أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - جون ميرشايمر كان في موسكو















المزيد.....


جون ميرشايمر كان في موسكو


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 00:49
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


24 أيلول سبتمبر 2026



الحلقة الثامنة من مشروع جون ميرشايمر الجديد "الواقعية الهجومية"



مقدمة

هذه الحلقة مهمة جداً بالنسبة للمشروع الذي نعمل عليه، لأنها ليست تحليلاً نظرياً مجرداً لروسيا، بل تأتي بعد زيارة ميرشايمر نفسه إلى روسيا لمدة ثمانية أيام، من 5 إلى 12 أيلول سبتمبر 2026، شملت موسكو وسانت بطرسبورغ، وإلتقى خلالها مسؤولين وشخصيات من مجتمع الأمن الروسي، وبينهم وزير الخارجية سيرغي لافروف.

وأعتقد أن أهم ما في الحلقة، التي كانت بعنوان: «روسيا التي رأيتها»، بالنسبة لنا، هو أن ميرشايمر يتحدث هذه المرة من موقع شاهد عائد من روسيا، لا من موقع محلل يراقبها من الخارج.

وفي شهادته عن زيارة روسيا يبدأ بانطباعه عن موسكو وسان بطرسبورغ، ثم الحياة والاقتصاد، ثم ما سمعه عن بوتين والحرب، وصولاً إلى نظرة الروس إلى أوكرانيا وأوروبا وأميركا، وقصة قمة ألاسكا والتسوية التي لم تتم، وأخيراً تصوره لما قد تكون عليه نهاية الحرب.

*****

بعد سنوات طويلة من متابعة روسيا من بعيد، وجد جون ميرشايمر نفسه هذه المرة داخلها. ففي الفترة بين 5 و12 سبتمبر/أيلول 2026، زار موسكو وسان بطرسبورغ، وألقى محاضرات وشارك في موائد مستديرة وأجرى عدداً من المقابلات، والتقى شخصيات عديدة من النخبة الروسية في مجال السياسة الخارجية. وكان من أبرز لقاءاته عشاء استمر أكثر من ساعتين مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقر إقامته، كما التقى نائب لافروف وعدداً من الأشخاص الذين يعرف بعضهم منذ سنوات الحرب الباردة.
ويؤكد ميرشايمر منذ البداية أن ما يقدمه ليس استطلاعاً للرأي العام الروسي، ولم ينزل إلى الشوارع ليسأل الناس عن آرائهم. إنها، كما يقول، شهادة شخصية وانطباعات اكتسبها من خلال حديثه مع النخبة الروسية، لكنه يعتقد أنها تقدم صورة جيدة إلى حد بعيد عما يفكر فيه قطاع واسع من دوائر السياسة الخارجية الروسية.
وأول ما لفت انتباهه كان شيئاً بسيطاً ومباشراً: الحياة في موسكو وسان بطرسبورغ تبدو طبيعية بصورة لافتة.
كان يتجول في المدينتين نهاراً ومساءً، ويرى المطاعم والمتاجر الكبرى والصيدليات والشوارع المزدحمة، ولم يلمس ذلك المشهد الذي كان يتوقعه بعد سنوات من الحرب والعقوبات الغربية. ويقول إن موسكو وسان بطرسبورغ بدتا له، في كثير من النواحي، كمدينتين أميركيتين كبيرتين مثل نيويورك أو شيكاغو، لا كبلد يعيش تحت ضغط حرب شاملة وعقوبات غير مسبوقة.
صحيح أنه لاحظ طوابير طويلة أمام بعض محطات الوقود، تضم أحياناً 15 أو 20 سيارة، بل وصل أحد الطوابير التي رآها إلى نحو 40 أو 50 سيارة، وهو ما يتوافق مع ما كان يقرأه في الصحافة الروسية. لكنه لم يرَ في المقابل مظاهر أزمة اقتصادية شاملة أو انهياراً في الحياة اليومية.
بل إن العقوبات الغربية بدت له أحياناً أكثر وضوحاً في تفاصيل الحياة الصغيرة. فبطاقات الائتمان الأميركية والغربية لا تعمل في روسيا، والدولارات الأميركية لا يمكن استخدامها بالطريقة المعتادة. وقد اكتشف ميرشايمر ذلك بنفسه عندما وصل إلى روسيا، إذ وجد نفسه عملياً بلا وسيلة دفع واضطر إلى الاعتماد على رفاقه في دفع نفقاته. وفي المقابل، لا يستطيع الروس استخدام بطاقاتهم المصرفية الروسية في الغرب، وهو أمر يمتد حتى إلى الاشتراكات في الصحف والمواقع الغربية مثل «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» و«سابستاك».
ومن المفارقات التي لفتت انتباهه أن بعض مطاعم «ستاربكس» السابقة أصبحت تحمل اسم «ستار كوفي»، مع شعار يذكّر بصورة واضحة بالشعار القديم.
لكن هذه التفاصيل لم تغيّر الانطباع الأساسي الذي خرج به: لم يرَ اقتصاداً روسياً ينهار تحت وطأة العقوبات.

إقتصاد لم يسقط كما توقع الغرب

يقول ميرشايمر إن أحد الأهداف الأساسية للولايات المتحدة والدول الغربية في بداية الحرب كان إلحاق أضرار هائلة بالإقتصاد الروسي، بل دفعه إلى الإنهيار، على أساس أن ذلك سيؤثر في قدرة موسكو على مواصلة الحرب.
غير أنه لم يجد، خلال زيارته، ما يؤكد هذه الصورة.
وهو لا يقول إن كل شيء في الإقتصاد الروسي مثالي، لكنه يؤكد أنه لم يرَ علامات واضحة على أن روسيا تعاني أزمة إقتصادية عميقة، ولم يلتقِ شخصاً من النخبة التي تحدث إليها يخبره بأن الإقتصاد الروسي يتجه نحو كارثة. وعلى العكس، كان الإنطباع الذي خرج به أن الإقتصاد يعمل بصورة جيدة، وأن الروس الذين تحدث إليهم لا يشعرون بقلق كبير إزاء اتجاهه.
وعندما يقارن ذلك بأوكرانيا، يرى فارقاً هائلاً.
فقد قرأ، في اليوم الذي كان يتحدث فيه، عنواناً في «نيويورك تايمز» يفيد بأن أوكرانيا تحتاج بصورة عاجلة إلى 27 مليار دولار إضافية من المساعدات الإقتصادية والعسكرية، وأنها بدأت تنفد من المال. وبالنسبة إلى ميرشايمر، فإن الإقتصاد الأوكراني تعرض بالفعل لدمار هائل وأصبح يحتاج إلى دعم غربي واسع لكي يستمر.
أما روسيا، فلا تعتمد على مساعدات خارجية من هذا النوع، ولم يرَ ما يشير إلى أنها تعيش حالة إقتصادية يائسة.
والمشهد نفسه يتكرر في المجال العسكري. فروسيا، بحسب ما سمعه ورآه، تنتج كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر والصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تحتاج أوكرانيا بصورة مستمرة إلى الأسلحة الغربية، وخصوصاً منظومات «باتريوت» وصواريخ «باك-3» لمواجهة الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وهنا، كما يقول ميرشايمر، بدا له التباين بين البلدين صارخاً.

بوتين ليس في خطر سياسي

كان من أكثر الأسئلة التي طرحها ميرشايمر على محاوريه سؤالاً يتعلق بالرئيس فلاديمير بوتين.
ففي الغرب، كثيراً ما يُطرح تصور مفاده أن بوتين يواجه ضغوطاً داخلية، وأنه قد يُطاح به في نهاية المطاف، أو أن شخصاً أكثر إعتدالاً قد يخلفه ويكون مستعداً لتقديم تنازلات وإنهاء الحرب.
حاول ميرشايمر إختبار هذه الفكرة مع الروس الذين إلتقاهم.
ويقر بأنه كان يدرك أن بعض الناس قد يترددون في إنتقاد بوتين بصورة مباشرة، وأنه ربما لم يكن يحصل دائماً على إجابات صريحة تماماً. لكنه يقول إنه لم يرَ أي دليل على أن بوتين يواجه خطراً سياسياً حقيقياً أو أن هناك إحتمالاً جدياً للإطاحة به بسبب الإستياء من الحرب.
بل إن الصورة التي تلقاها كانت أكثر تعقيداً.
فقد كان هناك، خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية، بعض الإستياء من طريقة إدارة الحرب، لكن هذا الإستياء لم يكن لأن بوتين كان متشدداً أكثر من اللازم، وإنما بالعكس: لأن بعض الروس كانوا يرون أنه لم يكن يخوض الحرب بقوة كافية، وأنه لم يكن يهاجم أوكرانيا بالقدر المطلوب، سواء على الجبهة أو في الحرب الجوية.
ومن وجهة نظر ميرشايمر، تغير هذا الأمر منذ الصيف، بعدما كثفت روسيا عملياتها العسكرية بصورة كبيرة.
ولذلك، حتى لو إفترضنا جدلاً أن بوتين سيغادر السلطة، فإن ميرشايمر لا يرى أي أساس للإعتقاد بأن خليفته سيكون أكثر ليونة. بل يعتقد أن الخليفة المحتمل سيكون، على الأرجح، متشدداً بالقدر نفسه أو أكثر.

روسيا التي أصبحت أكثر تشدداً

يقول ميرشايمر إن الروس الذين تحدث إليهم كانوا شديدي الوطنية، ويشعرون بفخر واضح بالحضارة الروسية، ويرون فرقاً عميقاً بين روسيا والغرب.
وكان هذا الإختلاف بالنسبة إلى كثير منهم ثقافياً وقيمياً بقدر ما هو سياسي.
فهم يميلون إلى إعطاء أهمية كبيرة للحضارة والتقاليد والدين والمسيحية والأسرة والقيم التقليدية، وينظرون إلى القيم الليبرالية الغربية باعتبارها مختلفة جذرياً عن منظومتهم. ويشير ميرشايمر، بنبرة طريفة، إلى أن بعض الروس الذين تحدث إليهم بدوا له في هذا الجانب قريبين من مواقف نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس.
ومن هنا، يرى أن الوطنية الروسية لا يمكن إختزالها في تأييد الحكومة أو الحرب فقط؛ إنها مرتبطة أيضاً بصورة أوسع عن ماهية روسيا وما الذي يميزها عن الغرب.

لماذا تصعّد روسيا الحرب؟

بحسب ما فهمه ميرشايمر من محادثاته، إتخذ الروس خلال الصيف قراراً بتصعيد الحرب بصورة كبيرة.
وكان أحد أهم مظاهر هذا التصعيد هو الضغط على الإقتصاد والبنية التحتية الأوكرانية، وليس الإكتفاء بما يحدث على خطوط الجبهة.

فروسيا، كما يقول، عملت عملياً على تحويل أوكرانيا إلى دولة حبيسة من خلال تعطيل موانئها على البحر الأسود، الأمر الذي يلحق أضراراً إقتصادية كبيرة بها. كما تتجه إلى تدمير البنية التحتية للطاقة، إضافة إلى الجسور وخطوط السكك الحديدية والقاطرات ومحطات الوقود والمنشآت التي تساعد الجيش الأوكراني على مواصلة الحرب.
وهنا يكمن، في رأي الروس الذين تحدث إليهم، ما يمكن وصفه بـ«الورقة الرابحة» الحقيقية: الحرب الجوية وحملة القصف الإستراتيجي.
فروسيا، وفقاً لهذه الرؤية، لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق إختراق سريع وكبير على خطوط الجبهة. يكفي أن تضغط بصورة متزايدة على النظام الإقتصادي والعسكري الأوكراني في العمق، إلى أن يبدأ الجيش الأوكراني نفسه بالإنهيار.
أما بطء التقدم الروسي على الجبهة، فيعزوه الجميع تقريباً إلى عامل واحد: الطائرات المسيّرة.
فقد غيرت المسيّرات طبيعة الحرب بصورة عميقة. ويقول ميرشايمر إن أوكرانيين تحدث إليهم أخبروه أن الحرب كانت ستنتهي منذ سنتين أو ثلاث سنوات لو لم تكن هناك طائرات مسيّرة. وهو شخصياً يعتقد أنها كانت ستنتهي قبل سنة أو سنتين على الأرجح.
لقد سمحت المسيّرات لأوكرانيا بإبطاء التقدم الروسي والحفاظ على خطوطها الدفاعية، لكن الروس، بحسب ميرشايمر، يعتقدون أن هذه الميزة يمكن التغلب عليها من خلال زيادة الضغط في العمق.
ولذلك كان معظم الروس الذين تحدث إليهم واثقين بصورة لافتة من أن بلادهم ستنتصر في نهاية المطاف.

الروس والأوكرانيون: حرب بين «الإخوة»

ومن أكثر جوانب الرحلة التي فاجأت ميرشايمر أنه لم يشعر بوجود كراهية عميقة لدى الروس تجاه الشعب الأوكراني نفسه.
ويشدد على ضرورة عدم إساءة فهم هذه النقطة، فهناك حرب وعداء حقيقيان، لكن العلاقات التاريخية والعائلية بين الشعبين تجعل الصورة أكثر تعقيداً.
فكثير من الروس لديهم أقارب في أوكرانيا، وكثيرون ينحدرون من خلفيات روسية وأوكرانية مختلطة، ولذلك لا ينظرون إلى الأوكرانيين بإعتبارهم شعباً أجنبياً بالكامل.
وكان ميرشايمر يسمع مراراً تعبيرات تصف الروس والأوكرانيين بأنهم «إخوة وأخوات بالدم»، وهي فكرة سبق أن عبّر عنها بوتين بوضوح في مقاله الشهير في يوليو/تموز 2021 عندما تحدث عن الروس والأوكرانيين باعتبارهم عائلة واحدة كبيرة.
وهذا لا يلغي العداء الذي أنتجته الحرب، لكنه يجعل هذا العداء، في نظر ميرشايمر، أقل بساطة مما قد يبدو من الخارج.

أوروبا هي الخصم الأكبر في نظر الروس

إذا كان الروس الذين إلتقاهم ميرشايمر لا يحملون الكراهية نفسها تجاه الأوكرانيين، فإن موقفهم من أوروبا كان مختلفاً تماماً.
ويقول إن الأوروبيين، في نظر النخبة الروسية، هم «الأشرار الحقيقيون».
فالروس الذين تحدث إليهم يعتقدون أن الأوروبيين يريدون تدمير روسيا ومنعها من البقاء قوة عظمى، وأنهم يستخدمون أوكرانيا لتحقيق هذا الهدف، حتى لو كان الثمن أن يقاتل الأوكرانيون ويموتوا.
وكان البريطانيون والألمان، تحديداً، يحتلون موقعاً خاصاً في هذه النظرة.
أما ألمانيا، فذكريات الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الروسي، ولا سيما لدى النخبة السياسية. فالحرب على الجبهة الشرقية بين 22 يونيو/حزيران 1941 و8 مايو/أيار 1945 تركت وراءها ذاكرة هائلة من الدمار والموت.
ولهذا فإن تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن روسيا، ودعوته إلى إخضاعها للضغط وإعادتها إلى حجمها، تجد صدى سلبياً شديداً في موسكو.
ومن منظور ميرشايمر، فإن الروس الذين تحدث إليهم يرون أوروبا، ولا سيما بريطانيا وألمانيا، بإعتبارها التهديد الأكثر عدائية.

ماذا عن الأميركيين وترامب؟

الصورة التي نقلها الروس عن الولايات المتحدة كانت أكثر تمايزاً.
فهم، بحسب ميرشايمر، يدركون أن إدارة جو بايدن كانت تسعى إلى إضعاف روسيا وإخراجها من موقعها كقوة عظمى. لكنهم كانوا يرون دونالد ترامب بصورة مختلفة في البداية.
كان الإعتقاد السائد بينهم أن ترامب جاء إلى السلطة وهو يريد بالفعل التوصل إلى إتفاق ينهي الحرب ويحسن العلاقات الأميركية الروسية.
أي أن الروس لم يعتقدوا أن ترامب بدأ بنوايا عدائية تجاه روسيا. على العكس، رأوا أنه كان يريد التوصل إلى صفقة.
لكن هذه النظرة تغيرت بعد تجربة ألاسكا.

ألاسكا: الصفقة التي كادت أن تنهي الحرب

يعتبر ميرشايمر لقاء ترامب وبوتين في ألاسكا في أغسطس/آب 2025 نقطة مفصلية.
فبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أرسل ستيف ويتكوف إلى موسكو، حيث إلتقى بوتين. ومن خلال تلك الإتصالات، جرى التوصل إلى صيغة تسوية تضمنت تنازلات روسية لم يكن ميرشايمر نفسه يتوقع أن توافق عليها موسكو.
ثم إلتقى ترامب وبوتين في ألاسكا، وكان الهدف أن يضعا اللمسات السياسية على إتفاق إعتبره الطرفان خطوة أولى نحو إنهاء الحرب.
ويؤكد ميرشايمر أنه كان في البداية متشككاً في صحة التقارير التي تحدثت عن تنازلات بوتين، لكنه بعد زيارته روسيا وحديثه مع مسؤولين روس، ومن بينهم لافروف، أصبح مقتنعاً بأن موسكو قدمت بالفعل تنازلات مهمة.

فموسكو كانت قد ضمت أربع مقاطعات أوكرانية، إثنتان في دونباس، إضافة إلى زابوروجيا وخيرسون. ومع ذلك، تضمنت الصيغة التي جرى التوصل إليها أن تنسحب القوات الأوكرانية من مقاطعتي دونباس، على أن تسيطر روسيا عليهما بالكامل، بينما يبقى خط التماس في زابوروجيا وخيرسون كما هو، بدلاً من أن تطالب روسيا بالسيطرة الكاملة عليهما.
وبالنسبة إلى ميرشايمر، كان هذا تنازلاً إقليمياً روسياً مهماً.
لكن الإتفاق لم يصمد.
فبعد ألاسكا، لم يتمكن ترامب من إقناع أوكرانيا والدول الأوروبية، ولا حتى جميع الأطراف داخل الولايات المتحدة، بالموافقة على التسوية. ويعتقد ميرشايمر أن ترامب كان قد وعد بوتين بأنه يستطيع إقناعهم، لكن الأوروبيين والأوكرانيين والتيار الأميركي المتشدد ضغطوا عليه، وإنتهى الأمر بتراجعه عن المسار الذي بدأه في ألاسكا.
ومن وجهة نظر ميرشايمر، كانت هذه لحظة حاسمة.
فالروس، بعد ذلك، فقدوا الثقة بقدرة ترامب على إبرام إتفاق قابل للتنفيذ. وحتى إذا إستمر ويتكوف أو جاريد كوشنر في التواصل مع موسكو، فإن الروس، كما يعتقد ميرشايمر، يرون هذه الإتصالات أقرب إلى أداء شكلي لا يمكن أن يؤدي إلى تسوية حقيقية.
والنتيجة أن موسكو عادت إلى الإعتقاد بأن الحرب يجب أن تُحسم عسكرياً.

ماذا تعني «إنتصارات» روسيا؟

عندما حاول ميرشايمر أن يسأل الروس بصورة مباشرة عن شكل التسوية النهائية التي يريدونها، لم يحصل على إجابات واضحة.
كان الجميع تقريباً مقتنعاً بأن روسيا ستنتصر، لكن لم يكن واضحاً تماماً ما الذي يعنيه الروس بكلمة «إنتصار».
لا أحد، بحسب ميرشايمر، قال له إن روسيا تريد إحتلال أوكرانيا كلها.
وهو نفسه لا يرى أن إحتلال أوكرانيا بأكملها سيكون هدفاً منطقياً؛ فإدارة بلد بهذا الحجم، وخصوصاً في مناطقه الغربية، ستكون كابوساً سياسياً وعسكرياً، وستواجه روسيا عداءً واسعاً من السكان.
لكن الروس يريدون، بحسب ما فهمه، السيطرة على مساحة كبيرة من الأراضي، وبعضهم تحدث عن التقدم إلى ما هو أبعد من المقاطعات الأربع، بما في ذلك أوديسا وخاركيف ومناطق أخرى.
والمنطق الذي يقف خلف ذلك بسيط في نظرهم: إذا توقفت الحرب بينما بقيت أوكرانيا دولة قوية ومعادية لروسيا، فإنها ستسعى لاحقاً إلى اغستعادة الأراضي التي خسرتها، وستعمل على تقويض السيطرة الروسية.
لذلك يرى الروس أنفسهم أمام حافز يدفعهم إلى التقدم غرباً إلى أبعد نقطة يمكن الوصول إليها عسكرياً وسياسياً، وترك ما تبقى من أوكرانيا دولة ضعيفة ومبتورة وغير قادرة على تشكيل تهديد كبير لروسيا.
ومن هنا، يتوقع ميرشايمر أن تكون التسوية التي تفرضها روسيا في نهاية الحرب قاسية.

ماذا تعني «إجتثاث النازية»؟

أما مصطلح «إجتثاث النازية» الذي تستخدمه القيادة الروسية، فيفسره ميرشايمر على أنه يعني، في الخطاب الروسي، إبعاد النخب الأوكرانية اليمينية المتشددة والقومية المتطرفة عن السلطة السياسية.
لكنه لا يرى كيف يمكن لروسيا أن تحقق ذلك عملياً.
فحتى إذا إنتهت الحرب بدولة أوكرانية مبتورة وضعيفة، فلن تكون روسيا، بحسب تقديره، في موقع يسمح لها بتحديد من يحكم ما تبقى من أوكرانيا.
والقوى القومية المتشددة، وربما الأكثر تطرفاً منها، ستظل موجودة داخل المشهد السياسي الأوكراني. وهذه تحديداً هي القوى التي يصفها الروس بأنها «نازية».
ولهذا لا يعتقد ميرشايمر أن روسيا تستطيع فعلياً «إجتثاث النازية» من أوكرانيا، حتى لو كان هذا أحد أهداف الخطاب السياسي الروسي.

هل تريد روسيا إستعادة أوروبا الشرقية؟

أما الفكرة الغربية التي تقول إن روسيا تريد إستعادة الإمبراطورية السوفياتية، والسيطرة على كل أوكرانيا، ثم الإنتقال إلى دول أوروبا الشرقية، وصولاً إلى مواجهة دول حلف الناتو، فلم يجد ميرشايمر، خلال زيارته، ما يدعمها.
بل يقول بوضوح إنه لم يرَ أي دليل على أن الروس الذين تحدث إليهم يفكرون في غزو أوروبا أو إحتلال أراضٍ في دول الناتو.
كما لم يجد دليلاً على أن موسكو تريد إحتلال أوكرانيا كلها.
ومن وجهة نظره، فإن غزو دول أوروبا الشرقية سيكون حماقة إستراتيجية، تماماً كما أن إحتلال أوكرانيا بأكملها سيكون حماقة.
لكن ذلك لا يعني أن روسيا لا تريد تغيير شكل أوكرانيا بعد الحرب.
فالسؤال الحقيقي، في نظر ميرشايمر، هو: إلى أي مدى ستتقدم روسيا غرباً؟ وما حجم الأراضي التي ستسيطر عليها؟ وما الشكل الذي ستكون عليه الدولة الأوكرانية المتبقية؟ وهل ستكون محايدة أم ستظل مرتبطة بالغرب؟
هذه هي القضايا التي يرى أنها ستحدد شكل التسوية النهائية.

«كارثة إستراتيجية ضخمة»

في نهاية شهادته، يعود ميرشايمر إلى نقطة كان يكررها منذ سنوات.
فهو يرى أن الحرب الأوكرانية إنتهت إلى ما يسميه «كارثة هائلة»، وأن القرار الذي إتخذته الولايات المتحدة وحلف الناتو في أبريل/نيسان 2008 بالمضي في توسيع الحلف ليشمل أوكرانيا كان، في رأيه، واحداً من أكبر الأخطاء الإستراتيجية في العصر الحديث.
أما روسيا التي رآها في سبتمبر/أيلول 2026، فلم تكن، بحسب وصفه، دولة منهارة تحت العقوبات، ولا مجتمعاً يعيش على حافة إضطراب سياسي، ولا دولة تستعد للإنهيار الداخلي.
بل وجد روسيا تبدو واثقة من قدرتها على مواصلة الحرب، وإقتصادها يعمل، وإنتاجها العسكري يتوسع، ونخبتها السياسية مقتنعة بأن الوقت والقدرة على التصعيد يعملان لمصلحتها.
وفي الوقت نفسه، لم يجد في موسكو وسان بطرسبورغ ذلك العداء العميق للشعب الأوكراني الذي قد يتوقعه المرء بعد سنوات من الحرب، لكنه وجد عداءً شديداً تجاه أوروبا، وخصوصاً بريطانيا وألمانيا، ووجد روساً يميزون بوضوح بين هويتهم الحضارية والقيم التي يرونها سائدة في الغرب.
أما الولايات المتحدة، فقد إنتقل الموقف منها، في نظر من تحدث إليهم، من أمل حذر في أن يستطيع ترامب إنهاء الحرب إلى قناعة بأن واشنطن لا تستطيع تقديم تسوية قابلة للتنفيذ.
ولهذا، يخلص ميرشايمر إلى أن موسكو لم تعد تراهن على الدبلوماسية الأميركية بقدر ما تراهن على الضغط العسكري والإقتصادي والجوي لإجبار أوكرانيا على القبول بتسوية في نهاية المطاف.
وإذا كان من الصعب، حتى بالنسبة إلى ميرشايمر نفسه، تحديد شكل تلك التسوية وحدودها النهائية، فإن الإنطباع الأوضح الذي حمله معه من روسيا كان، كما يقول، أن النخبة الروسية التي إلتقاها تعتقد بثقة شديدة أن الحرب ستنتهي بإنتصار روسيا، وأن السؤال لم يعد ما إذا كانت ستنتصر، بل ما الذي ستعتبره موسكو إنتصاراً، وإلى أي مدى ستذهب لتحقيقه.


******
لمن يرغب في مشاهدة الحلقة الأصلية، هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة جون ميرشايمر:
Episode 8: The Russia I Saw – YouTube
https://youtu.be/M0MpV8RdDlk?si=RFTM1_7sBTH_ns9k



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما الذي يؤخر «النصر»؟
- من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
- ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف ...
- جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير ...
- «نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
- من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
- عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي ...
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...
- ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على ...
- جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي ...
- ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا


المزيد.....




- إصابة -خطيرة- لنجل سفير إسرائيل لدى أمريكا جراء -عملية دهس- ...
- اتفاق بين بغداد وأنقرة على انسحاب القوات التركية من معسكر -ب ...
- -أوروبا تريد هدنة لإعادة تسليح كييف-.. لافروف: روسيا لن تعلّ ...
- نجل السفير الإسرائيلي في واشنطن بين المصابين.. جروح خطرة في ...
- سقوط المخا يكشف الدور الإيراني في اليمن.. مستشارون من طهران ...
- العقوبات الأمريكية تشل شركات الطيران الإيرانية بعد إلغاء الر ...
- دعوات ليبية لتزعم عائشة القذافي قيادة تيار العقيد خلفا لشقيق ...
- السعودية تحتفل بيومها الوطني بعرض جوي مذهل
- سفير روسيا لدى كوبنهاغن: اتفاق غرينلاند يكرس مسارا نحو الموا ...
- رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي يحذرون من خطر يهدد البشرية لا ي ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - جون ميرشايمر كان في موسكو