أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - فضائل الضغينة: القصاص من البراءة.. بقلم/ممدوح رزق















المزيد.....

فضائل الضغينة: القصاص من البراءة.. بقلم/ممدوح رزق


مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري

(Moemen Samir)


الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 17:21
المحور: الادب والفن
    


في المجموعة الشعرية "فضائل الضغينة" الصادرة عن دار العين؛ ترتكز القصيدة عند مؤمن سمير على ما يبدو أنه "طيف" حكاية، ينبعث بشكل مباغت من صدع متوارٍ في الماضي، استجابة لشرط مبهم، ثم يتناثر في لحظة أشبه بمفترق طرق، ليتحوّل كل خيط منه إلى طيف لحكاية أخرى. هو طيف، ليس لأن الحكاية غير كاملة أو لأنها تعد بمدلول حاسم يسد نقصها بطريقة ما، ولكن لأن مجاز مؤمن سمير ينزع عن قرائنها اللغوية ذلك الميل الباطني للاتساق فيصبح "الحكي" الشعري "إيهامًا بالحكي"، ومن هنا يكون الطيف بديلًا للحكاية الغائبة.
"وهكذا صار لي سرداب في الحكاية يظهر من بعيد، مدخل صغير كي أصل إلى الدنيا .. وهكذا صار لتلك المدينة المتوهجة هناك، مغزى أصيل وقديم هو أنه لا مغزى لأي شيء".
إن الصدع المتواري ليس مجرد ذكرى، وإنما هو جرحها الغامض، الجرح الذي يخلق الذكرى من خبيئة استباقية ومن ثمّ يمحوها. لذا؛ فالطيف الذي ينبعث من ظلامه هو تهديد للمعنى الذي تتظاهر الذكرى بتأكيده. تخريب لاستقراره.
"أما أنا فأعوادي أقرب
لملامحي الغائمة
ألصقها على كل ضلع
من ضلوعي
وأقفز إلى البحر
لأستمتع بحرائق الغرق
وأسهم النجاة الساخنة".
تنبع المباغتة من كون الطيف منفصلًا عن تمهيد محدد لانبعاثه. انتباه مفاجئ، يقظة صادمة، ذلك لأن شرط الانبعاث لا يرجع لتدبير ذهني وإنما لخيال مراوغ، غير متمثل في خطوات منطقية بل كومضات متأرجحة. الطيف إذن هو محض استعمال مضاد لـ "كلمات" الذكرى، تفكيك لانسجامها استنادًا إلى الارتكابات المستترة لـ "الضغينة". خيال العداوة الكامنة في الذات تجاه "حكايات الماضي"، حيث لا يتوقع طبيعة الهدم أو بصمة الانتهاك.
"صندوقي يغني ويحكي معي ألعاب الاختفاء ويحب أن أنسرب إليه كل حين بروية كأنني طيف، وأظل أدور حوله بكل حرص كي لا أخدش جناحًا أو أكسر كبرياءً .. في النهاية يملأ العرق حكاياتي بينما يضحك صندوقي على ارتباكي الأصيل".
"الصندوق" في مجموعة "فضائل الضغينة" هاجس مخاتل أكثر من كونه "تيمة" مهيمنة؛ فالصندوق هنا ليس رمزًا متسلطًا أو أداة ثابتة لتحقيق وحدة عضوية بين قصائد المجموعة، وإنما هو تجسيد ماكر للصدع، الجرح الغامض للذكرى، يعيد مؤمن سمير تكوينه كأن "الشعر" هو الخبيئة التي أوجدته، وبالتالي فذلك "الصندوق" لا يُفتح ولا يُغلق إلا على "الطيف"، أي على زوال الذكرى.
"السر الذي بيننا زاد وفاض
حتي صرت عاجزًا عن التنفس
لذا وجب عليّ أن أعيد الصياغة
من جديد".
يحيل الصندوق، بعكس وظيفته الأصلية، إلى "التخلي" لا "الحفظ"، "الفضح" لا "الإخفاء"، تقويض القصد، تعطيل الغاية. الصندوق يحتوى أشلاء الحكاية إذن. الصناديق تتبادل هذه الأشلاء، تلهو بمسمياتها المتبددة على إيقاع "الضغينة" حيث "الفضيلة" أن تجعل "الحكاية" تبدو خياليًا كما لو أنها تتفحص موتها من قبل أن تدعي الحدوث في الماضي.
"كان أبي لا يحس بالأمان
إلا إذا نام كل منا في حفرته
حتى بعد أن تفوت صفارات الإنذار
أو حتى ننظر من ثقب الباب
فنجد أن الزائر
هو نفير الحرب الفائتة".
لماذا يظل شرط الانبعاث / الضغينة مبهمًا؟ لأن آثاره غائمة، غير محكومة، متغيّرة، وهو ما يجعلها تتناثر لحظة الكتابة "مفترق الطرق" فيكون طرف الخيط الذي تحوّل إلى طيف لحكاية أخرى أشبه بتجهّز مخادع لإنهاء الحكي، لتعيين كلمته الأخيرة "الجازمة"، وهنا يتدخل المجاز بتدمير هذا التهيئة عبر اختراقها بمشهد "ملغّم" من "طيف" آخر، ومن ثمّ تُرجأ النهاية مع كل تمزق لنسيج الذكرى، يتلاشى اليقين بين أنقاض اللحظة التي لم تعد زمنًا في حكاية وإنما دليلًا على سرابها.
"كان الواحد منا يحلم وهو يأكل
ويحلم وهو يحلم
ويحلم وهو يموت
حتى حاصرتنا الأحلام
وضيّقت علينا الدنيا ..
إلى أن رقّت الأقدار أخيرًا
واختارت جدي
لحزم الأحلام
ودسّها في كيس ضخم
ثم حرقها في نهاية العام".
يعيدنا "الصندوق" في مجموعة "فضائل الضغينة" إلى الطفل "سيدي محمد" في رواية "صندوق العجائب" للكاتب المغربي أحمد الصفريوي حيث العالم السحري للصندوق بوصفه حصنًا نفسيًا، ملاذًا للخيال الطامح في التحرر، كما يحيلنا إلى رمزيته في التحليل النفسي كمستودع للرغبات والمخاوف المكبوتة أو باعتباره تمثيلًا للرحم أو الجسد الأنثوي الذي ينشده التوق إلى الحماية والخوف من الفقدان في المنظور الفرويدي، وكذلك بوصفه رمزًا لـ "الظل" عند كارل يونغ، أو الجزء المغلق في الشخصية الذي تتحاشى مواجهته. إن فتح الصندوق وفقًا لهذه الرؤية يعني الاشتباك مع الفوضى الداخلية من أجل الوصول إلى "أمل" أو "حكمة" في قاعه، مثلما تشير الأحلام والأساطير، عبر رحلة معرفية شاقة أو مغامرة محفوفة بالمخاطر النفسية.
"كان الجيران ينظرون لقدمي طول الوقت .. أنا عدّاء الشارع ولهبه المحترق .. كانوا يدعون في صلاتهم أن أظل متوهجًا حتى لا تجف مسيرة القبلات للحبيبات والطعام لكوّاء الحي والوصايا للحلاق .. حتى جاء اليوم الذي اهتزت فيه قدماي من الغضب .. غادرتني المجنونة وهي تظن أنني أوزّع الحب على الدنيا وأنساها، قالت وجدت صاحبًا حقيقيًا وليس من الورق مثلك .. ومن ساعتها ولا متعة لي إلا في النظر من النافذة وربط كل الأشياء بعيني .. عادت الأمور تسير وعدت بطلًا إلا أنني لا أظهر إلا بعد أن يناموا، في أحلامهم وذكرياتهم .. اكتشفت أنني في النور بلا قلب وفي الظل صاحب رسالة .. عندما ضاعت مني عيني اكتملت حولي الدائرة".
لكن الصندوق في قصائد مؤمن سمير ليس عالمًا سحريًا بالمفهوم التقليدي كما أنه لا ينعم بصمت الأمان، ولا يدخر نجاة من "فجيعة" خارجه، ولكنه أشبه بخلخلة لفكرة "الصندوق المجازي" الممتلئ بالذنوب والندم في مسرحية "الذباب" لسارتر، انتقام من الرعب الكامن في "الاحتجاز المفرط للسر" كما في أعمال دالي وماغريت على سبيل المثال. الصندوق في "فضائل الضغينة" هو استيلاء على الرغبة عبر تفتيت أقنعتها، القبض على الخوف من خلال تشتيت أصواته المؤبدة، وهذا ليس إجراءً جماليًا فحسب بل يمكن القول إنه مجابهة فعلية مع "الطمأنينة"، إشهار لرفض "البراءة"، أو الاحتيال "الكارثي" لبلاغة تلك البراءة.

*مقالة منشورة بعدد يوم الأحد21 يونيو 2026 من جريدة"أخبار الأدب" المصرية



#مؤمن_سمير (هاشتاغ)       Moemen_Samir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك المعجم اللغوي في ديوان -فضائل الضغينة- بقلم/محمد جلال ...
- سيرة شعرية لذات ممزقة. مؤمن سمير يفتح صناديق الذاكرة في «فضا ...
- -فضائل الضغينة- للشاعر المصري مؤمن سمير بقلم/ريما حمزة
- قراءة في ديوان -فضائل الضغينة- للشاعر المبدع مؤمن سمير بقلم/ ...
- مؤمن سمير في فضائل الضغينة بقلم ناصر أبوعون
- الإنسان الأخير في الشعر:قراءة في ديوان -فضائل الضغينة- للشاع ...
- (“فضائل الضغينة”.. حين تتحول الضغينة إلى ذاكرة حيّة) بقلم/آف ...
- -ذاكرة مؤمن سمير البيضاء، تفض الاشتباك-بقلم/ بهاء الدين حسن
- ميتافيزيقا الأشياء اليومية في ديوان -أنت لا تخصني وأنا لا أخ ...
- -بلاغة الانفصال ومسافة المعنى- في ديوان -أنت لا تخصني.. وأنا ...
- -عزلة الذات وانفصام الوجود في ديوان -أنت لا تخصني.. وأنا لا ...
- مؤمن سمير: المشهد الشعري مَوّار لكنّه معزول عن سياقه العالمي ...
- «كأنكِ كوكبٌ دُرِّيٌ» شعر/ مؤمن سمير . مصر
- (الحياة في مدينة الأسماء المستعارة.. أدونيس ويمنى العيد) بقل ...
- تشكلاتُ الصورة البصرية في قصيدة النثر-مقاربة تأويلية لديوان ...
- -جسدُكَ جسدي يا حبيبي- شعر/ مؤمن سمير.مصر.مبادرة(فلسطين:قصيد ...
- (قصيدتان) شعر/ مؤمن سميرمصر.. .ضمن سلسلة (سنحرر شاعراً بقصيد ...
- -شَوْكَةُ الراوي العليم-للشاعر المصري مؤمن سمير: قراءةٌ مُتع ...
- بين الذكريات والواقع:حوار مع الشاعر -مؤمن سمير- حاوره: ممدوح ...
- صدور الكتاب المترجم للانجليزية والفرنسية -نصف طائر بلا حدود- ...


المزيد.....




- واشنطن تستعد لاستئناف المحادثات الفنية مع طهران وتحركات بشأن ...
- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...
- الغرب ونهاية قرون الهيمنة.. مآلات المشروع الإمبريالي والصراع ...
- حين يلتقي المال بالذكاء الاصطناعي.. فيلم عن سام ألتمان يشعل ...
- غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مؤمن سمير - فضائل الضغينة: القصاص من البراءة.. بقلم/ممدوح رزق