أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على نظرياته .















المزيد.....

العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على نظرياته .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 22:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي ليست عيبا ينبغي التخلص منه، كما أن التنظيم ليس فضيلة لمجرد أنه يحمل اسم التنظيم . فالعلاقة بين العفوية والتنظيم أكثر تعقيدا من هذه الثنائية السهلة التي تجعل العفوية فوضى والتنظيم وعيا، أو تجعل العفوية نقاء شعبيا والتنظيم بيروقراطية . العفوية، في معناها التاريخي والاجتماعي العميق، هي تلك اللحظة التي يخرج فيها الناس من صمتهم لأن شروط حياتهم نفسها دفعتهم إلى الفعل، حين يصبح القهر أكبر من قدرة الفرد على احتماله، وحين يكتشف الإنسان أن ما كان يظنه وجعا شخصيا ليس سوى جزء من وجع جماعي، وأن الإهانة التي عاشها منفردا لها جذور في علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتجاوز وجوده الفردي . هناك، في تلك المنطقة السابقة على البيانات والبرامج والشعارات، تبدأ السياسة الحقيقية، لا باعتبارها لعبة انتخابية أو تنافسا على المواقع، وإنما باعتبارها دخول الناس أنفسهم إلى التاريخ .
ماركس أعاد الفكر دائما إلى الأرض التي يصنع فوقها البشر حياتهم المادية، لأن الإنسان لا يدخل التاريخ بوصفه فكرة مجردة، وإنما يدخل إليه بجسده وحاجاته وعمله وعلاقاته وصراعاته . العامل الذي يضرب لأن أجره لم يعد يكفيه، والعاطل الذي يحتج لأن سنوات الدراسة انتهت إلى البطالة، والفلاح الذي يدافع عن أرضه ومائه، والمرأة التي تقاوم شروط عمل تهينها، وسكان حي مهمش يخرجون لأن أبناءهم بلا مدرسة أو مستشفى أو نقل، لا يحتاجون أولا إلى أن يقرأوا الكتب حتى يعرفوا أن شيئا في هذا المجتمع ليس على ما يرام . إنهم يعيشون التناقض قبل أن يجدوا له اسما، ويصطدمون بعلاقات القوة قبل أن يدرسوا بنيتها، ويكتشفون الاستغلال في أجسادهم وحياتهم قبل أن يتحول إلى مفهوم في كتاب .
ومن هنا تأتي قوة العفوية التاريخية : إنها لا تنتظر الإذن من أحد .
لكن العفوية، مهما كانت مشروعة ومتفجرة ومبدعة، لا تكفي وحدها لصناعة تحول اجتماعي دائم . وهنا تأتي إحدى أهم مساهمات لينين في التفكير في الحركة العمالية : لقد أدرك أن الحركة تنشأ عفويا من شروط الحياة والصراع، لكنه حذر من أن تظل محصورة في حدود الوعي النقابي المباشر، لأن الرأسمالية تستطيع أن تستوعب مطالب جزئية كثيرة دون أن تمس جوهر علاقات الإنتاج والسلطة . غير أن هذا الاستنتاج لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لاحتقار الجماهير أو التعامل معها باعتبارها كتلة جاهلة تنتظر المثقف أو الحزب حتى يمنحها الوعي . فالوعي لا ينزل من أعلى، ولا يولد مكتمل البناء داخل المكاتب . إنه يتشكل في الممارسة، في الاحتكاك، في الصراع، في الخطأ، في الهزيمة، وفي القدرة على استخلاص الدرس من التجربة .
وهنا تقدم التجربة التونسية مادة تاريخية غنية لفهم العلاقة بين العفوية والوعي والتنظيم . فأحداث الخبز في جانفي 1984 لم تكن مجرد اضطراب عابر سببه قرار اقتصادي . لقد كان رفع أسعار الخبز والحبوب، في سياق إجراءات اقتصادية تقشفية، مساسا مباشرا بشرط من شروط الحياة اليومية للفئات الشعبية . بالنسبة إلى الدولة كان الأمر قرارا اقتصاديا، أما بالنسبة إلى ملايين الناس فكان الرغيف جزءا من ميزانية البيت، وجزءا من قدرة العائلة على البقاء . وهكذا تحول القرار الاقتصادي إلى انفجار اجتماعي، وتحول الخبز إلى سياسة، وتحولت الحياة اليومية نفسها إلى ميدان للصراع . لم يكن الناس بحاجة إلى خطاب نظري حتى يدركوا أن شيئا يمس قدرتهم على العيش؛ لقد كانت أجسادهم ومحافظهم ومطابخهم هي المدرسة الأولى للوعي .
ومن هنا يمكن فهم العفوية لا بوصفها غيابا للسياسة، وإنما بوصفها السياسة وهي تولد من داخل الحاجة الاجتماعية قبل أن تجد لغتها النظرية . فالناس لا يبدأون دائما من المفاهيم الكبرى؛ قد يبدأون من الرغيف، من الأجر، من فاتورة الماء والكهرباء، من النقل، من البطالة، من الأرض، ثم يكتشفون عبر الصراع أن وراء المشكلة المباشرة شبكة كاملة من المصالح والقرارات وعلاقات القوة . النظرية تأتي لتفسر ما عاشته الجماهير، ولتساعدها على رؤية الروابط التي لا تظهر في البداية، لا لكي تلغي تجربتها أو تستبدلها .
ثم جاءت انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 لتكشف بصورة أكثر وضوحا أن العفوية نفسها لها تاريخ، وأن الانفجار الاجتماعي لا يولد في يومه . ففي الرديف وأم العرائس والمناطق المنجمية الأخرى لم تكن القضية مجرد احتجاج على حادثة منفردة، وإنما تراكم طويل من التهميش الاجتماعي، ومن الصراع حول التشغيل والعدالة في الانتداب والحق النقابي والتنمية والكرامة . كانت المنطقة تنتج الثروة من باطن الأرض، لكن سكانها كانوا يعيشون تناقضا صارخا بين وفرة القيمة المستخرجة واستمرار التهميش . كان الفسفاط يتحرك إلى الاقتصاد الوطني، بينما بقيت آثار الفقر والبطالة والتلوث والتهميش حاضرة في حياة السكان .
وهنا تظهر الطبقية لا كشعار أيديولوجي جاهز وإنما كخبرة يومية . فالعامل يعرف من خلال حياته أن الثروة التي تنتجها يده ليست بالضرورة الثروة التي يعيش منها، وأن المنطقة التي ترفد الاقتصاد يمكن أن تظل فقيرة، وأن قرار الانتداب يمكن أن يحدد مصير عائلة بأكملها، وأن الحق النقابي يصبح قضية سياسية عندما تصطدم المطالب الاجتماعية بجهاز الدولة .
وفي الحوض المنجمي أيضا ظهرت قدرة الناس على إنتاج أشكال من التنظيم أثناء الصراع نفسه . الاعتصام، والإضراب، والتضامن، واللجان، والعلاقات العائلية والمهنية والمحلية، كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات نضالية حين تتكثف الأزمة . التنظيم هنا لا يأتي دائما من الخارج، بل يمكن أن يولد داخل المعركة . الجماهير تتعلم وهي تتحرك، وتكتشف أثناء النضال كيف تفاوض، وكيف تتضامن، وكيف تحمي احتجاجها، وكيف تميز بين من يريد مساعدتها ومن يريد احتواءها .
وهذا بالضبط ما يجعل العفوية مدرسة سياسية . إنها لا تعني أن الناس يتحركون بلا عقل، وإنما تعني أن المعرفة السياسية نفسها تتكون داخل الفعل الجماعي .
وبعد ذلك جاءت انتفاضة 2010-2011، ولم تكن حادثة محمد البوعزيزي سوى الشرارة التي أضاءت حطبا اجتماعيا وسياسيا كان قد تراكم على مدى سنوات . إن اختزال الانتفاضة في شخص واحد أو حادثة واحدة يحول تاريخا اجتماعيا كاملا إلى حكاية فردية . كانت هناك بطالة وتفاوت جهوي وقمع سياسي وفساد وتهميش اقتصادي واجتماعي وأجيال شابة اصطدمت بسقف نظام مغلق، وكانت هناك أيضا ذاكرة احتجاجية سابقة، من أحداث الخبز إلى الحوض المنجمي وغيرها من المعارك الاجتماعية التي تركت في الوعي الشعبي خبرة ومفردات وشجاعة وذاكرة .
ولهذا لم تكن انتفاضة 2010-2011 ولادة من العدم . كانت لحظة انفجار لتراكمات متعددة، وعندما انتقلت الاحتجاجات من سيدي بوزيد إلى مناطق أخرى، ثم اتسعت إلى قطاعات وفئات اجتماعية مختلفة، تغيرت طبيعة الصراع نفسه . لم تعد المسألة مرتبطة بالتشغيل والتنمية والجهات فقط، بل اتسعت إلى الحرية والكرامة والحق في الكلام والاحتجاج والمشاركة السياسية . بدأت المطالب الاجتماعية تكشف جذورها السياسية، وبدأت المطالب السياسية تكشف بدورها بنيتها الاجتماعية .
وهنا ظهرت علاقة أخرى بين العفوية والتنظيم . فقد كانت الحركة الجماهيرية أسرع من كثير من التنظيمات القائمة، لكنها لم تكن خالية من التنظيم . النقابات، والمحامون، والطلبة، والصحفيون، والجمعيات، والمناضلون السياسيون، وشبكات الأحياء والعائلات، وأشكال التضامن المحلية، كلها دخلت في مسار متحرك ومعقد . لم تصنع جهة واحدة الانتفاضة، ولم تكن الجماهير مجرد جمهور ينتظر توجيها من قيادة واحدة . كانت سيرورة اجتماعية متعددة المصادر، تتقاطع فيها المبادرات الشعبية مع الهياكل الموجودة، وتتفاعل فيها الخبرة القديمة مع الطاقة الجديدة .
وهذا درس بالغ الأهمية لليسار : الجماهير تستطيع أن تبدأ معركتها قبل أن تكون التنظيمات جاهزة، بل إن الحركة نفسها قد تفرض على التنظيمات أن تعيد اكتشاف الواقع . ولذلك فإن التنظيم الثوري الذي لا يصغي إلى العفوية يتحول بسهولة إلى جهاز منفصل عن المجتمع، بينما التنظيم الذي يتعلم من الحركة يستطيع أن يتحول إلى أداة لتثبيت المكاسب وتوسيعها وربط المعارك ببعضها .
روزا لوكسمبورغ كانت شديدة الحساسية لهذه المسألة . ففي قراءتها للإضراب الجماهيري لم تر الجماهير مجرد قوة تنتظر الأوامر، بل رأت في الحركة نفسها مدرسة سياسية . كانت تعرف أن أشكال التنظيم يمكن أن تتولد من الصراع، وأن الجماهير حين تدخل التاريخ لا تتحرك دائما وفق الخرائط التي رسمتها الأحزاب مسبقا . ولذلك بقي دفاعها عن المبادرة الجماهيرية والحرية السياسية من أهم عناصر تراثها الثوري، إلى جانب عبارتها الشهيرة : «الحرية هي دائما حرية من يفكر بشكل مختلف» .
إن الثورة التي تخاف من العفوية تخاف، في العمق، من قدرة الجماهير على إنتاج الجديد .
وهنا تبدأ مشكلة البيروقراطية . فالبيروقراطية لا تعني فقط وجود موظفين أو قيادات، وإنما تعني تحول التنظيم من أداة في يد القاعدة إلى جهاز يحمي وجوده الخاص . يبدأ الأمر حين يصبح الموقع امتيازا، وحين يصبح المسؤول فوق المساءلة، وحين تتحول الاجتماعات إلى غاية، والبيانات إلى بديل عن الفعل، والتاريخ إلى شرعية شخصية، والاختلاف إلى تهمة، والنقد إلى خيانة .
والتنظيم النقابي ليس محصنا ضد ذلك، كما أن الحزب الثوري ليس محصنا ضده . حتى أعظم التقاليد النضالية يمكن أن تنتج بيروقراطيتها إذا انفصلت القيادة عن القاعدة . ولذلك فإن نقد البيروقراطية ليس عداء للتنظيم، وإنما دفاع عن التنظيم ضد تحوله إلى مؤسسة مغلقة .
وهذا مهم جدا في الحالة التونسية . فالدفاع عن الاتحاد العام التونسي للشغل في وجه محاولات ضرب العمل النقابي لا يعني الدفاع عن كل سياسات قياداته، كما أن نقد البيروقراطية النقابية لا يعني الوقوف في صف الدولة أو رأس المال ضد الاتحاد . الاتحاد، قبل أي قيادة عابرة، هو تاريخ عمالي واجتماعي طويل، وقوته الحقيقية توجد في قواعده وفي قدرته على تنظيم العمال . ومن ثم فإن المطلوب يساريا ليس تدمير التنظيم النقابي، وإنما الدفاع عن استقلاله الطبقي والديمقراطية داخله، وعن حق القواعد في المبادرة والنقد والمحاسبة، وعن دوره كأداة نضالية لا كجهاز إداري .
غرامشي، في حديثه عن الحس المشترك والمثقف العضوي، قدم مفتاحا آخر لفهم هذه المسألة . فالوعي الشعبي ليس صفحة بيضاء يكتب فيها المثقف ما يشاء . إنه خليط معقد من الخبرات والموروثات والتناقضات : فيه عناصر من الهيمنة، وفيه أيضا بذور المقاومة. والمثقف العضوي لا يأتي ليحتقر هذا الوعي، بل يدخل إليه، يصغي إلى لغته، يكتشف داخله عناصر التحرر، ويساعد على تحويل التجارب المتفرقة إلى رؤية أكثر تماسكا .
ولهذا فإن المثقف الثوري الحقيقي ليس من يقف فوق الناس ليلقي عليهم دروسا في الثورة، وإنما من يستطيع أن يتعلم معهم وأن يجعل المعرفة متبادلة . فالشارع يعلم المناضل بقدر ما يعلم المناضل الشارع، والمصنع يعلم الحزب بقدر ما يعلم الحزب العامل، والجامعة تعلم الحركة الاجتماعية بقدر ما تتعلم الجامعة منها .
وفي هذا المعنى يصبح قول باولو فريري إن «لا أحد يحرر أحدا، ولا أحد يحرر نفسه وحده» شديد الدلالة . التحرر فعل جماعي، والإنسان يتغير وهو يغير شروط حياته . ليست الجماهير مادة خاما للسياسة، وإنما هي منتجة للسياسة نفسها .
إن العفوية في تونس، من أحداث الخبز إلى الحوض المنجمي إلى انتفاضة 2010-2011، تكشف أن الناس قد يتحركون قبل أن تمتلك حركتهم الاسم النظري الكامل، وأن التجربة الاجتماعية يمكن أن تسبق البرنامج، وأن الشارع يمكن أن يفتح أبوابا لم تكن الأحزاب قد توقعت وجودها . لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود العفوية حين لا تجد قوى قادرة على تحويل طاقتها إلى تنظيم ديمقراطي مستمر، وإلى برنامج طبقي واضح، وإلى مؤسسات شعبية تستطيع حماية المكتسبات ومنع إعادة إنتاج علاقات القوة القديمة بأشكال جديدة .
وهنا لا يعود السؤال هو الاختيار بين العفوية والتنظيم، وإنما بناء علاقة جدلية بينهما . العفوية تمنح التنظيم الحياة، والتنظيم يمنح العفوية الذاكرة والاستمرارية . العفوية تفتح الباب، والتنظيم يمنع الباب من أن يغلق بسهولة . الحركة تنتج التجربة، والنظرية تستخلص منها الدرس، ثم تعود النظرية إلى الحركة لكي تصبح ممارسة .
تروتسكي، في فهمه لديناميكية الثورة، كان يرى أن الجماهير لا تدخل التاريخ وهي تحمل في أيديها خارطة مكتملة، وإنما تتعلم من الصراع نفسه . والثورة ليست لحظة واحدة تنتهي بانتصار أو سقوط حكومة، وإنما سيرورة تتغير فيها القوى والأفكار والأشكال التنظيمية باستمرار . ومن هنا تصبح الثورة الدائمة، في بعدها السياسي، رفضا لتحويل الثورة إلى عقيدة جامدة أو مؤسسة مغلقة أو زعامة لا تمس .
وهذا ما يحتاجه اليسار اليوم أكثر من أي وقت مضى : أن يخرج من وهم امتلاك الحقيقة النهائية . أن يتخلى عن عبادة الأشخاص، وعن تحويل الرموز إلى أصنام، وعن التعامل مع النصوص الثورية باعتبارها أوامر جاهزة، وعن بناء تنظيمات لا تسمح إلا بتكرار صوت القيادة . أن يفهم أن ماركس ولينين وروزا وتروتسكي وغرامشي وفانون وغيرهم ليسوا جدرانا نحتمي خلفها، وإنما أدوات فكرية تساعدنا على فهم واقع يتغير باستمرار .
إن احترام التراث الثوري لا يعني تجميده .
والوفاء للماركسية لا يعني تكرار عباراتها، وإنما اختبارها في الواقع، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير، والقدرة على رؤية ما لم يكن موجودا في زمن أصحابها .
والعفوية نفسها تحتاج إلى هذا النقد . فلا ينبغي تقديس كل حركة جماهيرية لمجرد أنها جماهيرية، ولا اعتبار كل انفجار اجتماعي ثورة مكتملة، ولا تحويل الشارع إلى معيار وحيد للحقيقة . الجماهير يمكن أن تخطئ، ويمكن أن تنقسم، ويمكن أن تتأثر بالأفكار السائدة، ويمكن أن تتراجع، ويمكن أن تستعيد بعض أشكال الهيمنة التي ثارت عليها . لكن هذه الحقيقة لا تقلل من قيمتها؛ بل تجعل الحاجة إلى التنظيم الديمقراطي والوعي النقدي أكثر إلحاحا .
فالناس لا يصبحون ثوريين لأنهم خرجوا مرة واحدة إلى الشارع . الثورة تتكون حين يتحول الفعل العفوي إلى خبرة، والخبرة إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قدرة على تغيير ميزان القوى، ثم حين يبقى هذا التنظيم نفسه خاضعا للنقد والمحاسبة والمبادرة الجماهيرية .
وهنا تصبح إنسانية اليسار جزءا من جوهره وليست زينة خطابية . فالإنسان الذي يطالب بالخبز ليس رقما في تقرير اقتصادي . والعاطل ليس نسبة في جدول إحصائي . والعامل ليس وحدة إنتاج . وسكان الحوض المنجمي ليسوا مجرد «منطقة احتجاجية» . والشاب الذي خرج في 2010 ليس مجرد رقم في سردية الانتقال السياسي . وراء كل رقم حياة كاملة، ووراء كل احتجاج أم تنتظر ابنها، وأب يخشى على مستقبله، وطفل يعيش أثر البطالة، وامرأة تحمل عبء البيت والعمل، وعامل يعود من المنجم بجسد استهلكته سنوات العمل .
من هنا تبدأ السياسة التي تستحق أن تسمى يسارية .
أن نرى الإنسان قبل الإحصاء، وأن نرى الطبقة داخل الإنسان، وأن نرى البنية الاجتماعية داخل المأساة الفردية، وأن نحول الألم الخاص إلى قضية عامة دون أن نسحق الفرد داخل الشعار .
والعفوية، في أجمل معانيها، هي اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان صوته من اللغة التي كانت تتحدث باسمه . إنها لحظة اكتشاف أن الخوف ليس قدرا، وأن الصمت ليس طبيعة، وأن الفرد الذي كان يشعر بالعجز يستطيع، حين يجد الآخرين، أن يتحول إلى قوة .
لقد بدأت أحداث الخبز من الرغيف، ولم تبق في حدود الرغيف . وبدأت انتفاضة الحوض المنجمي من مطالب اجتماعية ومهنية، لكنها كشفت بنية أوسع من التهميش وعلاقات القوة . وبدأت انتفاضة 2010-2011 من شرارة فردية، لكنها تحولت إلى حركة اجتماعية وسياسية واسعة لأن المجتمع كان يحمل في داخله أسباب الانفجار منذ سنوات .
وهكذا فإن ما يبدو للسلطة انفجارا مفاجئا يكون، بالنسبة إلى الناس، نتيجة سنوات طويلة من التراكم .
لم يخرج الناس فجأة .
كانوا يتراكمون .
كان الغضب يتعلم لغته، وكانت الذاكرة تحفظ ما جرى، وكانت التجارب تنتقل من جيل إلى جيل، وكانت الهزائم نفسها تخلف معرفة، وكانت كل معركة، حتى حين تنتهي بالقمع، تترك وراءها شيئا لا تستطيع السلطة اعتقاله بالكامل : خبرة الناس بأنهم قادرون على الوقوف معا .
وهنا تكمن المهمة الحقيقية لليسار الثوري : ألا يخاف من هذه العفوية وألا يعبدها؛ أن يصغي إليها، وأن يتعلم منها، وأن يساعد على تحويلها إلى قوة منظمة دون أن يصادرها، وأن يجعل التنظيم امتدادا حيا للناس لا بديلا عنهم، وأن يجعل النظرية أداة لفهم الواقع لا قفصا يوضع الواقع داخله .
فالتاريخ لا تصنعه البيانات وحدها، ولا الكتب وحدها، ولا القيادات وحدها .
يصنعه البشر حين يتحول الألم الذي كان يفرقهم إلى وعي يجمعهم، وحين يتحول الوعي إلى فعل، وحين يتحول الفعل إلى تنظيم، وحين يظل التنظيم نفسه مفتوحا على النقد والتجدد، حتى لا يتحول، مع الزمن، إلى نسخة أخرى من السلطة التي نشأ أصلا لمقاومتها .
العفوية إذن ليست نقيض الثورة .
إنها غالبا اللحظة التي تبدأ فيها الثورة بالكلام بلغتها الأولى .
أما مهمة اليسار فليست أن يتكلم مكانها، وإنما أن يساعدها على أن تجد لغتها الجماعية، وذاكرتها، وتنظيمها، وأفقها التحرري .



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
- الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
- الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
- حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا ...
- المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
- الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
- الفساد حين يأكل من لحم الناس .
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ...
- الهجرة ليست هروبا ...
- أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل ...
- من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق ...
- ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح


المزيد.....




- التوصل إلى تسوية بشأن دعوى اندماج -باراماونت- و-وارنر براذرز ...
- الحوثيون: 157 غارة سعودية استهدفت 4 محافظات خلال الساعات الـ ...
- جنبلاط يعلن تأييده للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية -إذا أدت ...
- تضامناً مع -سي إن إن-.. 4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات ...
- القضاء البريطاني يمنع محمد صلاح من القيادة 6 أشهر على خلفية ...
- واشنطن وبكين تبحثان التعاون في الذكاء الاصطناعي وتجارة الطاق ...
- -كأنهم يدعون إلى دين جديد-.. وزير مصري يشن هجوما حادا على أد ...
- فانس: الصراع في أوكرانيا صعب الحل
- شقيق الأميرة ديانا يكشف للمرة الأولى تعرض أخته للتحرش الجنسي ...
- روسيا تحذر.. دول أوروبية تستعد للحرب معنا


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على نظرياته .