصفها مشروعاً كوردياً مسلحاً حصرياً.
غير أن كل مكسب استراتيجي يحمل، في الغالب، كلفة مقابلة كامنة. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم بجرأة أكاديمية هو: هل كان بمقدور القيادة الكوردية أن تقبل بتوسيع الإطار العسكري من دون أن تفرّط، في الآن ذاته، بمركز ثقل سياسي واستراتيجي كوردي مستقل ومائز؟ لا يمكن الجزم بأن رفض صيغة "قسد" كان سيفضي إلى نتيجة أفضل؛ فالمشهدان السوري والدولي كانا بالغي التعقيد، وفرضت الحرب على داعش حسابات عسكرية لا يمكن تجاوزها بيسر. لكن كان يمكن، من حيث المبدأ، التفكير في صيغة مغايرة: تحالف عسكري واسع، مصحوب بالحفاظ على قوة سياسية وتنظيمية كوردية مستقلة، من دون أن تتحول المظلة المشتركة إلى بديل كامل عن المشروع الكوردي ذاته.
ثانياً: من توسيع التحالف إلى تمييع مركز القرار لم تكن المعضلة في انضمام قوى عربية أو غيرها إلى المعركة؛ فذلك كان ضرورة عملياتية لا مفر منها. المعضلة الاستراتيجية الأعمق كمنت في تداخل ثلاثة مستويات بات من العسير الفصل بينها: القوة الكوردية الأصلية بهويتها ومشروعها الخاص. المظلة العسكرية السورية متعددة المكونات. الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بإدارة الحرب على داعش والملف السوري عموماً. وكلما تشابكت هذه المستويات، غدا من الصعب تحديد أين ينتهي القرار الكوردي المستقل وأين يبدأ القرار المرتبط بحسابات الحليف الدولي. وهذا لا يعني أن "قسد" فقدت قيادتها الكوردية أو أن المكوّن الكوردي تراجع نفوذه داخلها، بل يعني أن إعادة تعريف القوة أعادت، بالتبعية، تعريف القضية التي تحملها هذه القوة أمام الخارج.
من هنا نشأ تحول رمزي وسياسي بالغ الدلالة: من خطاب مباشر يقول "نحن قوة كوردية تحمل مشروعاً سياسياً وأمنياً في منطقة ذات غالبية كوردية"، إلى خطاب أعم يقول "نحن قوة سورية متعددة المكونات تحارب داعش وتدافع عن نموذج إدارة محلية". وقد كان هذا التحول مفيداً وظيفياً في مرحلة الحرب على داعش. غير أن السؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه هو: ماذا يحدث حين تنتهي الحرب التي قامت الشراكة على أساسها؟
ثالثاً: حدود التطابق بين المصلحة الأمريكية والمصلحة الكوردية من الخطأ المنهجي قراءة السياسة الأمريكية بوصفها مشروعاً ثابتاً لحماية الكورد إلى الأبد. فالولايات المتحدة دخلت شرق وشمال شرق سوريا في سياق الحرب على تنظيم داعش، وبنت شراكة عسكرية مع قوى محلية لتحقيق هذا الهدف المحدد، ثم توسعت هذه الشراكة تدريجياً لتشمل ملفات أمنية أخرى كإدارة المناطق المنتزعة من داعش، واحتجاز مقاتليه، وحماية مخيمات النازحين.
وهذا يفسّر بعداً جوهرياً في طبيعة العلاقة: فواشنطن كانت تملك أهدافاً أمريكية خالصة، بينما كان للكورد أهدافهم الكوردية الخاصة. وقد يتقاطع الهدفان طويلاً، لكنهما لا يتطابقان بالضرورة. حين يكون داعش هو الخطر الأعلى، تتطابق المصالح بدرجة كبيرة. أما حين يتغير تعريف الخطر، أو تصبح الأولوية للاستقرار السوري العام أو للتفاهمات الإقليمية أو لتقليص الانتشار العسكري الأمريكي، فإن مساحة التطابق تنكمش حكماً.
من هنا تُستخلص قاعدة تحليلية مركزية: كلما ارتبط وجودُك بهدف حليفك، ازداد تهديد قوتك عند انتهاء ذلك الهدف أو تبدّل تعريفه.
رابعاً: غياب شبكة التحالفات الموازية إذا كانت الشراكة مع واشنطن ضرورة قائمة، فلماذا لم تترافق معها، منذ البداية، استراتيجية موازية لتنويع العلاقات الخارجية؟ كان يمكن، بدرجات متفاوتة من الجرأة والحذر، التفكير في فتح قنوات مع موسكو، والعواصم الأوروبية، وبغداد وإقليم كوردستان العراق، ودمشق رغم الخلاف السياسي القائم، وقوى إقليمية أخرى، بل وحتى قنوات غير مباشرة مع أنقرة كلما سمحت الظروف بذلك.
وليس المقصود بهذا الطرح أن تتحول كل هذه العلاقات إلى تحالفات مكتملة الأركان، بل أن لا تكون واشنطن الباب الوحيد الذي يخرج منه القرار الكوردي إلى العالم. وهذه نقطة جوهرية في أدبيات العلاقات الدولية: فالفاعل الصغير أو الحركة السياسية المحدودة الموارد لا تحتاج بالضرورة إلى عشرات الحلفاء، لكنها تحتاج، حتماً، إلى أكثر من خيار واحد حين يتبدل ميزان القوى.
خامساً: درس مصطفى كمال في إدارة التناقضات الدولية تقدم التجربة التركية في أعقاب الحرب العالمية الأولى مثالاً تاريخياً جديراً بالتأمل، لا بوصفه نموذجاً قابلاً للاستنساخ الحرفي، بل بوصفه درساً في فن إدارة التناقضات بين القوى الكبرى.
فحين قاد مصطفى كمال الحركة الوطنية التركية، لم يحصر علاقاته الخارجية في محور واحد. ففي الوقت الذي كان فيه صراعه مع القوى الغربية قائماً ومحتدماً، فتح قنوات موازية مع روسيا السوفييتية، وتوصل الطرفان إلى تعاون قائم على تقاطع مصالح محدد، تُوّج بمعاهدة موسكو عام 1921، إلى جانب دعم مالي وعسكري سوفييتي للحركة التركية الناشئة.
وتُجمع المصادر التركية الرسمية والأكاديمية على أن هذه العلاقة لم تقم على تطابق أيديولوجي، بل على مصلحة متبادلة محددة، مع احتفاظ أنقرة الكامل باستقلال قرارها السياسي.
وهذه هي النقطة الأدق والأهم في الاستشهاد: فمصطفى كمال لم يكن بحاجة إلى أن يتحول سوفييتياً لينال الدعم السوفييتي، ولا إلى أن يقطع علاقته بالغرب ليتعامل مع موسكو. لقد تعامل مع القوى الكبرى بوصفها مصادر قوة متنافسة، واستثمر تناقضاتها بما يخدم هدفه الوطني الأسمى.
وتؤكد وزارة الخارجية التركية في عرضها التاريخي لسياسة عهد أتاتورك أن استقلال القرار الوطني كان محوراً أصيلاً في تلك المرحلة، وأن العلاقات الدولية جرى التعامل معها من منظور المصلحة الوطنية الخالصة لا من منظور الولاء لمحور بعينه.
ولا تكمن العبرة هنا في مقارنة الكورد بالأتراك؛ فظروف الحرب العالمية الأولى والحركة الوطنية التركية تختلف جذرياً عن السياق السوري الكوردي الراهن. العبرة تكمن في المنهج ذاته: حين تتعدد القوى الكبرى المتنافسة حولك، لا تجعل من نفسك تابعاً لإحداها؛ بل اجعل من التنافس بينها مساحة مناورة تخدم مشروعك الخاص.
سادساً: ماذا كانت تعنيه استراتيجية كهذه بالنسبة للكورد؟ لو افترضنا أن التحالف مع واشنطن كان ضرورة عسكرية محضة، فهذا لا يعني أن العلاقة مع موسكو كانت مستحيلة بالضرورة. ولو افترضنا أن روسيا أقرب إلى دمشق، فهذا لا يلغي جدوى الحوار معها. ولو افترضنا أن تركيا تعارض جوهرياً المشروع الكوردي، فهذا لا يستوجب اختفاء القنوات السياسية معها بالكامل. ولو افترضنا أن دمشق خصم سياسي، فهذا لا ينفي أن التواصل معها قد يخدم مصالح كوردية محددة.
ففي حقل العلاقات الدولية، الخصم السياسي ليس عدواً أبدياً بالضرورة، والحليف ليس شريكاً أبدياً بالضرورة. ومن ثم، فامتلاك قنوات متعددة لا يعني التنازل عن الثوابت والمواقف؛ بل قد يعني، على العكس تماماً، امتلاك خيارات أوسع حين تُستدعى الحاجة إلى الدفاع عن الموقف ذاته.
سابعاً: التحالف مع واشنطن مكسب حقيقي... والاعتماد عليه مخاطرة بنيوية ينبغي هنا توخي الإنصاف وتجنّب ظلم التجربة. فقد كانت الشراكة الأمريكية مع "قسد" ذات أهمية عسكرية حاسمة في الحرب على داعش، وأسهمت في بناء قدرة عسكرية محلية معتبرة، كما قدّمت الولايات المتحدة دعماً وتسليحاً وتنسيقاً عسكرياً واسعاً للقوات الشريكة.
ولذلك، فإن اختزال التجربة كلها في مقولة "الولايات المتحدة استخدمت الكورد ثم تخلّت عنهم" قراءة سياسية ممكنة من بعض الزوايا، لكنها تبقى تبسيطية وغير كافية لتفسير العلاقة بتمامها. الأدق تحليلياً أن يُقال: لقد التقت المصلحتان الأمريكية والكوردية في مرحلة تاريخية محددة، وحقق الطرفان مكاسب حقيقية من هذا التقاطع، لكن الكورد لم ينجحوا بالقدر الكافي في تحويل هذه الشراكة إلى شبكة أوسع من الضمانات المؤسسية والقوة المستقلة.
وهنا تقع المسؤولية الاستراتيجية على عاتق صناع القرار الكورد أنفسهم، لا لأنهم قادرون على التحكم في السياسة الأمريكية، بل لأنهم وحدهم القادرون على التحكم بدرجة تنويع خياراتهم الخاصة.
ثامناً: تفكيك مفهوم القوة - أبعد من السلاح من الأخطاء التحليلية المتكررة اختزال القوة الكوردية في عدد المقاتلين وكمّ السلاح. فالقوة الاستراتيجية، في جوهرها، بنية مركّبة من سبعة أبعاد متكاملة: القوة العسكرية، التي تحول دون فرض الأمر الواقع بالقوة. القوة السياسية، التي تُنتج قيادة قادرة على التفاوض باسم مجتمعها. القوة الدبلوماسية، التي تمنع حصر العلاقات الخارجية في عاصمة واحدة. القوة الاقتصادية، التي تحد من قدرة الآخرين على ابتزاز القرار السياسي. القوة المؤسساتية، التي تضمن استمرار المكاسب حتى مع تغيّر القيادات. القوة الاجتماعية، التي تحول دون تحول الخلاف السياسي إلى انقسام أهلي. القوة القانونية والدولية، التي تُحوّل الحقوق السياسية إلى التزامات يصعب التراجع عنها. وحين تغيب هذه الأشكال الأخرى من القوة، يصبح فقدان القوة العسكرية وحدها أكثر خطورة بكثير، إذ لا يبقى ما يعوّضها.
تاسعاً: الخطر الأعمق ليس فقدان الحليف، بل فقدان القدرة على المناورة الحليف القوي قادر على حمايتك من خصم أقوى منك. لكن حين تُبنى استراتيجيتك بأكملها على وجوده، فإنك تنتقل تدريجياً من موقع الشريك إلى موقع التابع لقرار شريكه. وعندها يصبح السؤال الحاسم: ماذا تفعل حين يعيد الحليف ترتيب أولوياته؟ فإن كانت الإجابة: "لا نملك بديلاً"، فإن جذر المشكلة لم يتشكل يوم انسحاب الحليف أو تبدّل موقفه، بل تشكّل في اليوم الذي لم تُبنَ فيه البدائل أصلاً.
عاشراً: الانقسام الداخلي - العامل المسكوت عنه ثمة عامل لا يقل أهمية عن حسابات العلاقات الدولية: غياب مركز قرار استراتيجي كوردي موحد. فالاعتماد على حليف واحد يزداد خطورة حين لا يوجد توافق داخلي حول طبيعة المشروع السياسي، وحدود التنازل الممكن، والعلاقة مع دمشق وأنقرة وواشنطن وموسكو، وشكل القوة العسكرية المستقبلية، والضمانات الواجب تحصيلها قبل أي تنازل.
وفي غياب هذا التوافق، يصبح كل طرف داخلي قادراً على اتهام الآخر بتحمّل مسؤولية الخسارة، بينما السؤال الأجدر بالطرح هو: هل توجد استراتيجية مشتركة تمنع تحوّل الخلافات التكتيكية إلى هزيمة استراتيجية شاملة؟
حادي عشر: نقد الاعتماد ليس دعوة إلى القطيعة هذه نقطة منهجية لا غنى عنها. فليس هدف هذا التحليل الدعوة إلى التخلي عن الولايات المتحدة، ولا الزعم بأن روسيا أو الصين قادرتان على أن تحلّا محلها. فاستبدال تبعية بأخرى لا يحل جوهر المشكلة. الاستراتيجية السليمة ليست "اتركوا أمريكا وتحالفوا مع روسيا"، ولا "اتركوا الغرب واتجهوا شرقاً"، بل: تحالفوا مع الولايات المتحدة حيث تتقاطع المصالح، وافتحوا بالتوازي قنوات مع أطراف أخرى، وابنوا قوة داخلية تجعل من أي تحالف خياراً لا ضرورة وجودية. والفارق بين الصيغتين جوهري لا شكلي.
ثاني عشر: من "الحماية الخارجية" إلى "التوازن الخارجي" لعل أكبر درس تفرضه تجربة السنوات الأخيرة هو ضرورة الانتقال من مفهوم "حليف يحميك" إلى مفهوم "شبكة علاقات تحمي هامش قرارك". فالولايات المتحدة يمكن أن تظل شريكاً، وروسيا يمكن أن تكون قناة تفاوض، وأوروبا يمكن أن تشكّل مجالاً سياسياً وقانونياً، وبغداد يمكن أن تكون قناة مؤسسية، وإقليم كوردستان يمكن أن يمثل عمقاً سياسياً واجتماعياً، بل وحتى الخصوم يمكن أن تُفتح معهم قنوات اتصال حين تفرض الجغرافيا ذلك. فليس المطلوب أن يكون الجميع أصدقاء، بل أن لا يملك أحد وحده القدرة على إغلاق كل الأبواب في وجهك.
ثالث عشر: قاعدة القوة، لا خصوصية التجربة التركية تكشف التجربة التركية بعد الحرب العالمية الأولى عن قاعدة أعمق من سياقها التاريخي المحدد: فالقوة الصغيرة لا تنتصر على القوى الكبرى بامتلاك القوة العسكرية وحدها، بل بقدرتها على إدارة التناقضات القائمة بين هذه القوى، ومنعها من التوافق على حسابها. وهذا بالضبط ما يجعل تنويع العلاقات الخارجية مسألة أمن قومي بامتياز، لا رفاهية دبلوماسية عابرة. فحين تكون كل أوراقك في يد طرف واحد، يملك ذلك الطرف القدرة على رفع سقف مطالبه كلما تبدّلت الظروف؛ أما حين تملك خيارات متعددة، فإن قدرتك التفاوضية تتضاعف تبعاً لذلك.
رابع عشر: السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بعد كل ما جرى، لا ينبغي أن يكون السؤال المركزي: "من خان الكورد؟" ولا "من تخلّى عن قسد؟" ولا حتى "هل كانت أمريكا حليفاً جيداً أم سيئاً؟". فهذه أسئلة قد تحمل قيمة سياسية وإعلامية آنية، لكنها لا تكفي أساساً لبناء استراتيجية مستقبلية رصينة.
السؤال الأجدر بالطرح هو: هل نجح الكورد، خلال مرحلة التحالف الدولي، في تحويل القوة التي امتلكوها إلى شبكة من الضمانات السياسية والدبلوماسية والمؤسساتية، أم تركوا الجزء الأعظم من مستقبلهم معلّقاً على استمرار حاجة الولايات المتحدة إليهم؟ هذا هو الاختبار الحقيقي الذي تفرضه المرحلة الراهنة.
خامس عشر: من القوة العسكرية إلى القوة التفاوضية لا تكتسب القوة العسكرية قيمتها السياسية الكاملة إلا حين تتحول إلى مكاسب مؤسسية قابلة للاستمرار. وهذا يستلزم أن تطرح أي قوة عسكرية على نفسها، منذ لحظتها التأسيسية، أسئلة من قبيل: ماذا نحصل مقابل مشاركتنا؟ ما الحقوق التي تبقى بعد انتهاء الحرب؟ ما الضمانات الدولية المُلزمة؟ ما شكل الإدارة السياسية المستقبلية؟ ما وضع القوات القانوني؟ من يملك قرار استخدامها؟ ماذا يحدث إذا تغيّر الحليف؟ وما البديل إذا انسحب الدعم؟ هذه الأسئلة كان ينبغي ألا تُطرح بعد نهاية الشراكة، بل أن تكون جزءاً بنيوياً من هندسة الشراكة نفسها منذ تأسيسها.
خاتمة: لا تحالف بلا استقلال قرار لا تقول التجربة الكوردية في سوريا إن التحالف مع الولايات المتحدة كان خطأً. بل تقول شيئاً أكثر تعقيداً ونضجاً: كان التحالف ضرورياً في مرحلة بعينها، لكنه لم يكن كافياً وحده لبناء مستقبل. كما أن تشكيل "قسد" لم يكن بالضرورة خطأً عسكرياً؛ فقد كان له منطقه الواضح في حرب متعددة الأطراف ضد داعش، وأتاح توسيع قاعدة القوة المحلية والدعم الدولي.
غير أن السؤال الاستراتيجي الذي يبقى مفتوحاً هو: هل كان ممكناً الحفاظ على هذه المظلة العسكرية الواسعة، مع صون مركز الثقل الكوردي سياسياً وتنظيمياً، وبناء شبكة علاقات دولية أكثر تنوعاً وعمقاً؟ ربما. ولا يمكن اليوم تغيير ما وقع، لكن يمكن، وينبغي، استخلاص الدرس.
فالكورد لا يحتاجون إلى الاختيار بين أمريكا وروسيا، ولا بين الغرب والشرق. إنهم بحاجة إلى الانتقال من موقع الطرف الباحث عن حليف يحميه، إلى موقع الفاعل الذي يمتلك من القوة والخيارات ما يجعل الآخرين حريصين، هم أنفسهم، على التعامل معه.
والقاعدة الأهم تبقى: تحالف مع الجميع حيث تتقاطع المصالح، ولا ترهن بقاءك بأحد. فالحليف قادر على أن يمنحك القوة، لكن استقلال القرار وحده هو الذي يحوّل تلك القوة إلى مستقبل.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تغيير الخرائط لا يصنع الدول: سوريا والكورد بين حق تقرير المص
...
-
من حراسة الحدود إلى صناعة الأمن الإقليمي كوردستان بين حماية
...
-
الطاقة الكوردية: الموارد وشبكات النقل - أين تكمن القيمة الحق
...
-
موسى عنتر... حين حاول الرصاص إسكات القلم
-
الجغرافيا الكوردية: من الموقع الجغرافي إلى الأصل الاستراتيجي
...
-
ماذا يملك الكورد؟ ولماذا لا يتحول ما يملكونه إلى قوة؟ في فجو
...
-
بين قنديل ودمشق الدلالات الاستراتيجية لتصريح جميل بايق بشأن
...
-
الكورد والقوة التي لا تُرى من -الحاجة إليهم- إلى -الحاجة إلى
...
-
القضية الكوردية: من حق تقرير المصير إلى صناعة القدرة على تقر
...
-
من تفكيك القوة إلى تفكيك الموقف قراءة استراتيجية في مسار ما
...
-
من التهجير إلى تثبيت الواقع هل توقّف التغيير الديموغرافي في
...
-
نحن لا نخاف من الحرب؛ نحن نعرف ثمنها
-
من اغتيال سيپان إلى استهداف الاستقرار: مقاربة تحليلية لفرضية
...
-
من توحيد البيشمركة إلى بناء منظومة الأمن القومي الكوردي توحي
...
-
اغتيال سيپان شيخموس كورمي: هل تستهدف الجريمة شخصاً أم مشروعا
...
-
بين الاستقلال وإعادة تعريف العلاقة مع المركز ماذا تقول التجا
...
-
من يمثل الكورد؟ ومن يملك حق صياغة سوريا الجديدة؟ اتفاقات الق
...
-
الكورد السوريون في زمن الصراع التركي-الإسرائيلي من قضية قابل
...
-
بناء التوافق الكوردي: من تعدد المشاريع إلى استراتيجية المصال
...
-
الكورد في مفترق القرن: من ثورة السلاح إلى ثورة السياسة
المزيد.....
-
-سلطان من ورق-.. كاتس يهاجم أردوغان على خلفية خطابه أمام الأ
...
-
نتنياهو يستعد لـ-قول الحقيقة عن ممداني- في الأمم المتحدة
-
اليمن: أطفال على حافة المجاعة وسط استمرار القتال وموجات النز
...
-
الحبتور يشيد بكلمة الشرع في الأمم المتحدة ويلمح للعودة عن تج
...
-
اقتحام الأقصى وهجمات للمستوطنين ونسف منزل واعتقالات بالضفة
-
فيديو منسوب إلى -لقاء بين أردوغان ونتنياهو خلال اجتماعات الأ
...
-
رئيس إيران يرفع صورة المرشد السابق علي خامنئي في الأمم المتح
...
-
خطاب الأمم المتحدة
-
-فنزويلا تولد من جديد-.. رودريغيز تتعهد بانتخابات أمام الأمم
...
-
بزشكيان في الأمم المتحدة: خطاب القوة والحقوق والسلام في زمن
...
المزيد.....
-
الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان
...
/ كوران عبد الله
-
“رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”.
/ أزاد فتحي خليل
-
رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر
/ أزاد خليل
-
سعید بارودو. حیاتي الحزبیة
/ ابو داستان
-
العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس
...
/ كاظم حبيب
-
*الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 *
/ حواس محمود
-
افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_
/ د. خليل عبدالرحمن
-
عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول
/ بير رستم
-
كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟
/ بير رستم
-
الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية
/ بير رستم
المزيد.....
|