أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - معمارية الانفصال وجماليات التلفظ المأساوي: قراءة في ديوان -أنتَ لا تخُصُّني.. وأنا لا أخُصُّكَ..- لمؤمن سمير بقلم د.إبراهيم الجهيني















المزيد.....

معمارية الانفصال وجماليات التلفظ المأساوي: قراءة في ديوان -أنتَ لا تخُصُّني.. وأنا لا أخُصُّكَ..- لمؤمن سمير بقلم د.إبراهيم الجهيني


مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري

(Moemen Samir)


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 03:03
المحور: الادب والفن
    


يَمُوتُ رَدِيءُ الشِّعْرِ مِنْ قَبْلِ أَهْلِهِ ... وَجَيِّدُهُ يَبْقَى وَإِنْ مَاتَ قَائِلُهُ
لقد حظي الشعر في الحضارة العربية بمنزلة استثنائية عبر مختلف عصورها؛ إذ مثّل ديوان العرب الخالد، وسجل مآثرهم وأيامهم، والحافظ لهويتهم الجمعية وتراثهم القومي. وقد اتسمت التجربة الشعرية طوال مسيرتها بطبيعة حركية متجددة، أتاحت لها التطور الخلاق على مستوى الشكل والمضمون، بمنأى عن السقوط في الجمود أو السكونية على مدار عصوره وصولاً للتجربة الشعرية الحديثة التي تقوم على تفكيك الأنساق اللغوية والجمالية كوسيلة أساسية لتشريح عزلة الإنسان المعاصر ومواجهة تداعيات واقعه المأزوم، وهو ما يتجلى بوضوح في المسار التجريبي لقصيدة النثر بوصفها الفضاء الأكثر قدرة على هتك النسق واحتضان التوترات النفسية واللغوية المعقدة. وفي هذا السياق، يأتي ديوان “أنتَ لا تخُصُّني.. وأنا لا أخُصُّكَ..” للشاعر مؤمن سمير كأحد العلامات الفارقة التي تسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الهوية والانتماء عبر شعرية تنبثق من صميم الانفصال والتمزق، وتقزم على تأسيس رؤية نقدية وفلسفية تستنطق بنية الخطاب من الداخل، وتوظف تداولية التلفظ وشعرية الإسناد لتشييد معمار نصي يتضافر فيه السرد بالمجاز، واليومي بالأسطوري. إنها تجربة تقيس المسافة الفاصلة بين الأنا والآخر، وتتخذ من الذاكرة الرضية (Traumatic Memory) منطلقاً لإنتاج بلاغة مأساوية تتجاوز الأشكال التقليدية لتقدم مساءلة جمالية لاستعمالات اللغة في تمثيل الهشاشة الإنسانية.
تبدأ هذه القراءة مقاربتها للديوان من عتبة العنوان ذاتها؛ حيث تنهض صياغة “أنتَ لا تخُصُّني.. وأنا لا أخُصُّكَ..” على استراتيجية تداولية شديدة المغايرة، تقوض الميثاق التواصلي المألوف في الشعرية العربية. إن توظيف ضميري المخاطب والمتكلم المقترنين بأداة النفي المتبادل يعلن منذ اللحظة الأولى تدشين قطيعة أنطولوجية حاسمة؛ فالمتلفظ هنا لا يبحث عن اندماج أو تماهٍ مع الآخر، بل يرسم تخوماً صارمة تفصل بين ذوات لا تلتقي إلا على أرض الاغتراب. تتكرر علامات الحذف والنقاط المعلقة لتفتح هذا الإعلان الانفصالي على فضاءات من اللامقال والمسكوت عنه، مما يجعل العنوان مدخلاً تنظيمياً وبؤرة مركزية تتفرع منها كافة النصوص اللاحقة، بوصفه فعلاً كلامياً إنجازياً يمارس سلطة التبرؤ وإعادة تموضع الذات خارج مدارات الهيمنة الجمعية.
وعلى المستوى البنائي، تترجم هذه القطيعة التداولية نفسها عبر معمار تركيبي دقيق، تهيمن عليه بنى الجمل الاسمية الدالة على الثبوت والديمومة. يتبدى في استقراء المتن الشعري نزوع واضح إلى تأبيد حالات الفقد والشلل التاريخي؛ فالأشياء والكائنات والذكريات غالباً ما تُسند إلى جمل اسمية (مبتدأ وخبر) تحبس الوجود في دائرة السكون والجمود، كأنما تسعى النصوص إلى تثبيت الهزيمة الروحية ومنعها من التبدد. وفي مقابل هذا الثبوت البنيوي، تتدخل الجمل الفعلية بحركيتها المتوترة لتحدث رجات زمانية مباغتة، فتأتي الأفعال الماضية محملة بشحنات الانكسار والتهجير القسري واستدعاء الرضوض الطفولية، بينما تنفتح الأفعال المضارعة على حاضر متكرر لا يفضي إلى خلاص، ويتشكل من هذا التعارض التركيبي إيقاع داخلي مأساوي، تتجاذب فيه رغبة الذات في الاستقرار ورعبها المقيم من الملاحقة والانقضاض.
ويتصل هذا البناء الإسنادي المتوتر بخاصية تسريد الشعر؛ إذ يتخلى الخطاب في هذه التجربة عن الغنائية النمطية لصالح بناء مشهدي يستعير تقنيات الحكي دون أن يفرط في الكثافة الرمزية. تتنوع النصوص ما بين متواليات نثرية ممتدة تؤثث حكايات كاملة للرحيل والضياع، ومقاطع فائقة الاختزال تعمل كلقطات بصرية خاطفة تحبس أنفاس اللحظة، وتأملات ميتا-شعرية تراقب حركة القلم وتشريح عملية الكتابة ذاتها.
إن إدماج تقنيات الحكاية داخل بنية القصيدة ليس مجرد حلية شكلية، بل هو استجابة واعية لضرورة استنطاق الواقع اليومي الهش، حيث يتحول النص إلى مسرح للأحداث الباطنية، وتغدو الصورة الشعرية زاوية تصوير ترصد تداعيات المأساة في تفاصيل بالغة الصغر، كفم الكوب، أو ارتعاشة اليد، أو انكسار الضوء على الجدار.
ومن هذا المنظور المشهدي المتراكب، تتفجر في الديوان طاقة بوليفونية متعددة الأصوات تفكك وهم الصوت الواحد وتؤسس لتعددية حوارية عميقة، فلا يقدم المتلفظ نفسه بوصفه صوتاً متعالياً أو مركزاً يحتكر الحقيقة، بل يتشظى إلى ذوات متباينة وأصوات متصارعة تستدعي شخصيات تاريخية ومرجعية ورمزية في آن واحد، فعلي سبيل المثال يبرز الجد بوصفه حارساً للروح والموسيقى الموصولة بإسحاق الموصلي، في حين تتبدى الأم مجسدة للصمت الفاجع والتهجير القاسي الذي عطل نطقها منذ عقود، وفي خضم هذا التعدد الصوتي، يطل الأب كأيقونة مبجلة ومهيبة؛ صورة غامضة معلقة على الجدار تفرض سلطتها الرمزية عبر التحديق الصامت، لتشكل امتداداً لقهر أسري وتاريخي متوارث تصطدم به الذات الشاعرة في مسعاها للتحقق.
وتتويجاً لهذه التعددية الصوتية، تبلغ المساءلة الميتا-شعرية ذروتها في محاورة الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا؛ حيث تغدو مسألة الأنداد والأبدال فلكاً لقلق وجودي جارف، يواجه فيه المتلفظ أشباهه المتعددة التي تنبثق في الغرفة، ليس بوصفها دليلاً على الثراء النفسي، بل كعلامة على تآكل الأصل وتبعثر الهوية الأولى في متاهة المرايا. إن استدعاء بيسوا ومحاورته بنوع من التحدي والتفكيك يبرز فيه كيف تتداخل شخصية القاتل بالصوفي، والطفل الهش بالخطيب المفوه، في استعراض تراجيدي يبرز كيف تغدو الكتابة الشعرية ساحة لاختبار المستحيل، ومحاولة يائسة للإمساك بجوهر الذات المتلاشية تحت ضغط الحيوات المتناسخة، إن هذه المقارعة بين المتلفظ في النص وبيسوا تمثل وعياً نقدياً يعري آليات التخييل ويكشف رعب الشاعر من التحول إلى كائن ورقي أو شبح بلا ملامح.
ويتضافر هذا التشظي النفسي مع شعرية مكانية بالغة الدلالة؛ حيث تغيب الفضاءات المستقرة والأليفة لصالح أمكنة العبور والترحال القسري، إذ تتواتر في نصوص الديوان مفردات سيارات النقل الكبيرة، والباصات المكتظة، والقطارات، والشرفات، وعتبات الأبواب، والمقابر، لتشكل طوبوغرافيا متكاملة للاغتراب والتيه. إن المكان في نصوص الديوان ليس خلفية جغرافية محايدة، بل هو فاعل سيميائي ينتج الدلالة ويضيق الخناق على الكائنات؛ فالبيت محاصر بالنيران ومطرود من ذاكرة البحر، والغرف ممرات معتمة تبتلع الأصوات، مما يجسد استحالة الاستقرار في عالم طارد، وتتأسس على ذلك حركة استرجاعية مستمرة تجعل الحاضر رهيناً لماضٍ فاجع، وتلغي إمكانية التطلع إلى مستقبل آمن في ظل زمكانية تتسم بالسيولة والتمزق.
وتصل هذه البلاغة الانفصالية حدها الأقصى عبر توظيف الأقنعة الحيوانية، وفي مقدمتها قناع "الكلب"، حيث تهبط الذات بوعيها إلى القاع لتتخذ موقعاً هامشياً خالصاً، يتجرد المتلفظ من أوهام السيادة الإنسانية والمركزية الأخلاقية، ليعلن أنه "كلب العالم الجديد"، ويكشف عن تموضعه في فضاء النص باعتباره الكائن العاري المنبوذ الذي يتلقى الصدمات في باصات العمال ومخازن السادة، ويتحمل عبء اكتمال الحكاية الجمعية دون اعتراف أو عزاء، ويمثل هذا التماهي مع الحيواني شكلاً راديكالياً من أشكال المقاومة السلبية وفضح وحشية الواقع؛ إنه تعرية لمنظومة القوة التي تبتكر الأوبئة والحروب، ليتحول النباح المتقطع والأنين الصامت إلى الصرخة الشعرية الأبلغ ضد التدجين والتسليع، معلناً انحياز النص التام لكل ما هو هش ومهدور.
وختاماً، فإن ديوان “أنتَ لا تخُصُّني.. وأنا لا أخُصُّكَ..” ينبني على رؤية نقدية وجمالية متماسكة وفريدة، تتضافر فيها مستويات التشكيل الأسلوبي والتداولي لإنتاج أثر نوعي في مشهد قصيدة النثر المعاصرة، ولقد استطاع مؤمن سمير أن يذيب هذه التناقضات الحادة في سبيكة واحدة؛ فزاوج بين التكثيف الإشاري والتدفق الحكائي، وبين الجفاء الانفصالي المعلن والتورط الوجداني العميق في مصائر الراحلين والمنكوبين، ولا يكتفي العمل بتسجيل مراثي الانهيار الذاتي، بل يرتفع بها إلى مصاف المعمار الفلسفي الذي يقاوم التلاشي عبر مساءلة الذات وتفكيك يقينيات المركز، مؤكداً أن شعرية النص الحديث تنبع من شجاعة الوقوف في العراء، واحتضان الغياب بوصفه الامتلاء الوحيد المتاح للكائن أمام سطوة الفناء
*صفحة الكاتب الشخصية على فيسبوك بتاريخ الثلاثاء 22 سبتمبر 2026.



#مؤمن_سمير (هاشتاغ)       Moemen_Samir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشعر خاطف الأرواح.. بقلم/ مؤمن سمير. مصر
- فضائل الضغينة: القصاص من البراءة.. بقلم/ممدوح رزق
- تفكيك المعجم اللغوي في ديوان -فضائل الضغينة- بقلم/محمد جلال ...
- سيرة شعرية لذات ممزقة. مؤمن سمير يفتح صناديق الذاكرة في «فضا ...
- -فضائل الضغينة- للشاعر المصري مؤمن سمير بقلم/ريما حمزة
- قراءة في ديوان -فضائل الضغينة- للشاعر المبدع مؤمن سمير بقلم/ ...
- مؤمن سمير في فضائل الضغينة بقلم ناصر أبوعون
- الإنسان الأخير في الشعر:قراءة في ديوان -فضائل الضغينة- للشاع ...
- (“فضائل الضغينة”.. حين تتحول الضغينة إلى ذاكرة حيّة) بقلم/آف ...
- -ذاكرة مؤمن سمير البيضاء، تفض الاشتباك-بقلم/ بهاء الدين حسن
- ميتافيزيقا الأشياء اليومية في ديوان -أنت لا تخصني وأنا لا أخ ...
- -بلاغة الانفصال ومسافة المعنى- في ديوان -أنت لا تخصني.. وأنا ...
- -عزلة الذات وانفصام الوجود في ديوان -أنت لا تخصني.. وأنا لا ...
- مؤمن سمير: المشهد الشعري مَوّار لكنّه معزول عن سياقه العالمي ...
- «كأنكِ كوكبٌ دُرِّيٌ» شعر/ مؤمن سمير . مصر
- (الحياة في مدينة الأسماء المستعارة.. أدونيس ويمنى العيد) بقل ...
- تشكلاتُ الصورة البصرية في قصيدة النثر-مقاربة تأويلية لديوان ...
- -جسدُكَ جسدي يا حبيبي- شعر/ مؤمن سمير.مصر.مبادرة(فلسطين:قصيد ...
- (قصيدتان) شعر/ مؤمن سميرمصر.. .ضمن سلسلة (سنحرر شاعراً بقصيد ...
- -شَوْكَةُ الراوي العليم-للشاعر المصري مؤمن سمير: قراءةٌ مُتع ...


المزيد.....




- ماكرون: هدنة غزة -مسرحية مخزية- وعار علينا جميعا
- اتحاد الأدباء يحتفي بالأعمال المسرحية للراحل محمد علي الخفاج ...
- شبه عارية.. بطلة روسيا كنوروز تنتقد سلوك الممثلة الأمريكية س ...
- احتجاجات في القامشلي تطالب بالاعتراف باللغة الكردية لغة رسمي ...
- من دمشق إلى فلسطين.. أمل عرفة تفتح -مساحة تانية- بصوتها
- لماذا يرى من يتناولون المغنيسيوم كوابيس -كأفلام الرعب-؟
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد الجامعة ...
- إسرائيل تشرع في دراسة سحب جنسية مخرجي فيلم نازا
- إيران تنفي -الرواية الأمريكية- بشأن الملاحة في مضيق هرمز
- واقعة تهز الوسط الفني.. القبض على ملحن شهير في القاهرة بحوزت ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - معمارية الانفصال وجماليات التلفظ المأساوي: قراءة في ديوان -أنتَ لا تخُصُّني.. وأنا لا أخُصُّكَ..- لمؤمن سمير بقلم د.إبراهيم الجهيني