أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين















المزيد.....


الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 04:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تدخل الجينيالوجيا إلى الخطاب السياسي اليساري في القرن الحادي والعشرين، فإنها لا تدخل باعتبارها تقنية أكاديمية للبحث عن أصول الأفكار، ولا باعتبارها ملحقا فلسفيا يمكن إضافته إلى الماركسية ثم العودة إلى الممارسة السياسية كأن شيئا لم يتغير، وإنما تدخل من منطقة أكثر عمقا وإزعاجا : من منطقة السؤال عن الكيفية التي أصبح بها ما نعيشه اليوم يبدو طبيعيا، بديهيا، أبديا، بل أحيانا غير قابل للتغيير، مع أنه ليس سوى حصيلة تاريخ طويل من الصراعات والتسويات والهزائم والانتصارات، ومن علاقات القوة التي تراكمت حتى فقدت ملامحها الأولى، وصارت تظهر لنا في هيئة قوانين ومؤسسات وعادات وقيم وطرائق تفكير وأشكال من السلوك تبدو وكأنها جزء من طبيعة الأشياء . وهنا تحديدا تكتسب الجينيالوجيا قيمتها بالنسبة إلى ماركسية ثورية تريد أن تفهم القرن الحادي والعشرين لا أن تكرر القرن التاسع عشر، لأن السؤال الجينيالوجي، في أحد أعمق مستوياته السياسية، ليس فقط : من أين جاءت هذه الفكرة أو هذه المؤسسة أو هذه العلاقة؟ وإنما : من الذي جعلها ممكنة؟ ومن الذي جعلها تستمر؟ ومن الذي يستفيد من تحولها إلى شيء يبدو خارج التاريخ؟ ومن دفع الثمن حتى تصبح هذه «الطبيعية» ممكنة؟ ومن ثم فإن الجينيالوجيا، حين تتحول إلى أداة نقدية داخل اليسار، تعيد فتح السؤال الماركسي من مكان آخر، لا لتزيحه وإنما لتوسعه، لأنها تدفعنا إلى النظر خلف الظواهر التي أصبحت مألوفة، إلى العلاقات الاجتماعية التي تختبئ وراءها، وإلى الإنسان الذي كثيرا ما يختفي خلف المفاهيم التي نتحدث باسمه .
لقد علّمنا ماركس أن السلعة لا ينبغي أن تُرى باعتبارها شيئا محايدا، وأن وراء الشيء علاقة اجتماعية، وأن وراء السعر عملا، وأن وراء الأجر قوة عمل تباع وتشترى، وأن وراء السوق تاريخا من الملكية والصراع، وأن ما يبدو علاقة حرة بين أفراد متساوين يمكن أن يكون في عمقه علاقة بين من يملك وسائل الإنتاج ومن لا يملك سوى قدرته على العمل . وهذا، في جانب أساسي منه، فعل جينيالوجي أيضا، لأن ماركس كان ينزع عن الظواهر قناعها الطبيعي ويعيدها إلى تاريخها الاجتماعي . لم يكن الأجر مجرد مبلغ يتقاضاه العامل، بل كان شكلا اجتماعيا يخفي وراءه علاقة أعمق؛ ولم تكن السلعة مجرد شيء ينتقل من يد إلى يد، بل كانت تختزن داخلها زمنا بشريا وعلاقة إنتاجية وصراعا حول توزيع الثروة . ومن هنا يمكن القول إن الجينيالوجيا لا تبدأ بالضرورة ضد ماركس، بل يمكن أن تبدأ من إحدى أهم الحساسية النقدية التي تركها ماركس : لا تصدقوا الشكل الظاهر للأشياء، ابحثوا عما تخفيه، ولا تتعاملوا مع علاقات البشر كما لو كانت قوانين طبيعية لا تاريخ لها .
لكن الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين جعلت مهمة التفكيك أكثر تعقيدا، لأن الاستغلال لم يعد دائما يظهر في الصورة التي اعتدنا عليها . العامل لا يقف دائما أمام آلة ضخمة داخل مصنع، ولا يكون المدير دائما شخصا يمكن رؤيته ومواجهته، ولا تكون السلطة دائما أمرا مباشرا يصدر من الأعلى إلى الأسفل . لقد أصبح العامل أحيانا يعمل من هاتفه، ويتلقى أوامره من منصة رقمية، وتحدد الخوارزمية موقعه وترتيبه وتقييمه وأجره، ويقال له إنه «مستقل» لأنه لا يملك مديرا بالمعنى التقليدي، بينما قد تكون المنصة قادرة على مراقبة عمله وتحديد شروطه بصورة أكثر دقة من كثير من أشكال الإدارة القديمة . وهنا تظهر حاجة اليسار إلى الجينيالوجيا، لأن السؤال لم يعد فقط : كيف يستولي الرأسمالي على فائض القيمة؟ وإنما أيضا : كيف أصبحت الرأسمالية قادرة على إنتاج الإنسان الذي يدير نفسه بنفسه وفق متطلباتها؟ كيف انتقل الانضباط من المصنع إلى الهاتف؟ كيف تحولت الرقابة من عين المدير إلى البيانات؟ كيف أصبحت الخوارزمية قادرة على ترتيب البشر وتصنيفهم وتحديد الفرص المتاحة أمامهم؟ وكيف تحول الإنسان نفسه إلى مشروع استثماري ينبغي أن يسوقه، ويطور مهاراته، ويعيد تشكيل سيرته، ويراقب إنتاجيته، ويحسن «قابليته للتشغيل»؟
هنا نكتشف واحدة من أخطر التحولات التي عرفتها النيوليبرالية : لم تعد تقول للإنسان فقط «اعمل»، وإنما تقول له أيضا «كن مسؤولا وحدك عن قيمتك في السوق» . وإذا فشل الشاب في العثور على عمل، فلا يبدأ الخطاب السائد بالسؤال عن بنية الاقتصاد، أو عن توزيع الثروة، أو عن سياسات التشغيل، أو عن طبيعة السوق، وإنما قد يبدأ بالسؤال : هل طورت مهاراتك بما يكفي؟ هل أحسنت تقديم نفسك؟ هل استثمرت في نفسك؟ وهكذا يتحول الظلم الاجتماعي تدريجيا إلى مشكلة فردية، ويتحول البطالة من نتيجة لعلاقات اقتصادية وسياسية إلى عيب شخصي، ويتحول الفقر من مسألة توزيع اجتماعي للثروة إلى دليل على «عدم النجاح»، ويتحول الإنسان من ضحية لعلاقات اجتماعية محددة إلى متهم أمام نفسه . وهذه واحدة من أهم المناطق التي يمكن للجينيالوجيا أن تكشف فيها البنية العميقة للخطاب النيوليبرالي : ليس لأنه يمنع الإنسان بالقوة دائما، بل لأنه يستطيع أحيانا أن يجعل الإنسان يفسر إخفاق النظام بوصفه إخفاقه هو .
وهنا يصبح الإنسان، بالنسبة إلى الماركسية الثورية، أكثر من موقع في عملية الإنتاج . إنه جسد وذاكرة ورغبة وخوف وتاريخ وعلاقات وأحلام . العامل ليس «وحدة عمل»، والعاطل ليس «نسبة بطالة»، والسجين ليس «رقم قضية»، والمهاجر ليس «تدفقا بشريا»، والفقير ليس «فئة هشة»، والمرأة العاملة ليست «موضوعا اجتماعيا»، والشاب الذي يقضي سنوات أمام أبواب الإدارات ليس رقما في جدول إحصائي . خلف كل تصنيف يوجد إنسان كامل، وكلما تحولت السياسة إلى لغة تقنية خسرنا شيئا من حقيقة هذا الإنسان . لذلك فإن أنسنة الماركسية ليست إضافة أخلاقية أو أدبية إليها، وإنما هي عودة إلى قلبها الحي، لأن ما الذي يعنيه الحديث عن الاستغلال إذا لم نر في النهاية الإنسان الذي يستهلك الاستغلال جسده ووقته وعلاقاته وقدرته على الحياة؟
إن الرأسمالية لا تستغل ساعات العمل فقط، وإنما تتدخل في تنظيم الحياة نفسها . إنها تقتطع من الجسد، من النوم، من الصحة، من الوقت العائلي، من القدرة على الراحة، ومن إمكانية الإنسان أن يكون أكثر من آلة لإعادة إنتاج قوة عمله . العامل الذي يعود إلى بيته منهكا لا يحمل معه راتبه فقط؛ يحمل المصنع داخل أعصابه، داخل ظهره، داخل عينيه، داخل نومه، وأحيانا داخل علاقته بأطفاله . ولذلك يمكن أن يصبح الجسد نفسه أرشيفا طبقيا، فالمرض المهني، والإرهاق، والقلق، واضطراب النوم، وإصابات العمل، كلها ليست حوادث شخصية معزولة بالضرورة، وإنما يمكن أن تكون آثارا جسدية لعلاقات اجتماعية واقتصادية محددة . ومن هنا فإن الماركسية التي تريد أن تكون حية في القرن الحادي والعشرين مطالبة بأن تقرأ الجسد كما تقرأ الأجر، وأن ترى في التعب وثيقة اجتماعية، وفي المرض المهني أثرا من آثار الصراع الطبقي، وفي الزمن الذي يُسرق من العامل جزءا من فائض القيمة الذي لا يظهر في دفاتر الحساب .
وهنا يصبح الحوار مع فوكو ضروريا، لا باعتباره بديلا عن ماركس وإنما باعتباره يفتح أمام الماركسية أسئلة حول أشكال السلطة الدقيقة التي لا يمكن اختزالها كلها في الملكية . فماركس يساعدنا على فهم علاقات رأس المال والعمل والاستغلال، بينما يدفعنا فوكو إلى النظر في كيفية انضباط الأجساد، وكيف تنتشر المراقبة، وكيف تنتج المؤسسات أنماطا من السلوك والمعرفة والتصنيف، وكيف يمكن للسلطة أن تعمل من خلال المدرسة والمستشفى والسجن والإدارة واللغة لا من خلال القمع المباشر وحده . لكن اليسار الثوري ينبغي أن يكون حذرا هنا : إذا قلنا إن السلطة في كل مكان ثم توقفنا، فإننا نخاطر بأن يصبح رأس المال نفسه مجرد شكل من أشكال السلطة بين أشكال أخرى، وننسى أن هناك ملكية وثروة وفائض قيمة ومؤسسات مالية وشركات ومنصات اقتصادية وعلاقات إنتاج . ليست كل سلطة رأسمالية بالمعنى المباشر، لكن الرأسمالية تمنح بعض علاقات السلطة قدرة هائلة على الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها . ولذلك فإن الجينيالوجيا تكون أكثر فائدة حين تتحالف نقديا مع المادية التاريخية، لا حين تحاول أن تحل محلها .
ومن هنا أيضا يجب إعادة التفكير في الدولة . فالدولة ليست فقط الشرطة والسجن والمحكمة، وليست فقط شخص الحاكم أو الحكومة التي تتغير . الدولة تعمل أيضا عبر الوثيقة والسجل والإحصاء والتصنيف والشهادة والحدود والملف الإداري والقانون . حين تصنف الدولة شخصا بوصفه «عاطلا»، فهي لا تصف واقعا فحسب، بل تدخله في شبكة من الحقوق والإجراءات والتوقعات . وحين تصف شخصا بأنه «مهاجر غير نظامي»، فإنها لا تسجل وضعا فقط، وإنما تنتج وضعا قانونيا يحدد ما يمكنه فعله وما لا يمكنه فعله . وحين يصبح شخص ما مصنفا باعتباره «خطرا» أو «مشتبها فيه»، يمكن أن يتحول التصنيف نفسه إلى جزء من الواقع الذي سيُعامل على أساسه . هنا تكشف الجينيالوجيا أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط بمنع الفعل، وإنما تعمل أيضا بتسمية الأشياء، وترتيب البشر، وتصنيفهم، وإنتاج الفئات التي يصبح المجتمع قادرا على التعامل معها وفق قواعد محددة .
لكن الدولة، في المقابل، لا يمكن أن تُختزل في شبكة محايدة من التقنيات . إنها تاريخ من علاقات القوة، والملكية، والصراع الاجتماعي، والاستعمار، وبناء المؤسسات، وتوازنات الطبقات، والمصالح الاقتصادية والجيوسياسية . ولهذا فإن المادية التاريخية تظل ضرورية حتى لا تتحول الجينيالوجيا إلى سردية واسعة عن «السلطة» تخفي الفوارق بين من يملك ومن لا يملك، وبين من يقرر ومن ينفذ، وبين من يستفيد ومن يدفع الثمن .
وفي هذا السياق يصبح السجن أحد أكثر الأمكنة التي تكشف أهمية الجمع بين الجينيالوجيا والماركسية. فالسجين في اللغة الإدارية يمكن أن يتحول إلى رقم ملف، ورقم قضية، ورقم غرفة، لكن خلف الرقم إنسان له اسم وذاكرة وأم وأب وأطفال ورفاق وحياة انقطعت . السجن لا يسلب الحرية فقط؛ إنه ينظم الزمن ويحوّل السنوات إلى عقوبة، ويجعل الانتظار جزءا من العقوبة، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بجسده وبعائلته وبالعالم . والجينيالوجيا تستطيع أن تسأل كيف ظهر السجن كمؤسسة تاريخية، وكيف تغيرت أشكال العقاب، وكيف أصبحت المراقبة والانضباط جزءا من إدارة الجسد . أما الماركسية فتضيف السؤال الاجتماعي والسياسي : من هم الذين يدخلون السجن؟ ما علاقة الفقر والتهميش والتمييز بالبنية العقابية؟ من يملك القدرة على الدفاع عن نفسه؟ من يستطيع دفع تكاليف الدفاع؟ ومن يملك الوقت والموارد والروابط التي تخفف من آثار العقاب؟ هكذا يصبح السجن مؤسسة قانونية، لكنه أيضا مؤسسة اجتماعية وسياسية واقتصادية، وتصبح الحرية نفسها مسألة طبقية حين لا يتساوى البشر في قدرتهم على الوصول إليها .
وإذا كانت الجينيالوجيا ضرورية لفهم الدولة والرأسمالية، فهي أكثر ضرورة حين يوجهها اليسار إلى نفسه . لأن اليسار ليس خارج التاريخ، وليس محصنا ضد السلطة التي يحاربها . الحزب يمكن أن يتحول إلى بيروقراطية، والنقابة يمكن أن تنفصل عن قواعدها، والتنظيم الثوري يمكن أن ينتج هرمية جديدة، والمثقف الذي يتحدث باسم الطبقة العاملة يمكن أن يقع في إغراء الكلام بدلا من العمال، ويمكن لمفهوم الانضباط أن يتحول من ضرورة تنظيمية إلى وسيلة لإسكات الاختلاف . وهنا ينبغي أن يكون السؤال الجينيالوجي قاسيا : كيف يمكن لأداة صممت للتحرر أن تنتج علاقات سلطة داخلها؟ ومتى يتحول التنظيم من وسيلة إلى غاية؟ ومتى يصبح الحفاظ على الجهاز أهم من الحفاظ على الإنسان الذي أنشئ الجهاز من أجله؟
هذا السؤال لا يقود إلى رفض الحزب أو النقابة أو التنظيم، بل إلى الدفاع عن تنظيم أكثر ديمقراطية، أكثر اتصالا بقواعده، وأكثر قابلية للمساءلة، وأكثر قدرة على مراجعة نفسه . فالثورة التي تحارب عبادة الفرد لا ينبغي أن تصنع عبادة الجماعة، والثورة التي تحارب الاستبداد خارجها يجب أن تكون يقظة تجاه الاستبداد الذي يمكن أن ينمو داخلها . ليس المطلوب تنظيم بلا قيادة، ولا حركة بلا انضباط، وإنما تنظيم يدرك أن السلطة أداة ضرورية في العمل الجماعي، لكنها تصبح خطرا حين تنفصل عن القاعدة وتتحول إلى امتياز دائم .
ومن هنا يجب أيضا أن يعيد اليسار النظر في كلمة «الجماهير» . فالجماهير ليست كتلة صماء تتحرك بمجرد أن يكتشف المثقف «القانون الصحيح» للتاريخ . الجماهير ملايين البشر المختلفين، لكل واحد منهم ذاكرته وخوفه ورغبته وتجربته وتناقضاته . العامل ليس نسخة من العامل الآخر، والمرأة العاملة لا تختزل في موقعها الطبقي وحده، والشاب العاطل ليس مجرد حامل لوعي ثوري محتمل، والفلاح لا يصبح تلقائيا جزءا من مشروع سياسي لمجرد أن التحليل النظري وضعه في خانة اجتماعية معينة . إن الإنسان الحقيقي أكثر تعقيدا من المفهوم الذي نحاول إدخاله فيه . ولذلك فإن الماركسية التي تفقد قدرتها على الإصغاء إلى الناس تتحول بسهولة من نظرية للتحرر إلى لغة تتحدث عن البشر من فوقهم .
وفي القرن الحادي والعشرين تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحا لأن المجتمع نفسه تغير . العامل الجديد يعيش بين المصنع والهاتف والمنصة، بين العمل الرسمي وغير الرسمي، بين الأجر والعمل المجاني، بين الوظيفة والهجرة والعمل عن بعد، بين النقابة التقليدية والشبكات الرقمية . المرأة تحمل في الوقت نفسه العمل المأجور والعمل المنزلي والرعاية غير المدفوعة . الشاب يدخل سوقا للعمل أكثر هشاشة وأقل استقرارا . المهاجر يعيش داخل نظام عالمي يجعل حرية رأس المال أوسع بكثير من حرية الإنسان . والبيئة نفسها تتحول إلى ساحة للصراع الطبقي حين يدفع الفقراء والسكان المحليون والعمال ثمن التلوث والاستخراج والتغير المناخي أكثر مما يدفعه من يراكم الأرباح .
لذلك لا يمكن لليسار أن يتعامل مع قضايا البيئة والجندر والهجرة والرقمنة والسجن باعتبارها ملفات جانبية تضاف إلى «القضية الأساسية» . المطلوب هو اكتشاف علاقاتها المادية بالصراع الطبقي . فالجندر ليس منفصلا عن تقسيم العمل، والهجرة ليست منفصلة عن تفاوت التنمية العالمي، والبيئة ليست منفصلة عن نمط التراكم الرأسمالي، والرقمنة ليست منفصلة عن الملكية والسيطرة على البيانات، والسجن ليس منفصلا عن بنية الدولة والمجتمع واللامساواة.
وهنا يمكن للجينيالوجيا أن تؤدي دورا بالغ الأهمية : أن تمنع اليسار من التعامل مع هذه الظواهر بوصفها معطيات ثابتة، وأن تسأله دائما عن تاريخها وشروط إنتاجها . كيف أصبح هذا العمل «نسائيا»؟ كيف أصبحت هذه الفئة «غير مؤهلة»؟ كيف أصبحت هذه الحدود طبيعية؟ كيف أصبح هذا الجسد مراقبا؟ كيف أصبحت هذه الفئة الاجتماعية موصومة؟ كيف أصبح هذا النوع من العمل أقل قيمة من غيره؟ وكيف تحولت علاقات تاريخية قابلة للتغيير إلى هويات اجتماعية تبدو أبدية؟
لكن كل هذا لا ينبغي أن يقود إلى جينيالوجيا بلا أفق سياسي. فهذه إحدى أخطر إمكانات الخطاب الجينيالوجي حين ينفصل عن الممارسة : أن يصبح بارعا في تفكيك كل شيء وعاجزا عن بناء أي شيء. أن يكشف السلطة في كل مكان فلا يعود قادرا على تحديد مراكز القوة المادية . أن يشكك في كل هوية حتى يعجز عن بناء تضامن . أن يكتشف تناقضات كل تنظيم حتى يصبح التنظيم نفسه مستحيلا . أن يفكك الخطابات إلى ما لا نهاية بينما يستمر المصنع والبنك والمنصة والدولة في العمل .
وهنا تعود الماركسية الثورية إلى مركز المشهد . فالمعرفة لا تكفي . والوعي لا يكفي . والتفكيك لا يكفي . المطلوب تحويل المعرفة إلى قدرة جماعية . العامل الذي يفهم استغلاله فرديا يكتشف جزءا من الحقيقة، لكن العمال حين ينظمون أنفسهم ويحولون تجربتهم الفردية إلى قوة جماعية يدخلون في مستوى آخر من التاريخ . والعاطل الذي يعرف أن بطالته ليست ذنبه يبدأ بتحرير وعيه، لكن تنظيم العاطلين يحول هذا الوعي إلى مطلب وقوة ضغط . والسجين الذي يصمد وحده يظل جسدا في مواجهة جهاز كامل، لكن حين تتحول قضية المعتقل إلى نضال جماعي تصبح العلاقة مختلفة . هنا يتحول الإنسان من موضوع للسلطة إلى فاعل سياسي .
ولهذا فإن الجينيالوجيا الثورية لا ينبغي أن تكون حفرا في الماضي، وإنما بحثا عن نقاط القطيعة الممكنة داخل الحاضر . إذا كان هذا النظام قد صنع تاريخيا، فهو ليس قدرا أزليا . إذا كانت علاقات الملكية قد تشكلت تاريخيا، فهي قابلة لإعادة التنظيم . إذا كانت الدولة قد بنت أشكالها الحالية عبر الصراعات، فإن أشكالها يمكن أن تتغير . إذا كانت الطبقات قد تشكلت تاريخيا، فإنها تستطيع أن تنتج أشكالا جديدة من التنظيم والصراع . وإذا كان الإنسان قد تعلم الخضوع، فإنه قادر أيضا على تعلم المقاومة .
وهنا تلتقي الجينيالوجيا مع الثورة في نقطة شديدة العمق : كلاهما يرفض أسطورة القدر . الجينيالوجيا تقول إن الحاضر له تاريخ، والماركسية تقول إن هذا التاريخ هو تاريخ صراعات وعلاقات مادية، والسياسة الثورية تقول إن ما صنعه البشر يمكن للبشر أن يعيدوا صنعه .
لكن بشرط ألا ننسى الإنسان .
فالثورة التي تختزل العامل إلى «قوة عمل» تعيد إنتاج التجريد الذي تحاربه . والثورة التي ترى الجماهير ككتلة فقط لا ترى البشر الذين تتكون منهم . والثورة التي لا تسمع خوف الفرد ورغبته وذاكرته وألمه يمكن أن تبني جهازا قويا وتخسر الإنسان . أما الماركسية الثورية فتبدأ من الإنسان الملموس : العامل الذي يريد أن يعيش من عمله لا أن يستهلك حياته فيه، المرأة التي تريد أن تتحرر من الاستغلال في المصنع والبيت معا، الشاب الذي لا يريد أن يدفن سنوات عمره في طوابير البطالة، الفلاح الذي يريد أن يكون الماء والأرض جزءا من حقه في الحياة، المهاجر الذي يريد أن يعبر الحدود دون أن يتحول إلى رقم، والسجين الذي يريد أن يستعيد اسمه من ملف القضية، والإنسان الذي يرفض أن تكون حياته مجرد مادة خام في آلة تراكم الثروة .
في هذا المعنى تصبح الجينيالوجيا واحدة من أدوات تجديد الماركسية لا واحدة من بدائلها . إنها تعلم اليسار أن ينظر إلى ما وراء الظاهر، والمادية التاريخية تعلمه أن يسأل عن الملكية والعمل والثروة والصراع، والنقد الثوري يعلمه ألا يحول أي نظرية إلى عقيدة مغلقة، والإنسانية الاشتراكية تذكره دائما بأن الغاية ليست إنتاج نظرية أكثر تعقيدا عن الإنسان، وإنما تحرير الإنسان من العلاقات التي تحول حياته إلى شيء يملكه الآخرون ويقيسونه ويصنفونه ويستثمرونه ويعاقبونه .
لذلك فإن السؤال الجوهري لليسار في القرن الحادي والعشرين لا ينبغي أن يكون فقط : كيف نسقط الرأسمالية؟ بل أيضا : أي إنسان نريد أن يظهر بعد تجاوزها؟ وكيف نمنع أدوات التحرر من إنتاج أشكال جديدة من السيطرة؟ وكيف نبني تنظيما لا يبتلع الفرد؟ وكيف نجعل الديمقراطية ممارسة اجتماعية لا مجرد إجراء انتخابي؟ وكيف نجعل العامل منتجا للقرار لا مجرد منفذ له؟ وكيف نجعل المعرفة ملكا جماعيا لا امتيازا لنخبة تتحدث باسم الجماهير؟ وكيف نمنع الثورة من أن تتحول إلى سلطة منفصلة عن الذين صنعوها؟
هنا يصبح معنى الثورة أعمق من تغيير الحكومة، وأعمق من الاستيلاء على مؤسسات الدولة، وأعمق حتى من إعادة توزيع الثروة، لأنها تصبح محاولة تاريخية لاستعادة البشر قدرتهم على إنتاج شروط حياتهم بأنفسهم، على أن يصبح الاقتصاد خاضعا للحاجات الإنسانية لا الإنسان خاضعا لمنطق الاقتصاد، وأن يصبح العمل وسيلة للحياة لا سجنا للحياة، وأن يصبح التنظيم وسيلة لتوسيع الحرية لا آلية لإنتاج الطاعة، وأن يصبح الحزب والنقابة والحركة أدوات في يد الناس لا مؤسسات تتحدث باسمهم ثم تستقل عنهم .
الجينيالوجيا، في نهايتها السياسية، تضع أمام اليسار مرآة غير مريحة : كل ما يبدو طبيعيا له تاريخ، وكل ما له تاريخ يمكن نقده، وكل ما يمكن نقده يمكن تغييره، لكن التغيير لا يحدث لأننا اكتشفنا الحقيقة وحدها . يحدث حين تتحول الحقيقة إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة اجتماعية، والقوة إلى فعل تاريخي .
وهنا، ربما، تكمن إحدى أهم مهام الماركسية الثورية في القرن الحادي والعشرين : ألا تبحث فقط عن الإنسان داخل الطبقة، بل أن ترى الطبقة نفسها بوصفها تاريخا حيا من البشر؛ ألا ترى العامل كرقم في قوة العمل، بل كإنسان ينتج العالم؛ ألا ترى الصراع الطبقي مجرد صراع حول الأجر، بل صراعا حول الزمن والجسد والكرامة والمعرفة والقرار والسيادة على الحياة؛ وألا تنسى، وسط كل المفاهيم الكبرى عن الرأسمال والدولة والطبقة والثورة، ذلك الإنسان الذي من أجله بدأت كل هذه الأسئلة أصلا .
فالثورة التي لا تعيد الإنسان إلى مركز التاريخ قد تغير مواقع السلطة، لكنها لا تكون قد حررت التاريخ من منطقه القديم . أما الثورة التي تجعل الإنسان فاعلا في إنتاج الثروة والقرار والمعرفة والزمن والحياة، فهي التي تستطيع أن تفتح، لا مجرد صفحة جديدة في تاريخ السلطة، وإنما إمكانية أن يصبح التاريخ نفسه ملكا لمن صنعوه .....



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على ...
- حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
- الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
- الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
- حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا ...
- المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
- الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
- الفساد حين يأكل من لحم الناس .
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ...
- الهجرة ليست هروبا ...
- أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل ...
- من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق ...
- ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...


المزيد.....




- موسكو تحذر أوتاوا من عسكرة القطب الشمالي
- تقارير تفضح تفاصيل محاولات انتحار بحارة على متن حاملة الطائر ...
- ترامب وشي جين بينغ يتفاعلان مع تحليق قاذفة -B-1- فوقهما.. اس ...
- واشنطن تعيد 36 قطعة أثرية مهربة تُقدر قيمتها بأكثر من خمسة م ...
- وداعاً للبيع الوهمي.. الدولة تتدخل لإنقاذ سمعة العقار المصري ...
- هآرتس: المقاطعة الأوروبية تضرب إمدادات الجيش الإسرائيلي
- القوات المسلحة تحبط محاولة تسلل حوثية وتؤمّن طريق هيجة العبد ...
- بسجادة حمراء وطائرتين B-1.. ترامب وميلانيا يستقبلان رئيس الص ...
- غوريلا راقصة عملاقة تسرق الأضواء في احتفال جامعي في لاهور
- أول دفعة من الشرطيات تتخرج من أكاديمية شرطة جديدة في سوريا


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين