أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: بين نسختين














المزيد.....

نص نثري: بين نسختين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 08:13
المحور: الادب والفن
    


يقف الآن على عتبة لا يعرف إن كانت تفصل زمنين، أم تفصل الإنسان عن صورته الأولى. هناك، في الجهة التي لا تصل إليها ساعات الحاضر، يلمح نسخة منه خرجت من التراب قبل مئات السنين؛ يمشي بخفة من لا يعرف أن للعالم وجوهاً كثيرة، وأن وراء الأفق أشياء يمكن أن تقلق القلب قبل أن تراها العين.
كان يومها ابن المسافة القريبة؛ يعرف ما تبلغه خطوته، وما تمتد إليه يده، وما تسمح به عيناه من جهة السماء. لم تكن الأرض بالنسبة إليه خريطةً مكتظة بالحدود، ولا السماء شاشةً معلقة عليها أخبار الجهات. كانت السماء سقفاً، والأرض مأوى، والمطر موعداً، والجوع خصماً واضحاً، والبرد شيئاً يمكن أن يتقيه بقطعة قماش.
كان يعرف من الحياة ما يكفي لكي تستمر الحياة. لم يكن فقيراً بالضرورة، كما لم يكن غنياً بالمعنى الذي جاءت به الأزمنة اللاحقة؛ كان فقط أقل امتلاءً بالأسئلة. إذا أقبل الليل أوقد ما يكفي من الضوء، وإذا أقبل الشتاء بحث عن دفء، وإذا جاع بحث عن رغيف. أما الأشياء التي تقع وراء الحقول، فلم تكن تملك القدرة على اقتحام نومه. حتى الإيمان كان يأتيه بلا ضجيج؛ كالماء حين يجد طريقه بين الحصى. لا يحتاج إلى كثير من الكلام، لأن المسافة بين القلب والسماء لم تكن قد امتلأت بعد بالوسائط.
ثم يلتفت إلى الجهة الأخرى. هناك يقف هو أيضاً، لكن أيّ ريح مرّت من هنا؟ الجسد نفسه تقريباً، غير أن الروح تبدو كأنها حملت فوق ظهرها أعواماً لا تُرى. عينان تعرفان أكثر مما ينبغي، وقلب لم يعد يملك رفاهية الجهل. صار الأفق أوسع، لكن الطمأنينة صارت أبعد. لم تعد الأرض مجرد مكان ينام عليه الإنسان؛ صارت ذاكرةً وحدوداً وأثماناً وأخباراً تتدفق من الجهات كلها، حتى صار البعيد قادراً على أن يطرق باب القلب قبل أن يصل إلى الباب.
في النسخة الأولى، كان العالم ينتهي عند آخر ما تراه العين. أما الآن، فالعالم يبدأ عند آخر ما لا تستطيع العين أن تراه.
وهنا تكمن المفارقة. كلما اتسعت النافذة، دخل منها ضوء أكثر، لكن دخل معها ظل أكثر. لم يعد يستطيع أن يغمض عينيه عن الحروب التي لا يعرف أطرافها، ولا عن الأسعار التي تصعد كأنها تبحث عن سماء أخرى، ولا عن الوجوه التي تعلمت أن تبتسم وهي تخفي شيئاً خلف الأسنان. لم تعد الكارثة تحتاج إلى أن تقع عند عتبة بيته؛ يكفي أن تلمع في مكان بعيد على شاشة صغيرة حتى يصبح لها ظل داخل صدره.
صار يحمل العالم دون أن يستطيع تغييره. وصار يعرف أشياء كثيرة، حتى تلك التي كان يمكن أن يعيش من دون معرفتها. لذلك يبدو له أحياناً أن النسخة القديمة كانت تمشي على الأرض، بينما نسخته الجديدة تمشي فوق طبقة رقيقة من الأسئلة؛ خطوة واحدة خاطئة، وقد ينفتح تحتها ذلك الفراغ الذي لا قاع له.
ومع ذلك، لا ينظر إلى الأولى بوصفها خلاصاً، ولا إلى الثانية بوصفها لعنة. فالأولى كانت تملك بساطة الجهل، والثانية دفعت ثمن المعرفة. الأولى لم تكن ترى اتساع الجرح، والثانية لا تستطيع أن ترى شيئاً دون أن تبحث عن موضع الجرح فيه.
وبينهما، يقف هو. لا ماضياً يريد أن يعود، ولا حاضراً يستطيع أن يطمئن إليه. مجرد كائن عبر من زمن كانت فيه الأشياء أقرب إلى أسمائها، إلى زمن أصبحت فيه الأسماء نفسها تحتاج إلى تفسير.
يسأل نفسه، دون أن ينطق: هل كنتُ قديماً أكثر سلاماً، أم أني كنتُ فقط أقل معرفة بما ينقض السلام؟ وهل ما نسميه تطوراً ليس أحياناً سوى اتساع المسافة بيني وبين ظلي؟ يصمت. في مكان ما تهب الريح فوق التراب، فتبدو الحكاية القديمة كأنها لم تغادر تماماً. وفي مكان آخر يمر صوت بعيد، محمّل بأخبار لا تنتهي.
عندها يدرك أن النسختين رغم اختلافهما، ما زالتا تبحثان عن الشيء نفسه. الأولى كانت تبحث عنه بالفطرة، والثانية تبحث عنه بعد أن ضاع منها الكثير. ذلك الشيء الذي لا اسم له تماماً؛ ربما هو السلام، وربما هو الإنسان قبل أن يتعلم كيف يخاف من الإنسان.
فيعود بنظره إلى الأرض. ثمة شيء في التراب لا يتغير، شيء لا يعرف الأخبار، ولا يقرأ الخرائط، ولا يسأل عن الجهات. شيء ظل صامتاً طوال هذه القرون، كأنه ينتظر أن يعود الإنسان إليه لا ليهرب من الحاضر، ولا ليستعيد الماضي، بل ليكتشف أين أخطأ الطريق.
فيظل واقفاً بين النسختين، والتراب تحت قدميه لا يقول شيئاً. لكنه، للمرة الأولى، يشعر أن الصمت نفسه قد يكون ذاكرة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية ...
- ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق ...
- نص نثري: المظاهر
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع ...
- حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م ...
- نص نثري: حين صار ظلّاً
- قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
- نص نثري: سماءٌ من طفولة
- نص نثري: الظل
- قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
- قصة قصيرة: جزاء الإحسان
- نص نثري: أشواق
- ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر ...
- نص نثري: إلى المجهول
- قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
- نص نثري: مَن أكون؟
- اللحن الحزين
- قصة قصيرة: عظام الشاة


المزيد.....




- سر تواصل ليمور الإندري في غابات مدغشقر.. يستخدم تقنية صوتية ...
- فنانون يحتجون على تقليص الإنفاق الثقافي بالموسيقى والرقص وال ...
- ماكرون: هدنة غزة -مسرحية مخزية- وعار علينا جميعا
- اتحاد الأدباء يحتفي بالأعمال المسرحية للراحل محمد علي الخفاج ...
- شبه عارية.. بطلة روسيا كنوروز تنتقد سلوك الممثلة الأمريكية س ...
- احتجاجات في القامشلي تطالب بالاعتراف باللغة الكردية لغة رسمي ...
- من دمشق إلى فلسطين.. أمل عرفة تفتح -مساحة تانية- بصوتها
- لماذا يرى من يتناولون المغنيسيوم كوابيس -كأفلام الرعب-؟
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد الجامعة ...
- إسرائيل تشرع في دراسة سحب جنسية مخرجي فيلم نازا


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - نص نثري: بين نسختين