أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - حميد إسكندر… الرجل الذي كان يعيد الحياة إلى الآلات















المزيد.....

حميد إسكندر… الرجل الذي كان يعيد الحياة إلى الآلات


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 19:56
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


من الأشياء التي لا تغادر الذاكرة مهما ابتعدت بنا السنوات تلك الوجوه التي ارتبطت بطفولتنا وأصبحت جزءا من تفاصيل المكان. كان اسمه حميد إسكندر لكن قلة من أبناء الخضر كانوا ينادونه بهذا الاسم. فبالنسبة لأغلب الناس كان معروفا باسم (حميد الروسي) حتى إن اللقب أصبح أشهر من الاسم نفسه وبقي ملازما له في أحاديث الناس وذكرياتهم جيلا بعد جيل.
كان بيتنا في منطقة العين مقابل بيت المرحوم حميد الروسي. يومها كنت صغيرا لم أدخل المدرسة الابتدائية بعد. وعندما يتعطل الراديو في البيت كانوا يرسلونني إليه حاملا ذلك الصندوق الأسود الذي كان بالنسبة لنا نافذتنا الوحيدة على العالم.
أطرق الباب وأدخل. كان يجلس في غرفة استقبال متوسطة الحجم وخلفه لوحة كبيرة لخيول تشرب الماء من بحيرة هادئة. لا أعرف لماذا بقيت تلك اللوحة عالقة في ذاكرتي حتى اليوم لكنها كانت جزءا من عالم المرحوم حميد الروسي كما كانت مفكاته وأدواته وقطع الغيار المنتشرة حوله.
لكن وراء لقب (الروسي) حكاية أكبر مما كنا نعرفه ونحن صغارا.
فبحسب شهادة الحقوقي ناظم محسن الركابي وهو من أقارب العائلة فإن حميد إسكندر جاء إلى العراق من روسيا في ظروف استثنائية وتحتفظ العائلة برواية تقول إنه كان طيارا روسيا وإن رجلين من بني ركاب عثرا عليه في البادية وجاءا به إلى الخضر حيث استقر بعد ذلك وتزوج من ابنة جابر الشاوي.

وما يجعل هذه الرواية جديرة بالتحقيق أن حميد نفسه بحسب الشهادة لم يترك أبناءه بلا أثر مكتوب عن ماضيه. فقد دوّن تفاصيل حياته في مجلد احتفظ فيه بمعلومات عن حياته في روسيا والأماكن التي يوجد فيها أهله وأوصى أبناءه بأن من يرغب منهم يوما في الذهاب إلى روسيا فعليه أن يحمل ذلك المجلد معه لكي يستطيع الوصول إلى عائلته هناك.

ويروي ناظم محسن الركابي أن أحد أبناء حميد سأله ذات مرة:
إذا كان بإمكاننا أن نذهب إلى أهلك في روسيا فما الذي منعك أنت من العودة إليهم؟
فكان جوابه يحمل خلاصة القرار الذي حسم بقية حياته حين قال إنه اعتنق الإسلام واقتنع به وإنه كان يخشى أن تؤثر عودته إلى بيئته القديمة في الدين الذي اختاره لنفسه ولذلك اختار أن تكون حياته في العراق ومدفنه فيه.
وتضيف الشهادة جانبا آخر من قصة اندماجه في المجتمع المحلي. فقد كانت له علاقة قوية بالشيخ شعيل آل جودة الذي ضمه إلى عشيرة البو جاولي وشهد رجال منها أمام المحكمة بأنه أحد أفراد العشيرة وهو ما ساعد وفق الرواية المتداولة في العائلة في إجراءات حصوله على الجنسية العراقية.
ولا تزال الحلقة الأهم من هذه القصة تنتظر التحقي فبحسب ناظم محسن الركابي فإن مجلد مذكرات حميد الروسي ما زال محفوظا لدى ابنه ناظم المقيم في محافظة بابل. وإذا أمكن الوصول إلى هذا المجلد فقد يقدم لأول مرة رواية حميد نفسه عن أصله، وحياته قبل الخضر والطريق الذي أوصله إلى العراق. لكن ما بقي في ذاكرة أبناء الخضر لم يكن أصل اللقب بقدر ما بقيت مهارة الرجل وسمعته الطيبة بين الناس.
في ذلك الزمن كانت أدواته تبدو لنا غريبة وعجيبة وكأنها قادمة من عالم آخر. كان يمسك الراديو بعين الخبير لا بعين المصلح العادي. يفتحه بهدوء ويتأمل ما بداخله ثم يبدأ العمل بصبر ودقة. وبعد دقائق ينطلق صوت الإذاعة من جديد، وكأن الرجل أعاد الروح إلى شيء كان ميتا قبل لحظات.
لم تكن مهارته تقتصر على الراديو فقط. فقد عرفه الناس خبيرا بالمكائن والمحركات وكل ما يتعلق بالأجهزة التي تحتاج إلى يد خبيرة وصبر طويل. ولهذا لم يكن غريبا أن يقصده أصحاب المكائن الزراعية وغيرهم من مختلف مناطق الخضر وضواحيها.

الرجل الذي كان (يتحدث) إلى المكائن

ولم تكن شهرة حميد الروسي بين الناس وليدة المصادفة.
فقد نسجت حول خبرته بالمحركات حكايات بقي بعضها يتردد سنوات طويلة. ومن أجملها ما يرويه ناظم محسن الركابي عن ماكينة كان حميد قد أصلحها في إحدى المناطق الريفية.
بعد أن انتهى من إصلاحها وتركها تعمل دعاه صاحبها إلى الغداء في بيته الذي يبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن مكان الماكينة. وأثناء غيابه توقف المحرك عن الدوران فانطلق الحارس إلى حميد ليخبره بما حدث.
لم يعد حميد معه.
بل خلع طاقيته التي كان يرتديها بدلا من الشماغ الذي لم يعتد عليه وسلمها إلى الحارس وقال له ما معناه:
خذ طاقيتي وضعها على الماكينة وقل لها: حميد الروسي يقول لك اشتغلي!
عاد الرجل تلك المسافة ووضع الطاقية فوق المحرك ثم أعاد تشغيله…
فاشتغلت الماكينة.
وانتشرت الحكاية.
وصار بعض أبناء المنطقة يروون بدهشة أن حميد الروسي يستطيع تشغيل المكائن حتى وهو بعيد عنها وأن الماكينة كأنها (تسمع كلامه).
لكن عندما سئل حميد لاحقا عن حقيقة ما حدث لم يقدم تفسيرا سحريا بل تفسير خبير يعرف آلته جيدا.
فقد أدرك أن الحارس احتاج إلى وقت ليقطع ثلاثة كيلومترات حتى يصل إليه ثم ثلاثة أخرى في طريق العودة. وخلال تلك المدة كان المحرك الذي توقف بسبب ارتفاع حرارته قد برد بما يكفي ليعمل من جديد.
وحين عاد حميد عصر ذلك اليوم إلى الماكينة عالج أسباب ارتفاع حرارتها ثم شرح للحارس ما ينبغي فعله إذا تكرر العطل.
وهكذا ولدت واحدة من حكايات حميد الروسي.
ما رآه الناس يومها قدرة غريبة على مخاطبة الآلات لم يكن في الحقيقة إلا خبرة رجل فهم الماكينة إلى الحد الذي استطاع معه أن يشخص عطلها وهو على بعد ثلاثة كيلومترات منها.

وربما تختصر هذه الحكاية سر شهرته كلها:
كان الآخرون يسمعون صوت الماكينة…
أما حميد الروسي فكان يفهم ماذا تقول.
وكان يبدأ يومه منذ الصباح الباكر بين طلبات الناس وحاجاتهم، متنقلا بين الأعطال الصغيرة والمشكلات الكبيرة بينما ترتسم على وجهه تلك الابتسامة الهادئة التي لم تفارقه في أغلب الأوقات.
وحتى اليوم ما زلت أتذكر أخلاقه الرفيعة وطريقته في التعامل مع الناس. كان يختلف عن كثيرين من أبناء جيله بهدوئه وصبره وحسن استقباله للجميع. وربما لهذا السبب بقيت صورته حاضرة في الذاكرة أكثر من كثير من التفاصيل الأخرى.
ومن المواقف التي بقي المرحوم حميد يضحك كلما رآني بسببها ما حدث عندما شرح له أبي ما كنت أفعله بالراديو. فقد كان والدي يتابع مسلسلا إذاعيا اسمه (وردة وبدر) وعندما يحين موعد الحلقة ويكون والدي خارج المنزل كنت أغلق الراديو معتقدا أن المسلسل سيتوقف هو الآخر بانتظار عودته! لم أكن أعرف يومها أن الإذاعة تمضي في طريقها سواء استمعنا إليها أم لم نستمع..
كان تعطل الراديو في تلك السنوات حدثا يربك البيت كله. نشعر وكأننا انقطعنا عن العالم فجأة. لذلك كنا نسارع إلى مصلح الراديو لإعادته إلى العمل بأسرع وقت ممكن. فالراديو لم يكن مجرد جهاز بل كان مصدرا للأخبار والأغاني والبرامج والحكايات التي ترافق يوم العراقيين.
ومع مرور السنين بقي الراديو رفيقا للكثير من العائلات العراقية خصوصا في العقود التي سبقت انتشار القنوات الفضائية والهواتف الذكية. وحتى اليوم ما زلت أحتفظ بأحد أجهزة الراديو القديمة بين الأشياء القليلة التي أحرص على بقائها قريبة مني لأنها تحمل شيئا من زمن لم يعد موجودا.
وفي منتصف التسعينيات سافرت للعمل مدرسا في إحدى قرى صعدة في اليمن. لم تكن هناك كهرباء ولا وسائل راحة كثيرة وكان الفانوس والراديو جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. هناك تذكرت المرحوم حميد الروسي مرات لا تحصى. كنت أصلح الراديو أحيانا وأحاول معالجة أعطاله البسيطة فأستعيد صورته وهو ينحني فوق طاولته المزدحمة بالمفكات والقطع الصغيرة والأسلاك الدقيقة.
كنت أكتشف يومها أن ما بدا لي في طفولتي أمرا عاديا لم يكن عاديا أبدا. فالرجل الذي كان يجلس بهدوء خلف طاولته لم يكن يصلح جهازا فحسب بل كان يحافظ على صلة الناس بالعالم من حولهم.
رحل المرحوم حميد الروسي منذ سنوات طويلة ورحل معه زمن تغيرت بعده مهن كثيرة بفعل التطور التقني. لكن صورته ما زالت حاضرة كلما رأيت راديو قديما أو سمعت صوت إذاعة ينبعث من جهاز تجاوز عمره عشرات السنين.
بعض الناس يرحلون تاركين وراءهم بيوتا أو أموالا أما حميد إسكندر الذي عرفناه جميعا باسم حميد الروسي فقد بقي حاضرا لأنه كان واحدا من أولئك الرجال الذين لا يقاس أثرهم بما امتلكوه بل بما تركوه في قلوب الناس من الذكر الطيب واحترام ومحبة.



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي يجعل الجهلاء أكثر أناقة… لا أكثر علما
- الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم. حين حمل الفرا ...
- تفاصيل زيارة الميس بيل إلى الخضر وأوروك
- الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم
- اللغة حين تتحول إلى استجابة: القصيدة الحسينية نموذجا
- السوق المسقف في قضاء الخضر(الجزءالثاني) مشهد من السوق… حين ك ...
- السوق المسقف في الخضر… ذاكرة المدينة تحت سقف واحد (الجزء الأ ...
- شهادة أعتز بها
- گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع
- ربية الخضرية فوق جبال كردستان
- الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة
- الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر


المزيد.....




- إثيوبيا ترد على تصريحات وزير الري المصري: تجسيد لعقلية -استع ...
- -حماس- ترد على تهديد كاتس بإخلاء مليون فلسطيني من غزة وحديثه ...
- ترامب يهدد إيران ويطرح عليها خيارين لا ثالث لهما
- الدفاع السورية تحبط تهريباً بحرياً من سواحل اللاذقية وتوقف 2 ...
- عرس عشائري في العراق ضم أكثر من ألف ذبيحة يثير جدلاً عبر منص ...
- بعد الفلسطيني.. واشنطن ترفض إعطاء تأشيرة لرئيس عربي آخر وتضع ...
- المغرب يدخل مرحلة الصمت الانتخابي استعدادا لانتخاباته التشري ...
- قاليباف يطلق تصريحات عن الدبلوماسية والاستسلام ودروس تعلمتها ...
- استطلاع رأي: غالبية الألمان تؤيد استقالة المستشار ميرتس بعد ...
- النقل تناشد المواطنين المشاركة في التوعية بضروة الالتزام بعد ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - حميد إسكندر… الرجل الذي كان يعيد الحياة إلى الآلات