أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفوت سابا - فَوْقَ سَرِيرِ الْمَرَضِ الْأَبْيَضْ














المزيد.....

فَوْقَ سَرِيرِ الْمَرَضِ الْأَبْيَضْ


صفوت سابا

الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


الموتُ حقيقةٌ وجوديةٌ مّوجَعة، لا يقتحمُ الجسدَ دفعةً واحدة، بل يتسرّبُ إليه في صمت، ويتقدّمُ بين مفاصله الواهنة مع كل معركةٍ يخوضها المريضُ في أيامه الأخيرة. إنه خصمٌ عنيد، نازَلَهُ صاحبُنا حتى رَمَقِهِ الأخيرة، بعدما أحكَمَ حصارَ جسده المستلقي فوق سريره الأبيض.

لم ير صاحبنا الموت فكرةً بعيدة أو احتمالاً مؤجَّلاً، بل حضوراً كثيفاً يُشَمُّ في رائحةِ المرض، ويُرى في وَهَن الجسد، ويُستشعَرُ في ذلك الخوف الغامض الذي يُوقِظ في الإنسان غريزة التمسك بالحياة والمقاومة، على الرغم من يقينه العميق بأن الموت هو المصير الذي لا يفلت منه إنسان.

ومع اقتراب الظل الأخير، بدأ الموتُ في تمزيق خيوط التواصل الخفية التي تصل صاحبنا بالحياة واللغة والآخرين؛ فَتَثَاقَلَتِ الكَلِمَاتُ عَلَى الشِّفَاهِ، وذابت الحروفُ قبل أن تجد طريقها إلى الخارج، وانقطع شيئاً فشيئاً ذلك الحبلُ السرّي الذي ظلّ يَشُدُّهُ إلى العالم من حوله. وَتَشَظَّى الكيانُ ببطء، كنجومٍ خَمَدَ ضوؤها وتناثرت في عتمة السرير الأبيض. وهكذا غَدَتْ لحظاتُ الاِحْتِضَارِ مَخَاضاً أَخِيراً، تَهَيَّأَ فِيهِ صاحبنا لعبور الروح من ضفة الجسد إلى العالم الآخر.

هناك، حيث ضاقت المسافةُ بين النبض والسكون، لم يبقَ لصاحبنا إلا الصمتُ والصبر، فيما تلازم مرارةُ العلقمِ حَلْقَهُ اليابس، وَيُثْقِلُ الخوفُ الباردُ على جسده، كأنّ الدمَ نفسَه قد أبطأ جريانَه، وكأنّ الرغبةَ في الحياة قد أخذت تتراجع أمام سطوة الرحيل. وبدا الزمنُ عندئذٍ وكأنه يتوقف في عينيه، إذ لم يبقَ منه إلا لحظةٌ معلّقة، يترقّب فيها موعد الرحيل الكبير.

وحين خَفَتَتِ الحياةُ في شرايين الجسد، وغدا السريرُ الأبيضُ عتبةً فاصلة بين عالمين، وقف الذين أحاطوا بسريره الأبيض، وما زالوا في خيمة الجسد، مشدوهين أمام سرّ الموت، عاجزين عن ردّه، لكنهم ليسوا أُسَراءَ لليأس؛ إذ لا يرونه موتاً، بل انتقالاً وعبوراً لحياة الدهر الآتي، حيث ما لم تَرَ عَيْنٌ، ولم تسمع أُذُنٌ، ولم يخطر على بال إنسان.

١)
صَاحِبُنَا كَانَ يُنَازِعُ أَنْيَابَ الْمَوْتْ
زَمْجَرَ فِي وَجْهِ النَّوْمْ
فِي جَلْسَتِهِ فَوْقَ سَرِيرٍ أَبْيَضْ
اعْتَدَلَ، وَتَضَجَّرَ فَوْقَ الْمَذْبَحِ وَالْحَطَبِ وَالصَّوْمْ
وَفَوْقَ سَرِيرِ الْمَرَضِ الْأَبْيَضْ
قَاوَمَ صَاحِبُنَا، لَا لَوْمْ
يَغْفُو مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ، يَتَأَفَّفُ وَيَقُومْ
وَكَأَنَّهُ يَبْدَأُ حُلْمَهُ الْيَوْمْ
يَتَبَرَّمُ مِنْ رَائِحَةِ الْقَيْءِ وَالدَّمْ
وَمَصِيرٍ مَحْتُومْ!
يَتَقَزَّزُ مِنْ مَسِّ الْعَرَقِ وَالأَلَمْ
يَقْهَرُهُ شُعُورٌ مَكْلُومْ!
يَتَضَجَّرُ مِنْ رَائِحَةِ الْخَوْفِ وَالمَوْتِ
وأَحْلاَمٍ يَنْسُجُهَا فَأْلٌ مَشْؤُومْ!

٢)
وَيَبُوءُ بِكَلَامٍ مَكْتُومٍ
يَتَعَلْثَمُ، وَتَذُوبُ نِصْفُ حُرُوفِ الكَلِمَاتْ
وَيَنْقَطِعُ الخَيْطُ الواصِلُ بَيْنَ الخَرَزَاتْ
النِّصْفُ الآخَرُ يَتَهَاوَى، تَتَوَارَى عَنْهُ اللَّحَظَاتْ!
كُلُّ الحَرَكَاتِ، البَاطِنُ مِنْهَا وَالظَّاهِرْ
يَنْقَطِعُ الحَبْلُ السِّرِّيُّ الواصِلُ بَيْنَ اللهَجَاتْ!
تَنْزَلِقُ أُولَى الحَبَّاتِ
تَتَسَارَعُ فِي هُبُوطٍ عَمُودِيٍّ نَحْوَ الذَّاتْ!
تَرْتَطِمُ بِالسَّطْحِ الجَافِّ الصَّلْبْ
تَنْبَعِثُ مِنْهُ نَغْمَةٌ حَافِيَةٌ جَافَّةٌ بِثَبَاتْ!
تُشْبِهُ ضَرَبَاتٍ لِقَلْبٍ يَتَبَاطَأْ
تَتُوهُ، تَتَشَتَّتُ فِي دَائِرَةٍ تَتَلاَصَقُ أَقْطَارُهَا كَفُتَاتْ!
تَرْسُمُ شَظْيَاتٍ مُظْلِمَةً تَتَنَاثَرْ
فَوْقَ سَرِيرٍ طِبِّيٍّ أَبْيَضَ لِمُمَاتْ!

٣)
يَتَأَوَّهُ، يَتَحَسَّسُ كَتِفَهُ: مَنْ يُنْزِلُ أَحْمَالَهُ عَنْهُ؟
مَنْ يُمْسِكُ يَدَهُ، يُسْكِتُ رَجَفَاتِ الطَّلْقْ؟ ...
يَصْمُتُ، وَيَلُوذُ بِالصَّمْتِ ...
يَتَجَرَّعُ الْعَلْقَمَ صَبْراً، وَالْغُصَّةُ فِي الْحَلْقْ
وَالْمُرُّ لَا يَبْرَحُ بَسْمَتَهُ فَوْقَ الشَّفَةْ
وَيُغَلِّفُ عَضَلاَتِ الْغَضَبِ وَضِيقَ الْخُلُقْ!
وَالْغُصَّةُ بِرَائِحَةِ الدَّمِ تَكْتُمُ أَنْفَاسَهْ
وَتَخْنُقُهُ بِأَصَابِعَ مُحْكَمَةِ الْغَلْقْ

٤)
تَطْفُو عَلَامَاتُ الْحُزْنِ فَوْقَ أَسَارِيرَ وَجْهٍ ذَابِلْ
تَهْدِرُ خَرَاطِيمُ الأُكْسِجِينِ فِي أَنْفِهْ
خَيْطُ الْمَحَالِيلِ يَنَهَشُ فِي وَرِيدٍ قَابِلْ
مَا زَالَ يَتْرُكُ فِي الْعِرْقِ آثَارَ الْعُنْفِ
بِالأَمْسِ أَوْرِدَةٌ كَلَّتْ مِنْ وَخَزَاتِ الإِبْرَةِ
وَالْيَوْمَ قَدْ جَفَّ الشَّرِيَانُ مِنْ عُمْقِ الْخَوْفْ
وَالْجُرْحُ فَوْقَ الْمِعْصَمِ كَالْمُقْعَدِ يَتَحَجَّرُ
يَكْدَرُّ لِلَّوْنِ الأَبْيَضِ، يَتَوَقَّفُ مِنْ بَعْدِ الزَّحْفِ

٥)
وَفِي لَيْلٍ غَلَّفَهُ ثِقَلُ الظُّلْمَةِ
يَتَنَحَّى فِيهَا الْخَوْفُ لِلذَّعَرِ الْخَائِفْ
المَوْتُ يَقْفِزُ مَا بَيْنَ أَسْوَارِ عَيْنَيْهِ..
يَتَوَعَّدُ بِخُرُوجٍ جَارِفْ!
يَتَشَوَّقُ لِيَعِيثَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً ...
صَاحِبُنَا يَعْرِفُهُ، وَغِيَابٌ شَارِفْ!
يَشْخَصُ فِي فَرَاغٍ مِنْ مَجْهُولٍ
يَبْكِي، يَتَظَارَفْ!
ثُمَّ يَعُودُ وَيُجَفِّفُ دَمْعَهْ
وَيُقَدِّمُ نَفْسَهْ، وَبِنُبْلٍ يُوصِينَا نَتَعَارَفْ!
وَفَوْقَ سَرِيرِ الْمَرَضِ الْأَبْيَضْ
يَحْبِسُ صَاحِبُنَا أَنْفَاسَهُ مَا بَيْنَ الْأَسْرَارِ وَبَيْنَ مَخَاوِفْ!



#صفوت_سابا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- * كُلُّ عُرْوَةٍ وَكُلُّ خَيْطٍ تِحْكِي حِكَايَةْ *
- يَا أَيُّهَا الْحَفَّارُ
- الصَّمْتُ الزَّاعِقُ مِنَ الْخَوْفِ ...
- المعارضون الأساقفة الأقباط
- قُلْ يَا أَبِي ...
- أمي ماتت مرتين
- من مذكرات طفل الملجأ ...
- لم أُولَد في أَزْمِنة الفَقْرِ
- فيلم- ريش- : عندما يزن الريش أطناناً
- في فَقْه الدورة الشهرية في الكنيسة القبطية
- قبل ما اشوفك
- إعدام راهب: قراءة في تقرير مجلس حقوق الإنسان
- الفن: بيان الجمعية المصرية للتنوير
- الحُزْن الحَزِين
- - زَارَتْنِي أُمِّي بالأمْسِ -
- البابا والإصلاح
- رأس البابا وأُذُن فان جوخ
- البابا والصحفية والجيوش الإلكترونية
- بابا الإِسْكَنْدَرِيَّةُ والأساقفة
- مَجْهُولٌ أَخْرَق


المزيد.....




- لماذا يعود جمهور الألفية إلى -توايلايت- بعد 18 عاما من عرضه ...
- الثقافة في عصر التكنولوجيا..كيف نحافظ على العمق والهوية؟
- بين الأزمات والحروب.. كيف تحافظ المهرجانات الموسيقية على حضو ...
- تولا تحيي ذكرى معركة كوليكوفو ببرنامج تاريخي واسع
- وجوه فلسطين في عيون السينما.. من حكاية يصوغها الآخر إلى ذاكر ...
- جينيفر لوبيز تعيد أجواء السينما الإيطالية الأنيقة إلى ميلانو ...
- نيكيتا ميخالكوف يتحدث عن جائزة -الفراشة الماسية- في منتدى ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد مقر جامع ...
- غوليكوفا: منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ يجمع 70 دولة وي ...
- سر تواصل ليمور الإندري في غابات مدغشقر.. يستخدم تقنية صوتية ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صفوت سابا - فَوْقَ سَرِيرِ الْمَرَضِ الْأَبْيَضْ