مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري
(Moemen Samir)
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 03:10
المحور:
الادب والفن
تأخذنا القصيدة الحداثية إلى بنيتها ودلالاتها الخاصة، والتي تعتمد جماليًا في الأساس على المفارقة، حيث كسر المتوقع وإثارة الدهشة ودفع القارئ إلى التأويل. فعندما نطالع هذا العنوان "فضائل الضغينة" للشاعر مؤمن سمير يتبادر إلى أذهاننا هذا السؤال: هل للضغينة من فضائل؟!
هنا تكمن المفارقة الدلالية؛ إذ يجمع العنوان بين كلمتين تنتميان إلى حقلين مُتضادَّين: الفضائل، والتي ترتبط في الثقافة الإنسانية بالخير، والتسامح، والسمو الأخلاقي. والضغينة، ترتبط بالحقد والعداء، والرغبة في الانتقام. هذا التضاد يخلق ما يمكن تسميته بالتوتر والمفارقة الجمالية التي تحمل بداخلها أسئلتها التأويلية.
في هذا السياق الذي يجعل للضغينة فضائل، نستطيع قراءة العنوان بوصفه نقدًا للخطاب الأخلاقي المثالي الذي يدعو إلى المثالية المُطلقة والصفح غير المشروط، وتتحول الضغينة هنا إلى مقاومة للظلم، ورفضًا للنسيان حفظًا للكرامة الفردية أو الجماعية، التي عاشت القهر والتهميش، فالضغينة هنا ذاكرة للجرح لا كحقد شخصي. وهنا نتذكر نيتشه الذي رأى أن القيم ليست ثابتة ولكن تُعاد صياغتها على حسب سير التاريخ.
لقد أعلن الشاعر منذ العنوان وأشار إلى صراع داخلي أو اجتماعي، وهذا يجعل العنوان شعريًا وفكريًا في آن واحد. وهذا يتضح من الفهرس وعناوين القصائد التي تبدأ بـ "تباشير الحياة" كبدايةٍ أولى، ثم باقي القصائد الاثنتا عشرة تبدأ بكلمة "صندوق" وبهذا تقوم عناوين القصائد على التكرار البنائي، هذا التكرار يخلق إيقاعًا بصريًا ولغويًا يوحد الديوان، ويعطينا إحساسًا بأن القصائد ليست منفصلة، بل أقسام داخل كيان واحد؛ كأن الشاعر يكتب قصيدة طويلةً مُقسّمة إلى صناديق دلالية، هذه الصناديق بالطبع توحي إلى شيء مُغلق يحتاج إلى فتح، أي أن القراءة نفسها سوف تُصبح فعل كشف لرحلة الذات الوجودية؛ حيث تبدأ بالحياة في "تباشير الحياة" وتنتهي بالشغف في "صندوق الشغف". فالقصيدة الحداثية لا تقوم على موضوع واحد مباشر، بل على وحدة شعورية أو وجودية والاعتماد على الرمز والصورة المركبة بدل التصريح، والعناوين تشير إلى حالات داخلية: النوم، التراخي، الضغينة، الشغف، الغياب. هكذا يتم استكشاف الداخل الإنساني وتحويل الأشياء العادية إلى رموز وجودية وعلامات دلالية على القلق الإنساني.
هذا الفهرس كان سيكتمل جماليًا لو أن المُنسق أو الشاعر استبدل " أرشيف الضغينة" أو غيرها بكلمة " المحتويات " التقليدية الموجودة أعلى الفهرس، وهذه الملاحظة جمالية فقط وليس لها علاقة بالديوان.
يبدأ الديوان بـ "تباشيرُ الحياة" والتي تبدأ بـ
"كانت العَيْن الكبيرةُ ترقبُ بكسلٍ رجلاً ضامراً في الصحراء يجُرُّ أقدامَهُ ومن خلفهِ طفل".
يبدأ النص بقلق الذاكرة التي تسرد لنا حركة الجد، والذي يرمز إلى الحكمة المتوارثة، والطفل الذي يمثل الاستمرار والبراءة، مع وجود سلطة غامضة تلعب دور الرقيب من خلال العين الكبيرة. إذا نظرنا إلى هذه الصورة من منظور النقد الثقافي؛ فهي تمثل علاقة القوة بين الإنسان البسيط والأنظمة الكبرى التي تراقبه دون أن تنقذه، ما يوحي به هذا المعنى "ترقب بكسل" كما أن الفرد غالبًا يتحرك داخل التاريخ، فالرحيل ليس اختيارًا حرًا؛ بل استجابة لنداء غامض :" كانا قد خرجا من بلدتهما تلبيةً لنداءٍ حَطَّ على الدار في تباشير الفجر وغمغم بأن أوان الرحيل قد أزف" .. "شَدَّا الرحال ومشيا بلا هدىً حتى ظهرت في الأفق مدينةٌ تتلوى ونورها مُغوٍ".
هنا تظهر المدينة ليس بوصفها موطنًا ولكن كقوة جذب بفعل الإغواء، وهذا ما تمثله الحداثة من إغراء حضاري، واغتراب روحي مع سقوط الجد من التعب، والذي يمثل انكسار الإنسان التقليدي القادم من الصحراء، أمام التحول الحضاري والأضواء الساطعة. ثم تأتي المفارقة في قول الشاعر: " تقدم الموت ببطء وهما في عز نومهما.. نظرَ مَليَّاً وهز رأسَهُ.. رآهما مخبولان وقعا من شُبَّاك الوهم، تلك الطاقةُ الصغيرةُ التي علَّقتها السماءُ في السقف الفضيِّ لتفرز الأغبياء عن الأذكياء". هنا تكتمل الصورة التي تكشف البنية الفكرية للنص، فالإنسان يعيش على وهم النجاة، والذي يتحرك بوعد قد لا يتحقق. فيرسم لنا النص عدة أفكار رئيسة: الرحيل والهجرة، الحداثة والمدينة مقابل القرية أو الصحراء، الوهم الإنساني والذي يتمثل في المدينة وأضواءها الساطعة والمغرية، وبرغم وهم المدينة لكنها تظل المعنى الذي يخلقه الإنسان ليواصل الحياة، فهي أمل ضروري للاستمرار، وهذا قريب من فكرة كامو عن الإنسان الذي يعيش بفضل الأوهام الضرورية، ومع اقتراب الموت نقترب أكثر إلى عبثية كامو، فالوجود يستمر وفق منطقه الخاص، لا وفق رغبات البشر.
ثم نُطالع "صندوق الفراشات" والذي أيضًا يلعب على ثيمة الزمن، ونأخذ من القصيدة هذه الصور:
كان اليوم صحوًا... أخرجت صندوقي ثم حفرت حفرةً ودفنته...
بعد سنوات أيقنت أن الزمن ضحك علينا..
وأن صندوقي في الأصل كان حكاية عجوز...
بلا حرائق ولا ألوان...
نواصل هنا السرد الشعري التأملي مع رمزية دفن الصندوق، والتي تأخذنا إلى التضحية بالماضي من أجل الاستمرار، أو هو النجاة من الألم كقراءة تأويلية تجعل في الصندوق الكثير من القراءات، لكن المفارقة في "بعد سنوات أيقنت أن الزمن ضحك علينا" فالدفن لم يصل للغاية المطلوبة، بل جعل الماضي أكثر حضورًا مع تبدل الزمن، فمن الطفولة والحياة إلى الشيخوخة والذبول، فالزمن ليس مجرد مرور للأيام؛ بل قوة تسخر من محاولات الإنسان للسيطرة على ذاكرته أو مصيره.
ثم نصل للآخر أوراق أو خبايا هذا الصندوق فيقول:
أنا طائرٌ ولستُ طائرة
أنا فراشةٌ ولستُ قذيفةً
أنا خيالكم المرتعش وسط الحروب..
وهنا نجد التوكيد والنفي مع التكرار " أنا.. لست " ما يمنحان النص إيقاعًا مشحوناً بالدلالة في المقابلة الرمزية بين التوكيد والنفي، بين الإنساني، طائر/ فراشة/ خيال، وبين الاصطناعي الحربي، طائرة/ قذيفة/ حروب، والصورة الأخيرة تحديدًا أكثر شعرية وجمال؛ إذ يتحول "الأنا" إلى مكان مرتعش هش يحتمي فيه الآخرون، حيث يتحول إلى رمز جماعي إنساني مقابل الحروب والخراب.
ومن المفارقة يأتي بعد هذا " صندوق الغياب " بما يحمل من شعرية الاعتراف الداخلي، حيث تبدأ القصيدة بـ " آه أيها الغياب " وهذا الاستهلال يأخذنا إلى الكثير من استهلالات القصيدة العربية، حيث الاستحضار وتشخيص المفهوم المُجرد، فالغياب يتحول إلى مُخاطب حيّ يؤسس لعلاقة وجدانية بين الذات وما تفقده، فيقول الشاعر:
آهٍ أيها الغياب
يبدو أنني قد ارتحتُ منكَ أخيراً
عندما استدرجتُكَ خلف البيت..
كانت الطبيعةُ بكراً
والخلقُ درةٌ تتدلى
من جيدِ حسناءَ هبطت
من الجنةِ
لتبكي معنا أحزاننا..
حيث يجتمع الحسيّ بالأسطوري وهو ما يخلق هلوسات شعرية تخلق توترًا داخل إيقاع القصيدة لأنه مرتبط بالنفس وليس مجرد موسيقى داخلية.
ونأتي إلى "صندوق الضغينة" وربما يكون هو الصندوق المحبب للشاعر والمُرهق لنا؛ لما يحمل من دلالات ورموز ليس من السهل الوصول إليها، ولكن هي مجرد قراءة تحاول تفكيك النص، ليس بالمعنى الذي وصفه دريدا، ولكن هي محاولة تفكيك لتعيد بناء النص دلاليًا حسب مُعطيات جديدة، بعد معرفة رموزه الثقافية والمعرفية.
كانت طريقةُ تعامل القدماء مع الحيوانات
مثيرةً حقاً
فكنا نحبُّ مثلاً سيرة مَلِكٍ كبش
ونتيهُ بآلهةٍ بدون رؤوس
ونولَدُ في بلدةٍ
تعدو في فراء دب..
ماذا لو فعلنا مثلهم
في أيامنا هذهِ
وربطنا أقدامنا بالخيال؟
وكي لا يبدو الأمرُ محرجاً
نبتعد قدر استطاعتنا
عن الروبوت الذي يزاحمنا
في الطرقات
والأشعة التي تهزأُ بشَيْبتنا..
هذا النص أو هذا الصندوق يحيلنا إلى عنوان الديوان، حيث الضغينة تأخذنا إلى حقل دلالي أوسع، يتقاطع فيه الماضي بالحاضر، الحضاري مع البدائي والأسطوري عن طريق فكرة تاريخية مُتخيلة، حيث القدماء والحيوانات والآلهة، والتي تظهر عبر الخيال الأسطوري البدائي بوصفه جزءًا من ذاكرة الإنسان، وهي مرحلة لم تكن فيها الفوارق أو الفواصل واضحة بين هذا وذاك، ثم يأتي التحول الثقافي عبر السؤال: ماذا لو فعلنا مثلهم في أيامنا هذه؟.
هنا يدخل النص في نقد الحداثة؛ فلم تعد الأسطورة هي الخطر، بل الخطر في التكنولوجيا، في الروبوت الذي يزاحمنا في الطرقات، في الأشعة التي تهزأ بشيبتنا، هنا يظهر الروبوت هو الحيوان الجديد الذي صنعه الإنسان، فهو لم يتحرر من البدائية ولكن أعاد إنتاجها بشكل جديد، وهنا تأتي الضغينة بين الإنسان وواقعه وليس بين إنسان وإنسان آخر؛ وذلك عبر السؤال الافتراضي: ماذا لو فعلنا مثلهم؟. وهو ما يعكس قلق الإنسان المعاصر، الذي كان يخاف الحيون ويجعله إله، ثم صار يخاف الآلة التي صنعها، وهنا تتحول الضغينة إلى أثر حضاري في النفس الإنسانية. وهذا يأخذنا إلى فكرة الإنسان ما بعد الإنساني، وتصبح القصيدة تأملًا في تحول العلاقة بين الإنسان وما يخلقه، في الحيوان المؤلّه في الماضي إلى الآلة الذكية في الحاضر والتي أخذت الإنسان من المتن أو مركز الكون إلى الهامش كتابع للتطور التكنولوجي. فالروبوت ليس مجرد آلة بل منافس وجودي يزاحمنا في الطرقات، وبهذا يتحول النص إلى تحذير شعري من لحظة يصبح فيها الإنسان أقرب إلى "الإنسان الأخير" الذي وصفه نيتشه، أو يعيدنا إلى قول أدونيس "ليس الإنسان إلا ما يبتكر" في أغاني مهيار الدمشقي، وقوله أيضًا "نعيش في زمن يخلق الأشياء ويقتل الإنسان".
وبهذا يقوم ديوان " فضائل الضغينة "على مفارقة بين الأخلاق والواقع، فقصائده تكشف عن علامة وعي، وذاكرة تربط الماضي بالحاضر؛ لترصد تحول الإنسان في زمن مضطرب، وتبقى الضغينة صندوقًا يحفظ ما لا يريد الاعتراف به: ضعفه، غيرته، مقاومته للذوبان.
بهذا تُشكل تجربة مؤمن سمير في هذا الديوان تجربة إنسانية شديدة الوعي، بذاكرة الإنسان وواقعه؛ هذا الوعي يكشف الحقيقة العارية للوجود الإنساني لا صورته المثالية.
*صفحة الكاتب النوبي الجنابي على فيسبوك يوم 12 فبراير 2026
*ديوان "فضائل الضغينة"-دار العين- مصر 2026
#مؤمن_سمير (هاشتاغ)
Moemen_Samir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟