أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/3















المزيد.....



في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/3


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 18:04
المحور: الادب والفن
    


الجسد تحت السلطة: من مشاهدة التعذيب إلى اختباره
يحدث واحد من أهم الانقلابات في رواية في انتظار البرابرة عندما يعود الحاكم من رحلته التي أعاد فيها الفتاة إلى قومها. فالحد الذي عبره جغرافياً يتحول فور عودته إلى حد سياسي وأخلاقي يفصله عن العالم الذي كان ينتمي إليه. لقد خرج من البلدة موظفاً في الإمبراطورية، وعاد إليها رجلاً تستطيع الإمبراطورية أن تصفه بالخيانة. ولم يتغير الرجل، بالضرورة، بمقدار ما تغير الاسم الذي تمنحه السلطة له. وهذا التحول يكشف إحدى الحقائق التي ظلت الرواية تعدنا لها منذ بدايتها: ليست الهوية السياسية شيئاً يملكه الفرد وحده؛ فالسلطة التي تمنحه موقعاً تستطيع أيضاً أن تنزع عنه ذلك الموقع وتعيد تصنيفه.
كان الحاكم لأن الإمبراطورية اعترفت به حاكماً. وحين تشك في ولائه يصبح سجيناً.
هذه النقلة أكثر من انقلاب في الحبكة. إنها تجربة عملية لقوة التسمية التي تحدثنا عنها في علاقتها بالبرابرة. فالرجل الذي كان ينتمي إلى نحن يمكن أن يُدفع فجأة نحو هم. وما بدا في البداية فاصلاً ثابتاً بين موظفي الإمبراطورية وأعدائها يظهر الآن بوصفه خطاً ترسمه المؤسسة وتستطيع تحريكه متى شاءت.
لقد رأى الحاكم من قبل أسرى البرابرة، ورأى ما فعله التحقيق بهم، وتأمل جسد الفتاة محاولاً قراءة آثار الألم. لكنه كان في جميع هذه الحالات، مهما بلغ تعاطفه، يقف على الجانب الآخر من التجربة. يستطيع العودة إلى غرفته، ويستطيع أن يأكل وينام، ويستطيع أن ينظر إلى الجرح ثم يصرف نظره عنه. أما الآن، حين يُعتقل، فإن المسافة التي كانت تفصل الناظر عن الجسد تبدأ في الانهيار.
إنه نفسه يصبح جسداً تحت السلطة.
وهذا التعبير مهم، لأن الإمبراطورية لا تعاقبه سياسياً فقط. إنها تبدأ بتجريده من الأشياء التي جعلته شخصاً اجتماعياً محدداً: الوظيفة، والسلطة، والملابس، والخصوصية، وحرية الحركة، والقدرة على التحكم في كيفية ظهوره أمام الآخرين. وما يبقى تدريجياً هو الجسد في حاجاته الأولية: الجوع، والعطش، والنوم، والبرد، والألم، والقذارة.
وهنا يطرح كوتزي سؤالاً شديد القسوة: ماذا يبقى من الهوية حين تسحب المؤسسة جميع الأسماء التي منحتها للإنسان؟
كان الرجل قاضياً وإدارياً وممثلاً للقانون. لكن هذه الكلمات لا تحمي جسده عندما يصبح سجيناً. القانون الذي كان يتحدث باسمه لا يقف الآن بينه وبين السلطة؛ لأن السلطة نفسها هي التي قررت أن تضعه خارج الحماية التي كان يوفرها القانون.
ومن هذه الزاوية تكتسب تجربة السجن معنى يتجاوز العقاب. إنها عملية تفكيك للهوية المدنية. فالإنسان الحديث يعيش محاطاً بأسماء ومواقع: مهنة، ومنصب، وملكية، ومكانة، وحقوق. وحين تنزع السلطة هذه الطبقات واحدة بعد أخرى، يظهر الجسد بوصفه الحد الأخير الذي لا يستطيع الإنسان مغادرته.
ولكن حتى هذا الحد ليس آمناً.
يمكن تجويع الجسد وضربه وتعريته وتعليقه والسخرية منه. ولذلك تصبح السيطرة السياسية، في أقصى صورها، محاولة للوصول إلى المكان الذي ظن الفرد أنه ملكه الأخير: جسده نفسه.
هنا تصبح أفكار فوكو عن الجسد والعقاب مفيدة مرة أخرى، لكن ينبغي ألا نحول تجربة الحاكم إلى مثال نظري جاهز. ما يفعله كوتزي أدبياً هو جعل القارئ يشعر بالتحول في مقياس العالم. كان عالم الحاكم في البداية واسعاً: البلدة، والصحراء، الحفريات، النساء، الحدود، تاريخ الإمبراطورية. داخل السجن يتقلص العالم. يصبح السؤال: متى يأتي الطعام؟ هل يستطيع النوم؟ متى يسمح له بالخروج؟ ماذا يحدث لجسده؟
إن الألم يضيّق الأفق.
وهذه حقيقة مهمة لفهم التعذيب. فالخطابات السياسية الكبرى التي تحيط به — الدولة، الأمن، العدو، الإمبراطورية — يمكن أن تختفي بالنسبة إلى الإنسان الذي يتألم، لأن الألم يفرض حاضره الخاص. الجسد لا يناقش فلسفة الإمبراطورية حين يكون جائعاً أو معلقاً أو مذلولاً ؛ يريد أن يتوقف ما يحدث له.
ومن هنا يبدأ الحاكم في فهم شيء كان يستطيع معرفته سابقاً بوصفه فكرة، لكنه لم يكن يعرفه بوصفه تجربة: الألم قادر على احتلال الوعي.
غير أن كوتزي يرفض تحويل هذه المعرفة الجديدة إلى معادلة مريحة. فليس معنى أن الحاكم تعرض للإذلال أنه أصبح يعرف ما عرفته الفتاة البربرية. وقد كان من السهل على الرواية أن تبني تناظراً كاملاً: رأى التعذيب، ثم تعرض للتعذيب، فأصبح الآن قادراً على فهم الضحية. لكن مثل هذا البناء سيعيد إنتاج الوهم الذي ظلت الرواية تقاومه: وهم أن تجربة الآخر قابلة للامتلاك.
ما يحدث أكثر تواضعاً.
الحاكم لا يكتسب تجربة الفتاة؛ يكتسب تجربته هو للألم.
وهذا الفارق هو الذي يحفظ استقلال الضحية. فالتعاطف لا يقوم على القول: أعرف تماماً ما تشعر به، بل ربما يصبح أكثر صدقاً حين يقول الإنسان: أعرف الآن شيئاً عن الألم، لكنني لا أستطيع أن أدعي أنني أعرف ألمك.
وتبلغ عملية إذلال الحاكم ذروتها حين يتحول جسده إلى مشهد عام. هنا لا يكفي أن تؤلمه السلطة؛ تريد أن تغير معنى جسده أمام الآخرين. وهذه النقلة من الألم الخاص إلى الإذلال العلني بالغة الأهمية، لأن التعذيب السياسي لا يستهدف الضحية وحدها دائماً. أحياناً يكون الجمهور جزءاً من العملية.
يجب أن يرى الآخرون.
لكن ماذا يجب أن يروا؟
يريد النظام أن يروا رجلاً كان صاحب سلطة وقد أصبح عاجزاً. الرسالة لا تتعلق بالحاكم وحده: إذا كان ممثل الإمبراطورية السابق يستطيع أن ينتهي إلى هذه الحالة، فإن حدود المسموح واضحة للجميع. الجسد المعاقَب يصبح رسالة سياسية.
وهنا تتقاطع تجربة الحاكم مع مشهد الأسرى الذي ناقشناه سابقاً. فحين عرض جول الأسرى وأهانهم أمام الناس، لم يكن يعاقبهم وحدهم؛ كان يعلم الجمهور كيف ينبغي أن يراهم. والآن يصبح الحاكم نفسه موضوعاً لنظرة مشابهة.
من هنا نستطيع أن نفهم أن العقاب العلني يعمل في اتجاهين: إنه يكتب على جسد المعاقَب معنى، ويعلم المشاهدين كيف يقرأون ذلك المعنى.
لكن ثمة مفارقة. فالسلطة تريد أن تجعل الحاكم مثيراً للسخرية، إلا أن الإذلال يستطيع أن يكشف شيئاً آخر: مقدار ما تحتاج إليه السلطة من العنف لكي تحافظ على صورتها.
إن الرجل الأعزل لا يشكل خطراً عسكرياً حقيقياً. ومع ذلك ينبغي كسره.
لماذا؟
لأن التحدي الذي يمثله لم يعد عسكرياً. إنه تحدٍ لسردية الإمبراطورية. لقد عبر الحدود، وأعاد امرأة إلى قومها، وبدأ يتكلم ضد التعذيب. وبذلك أصبح وجوده نفسه دليلاً على أن موظفاً من داخل النظام يستطيع أن يشك في القصة التي يرويها النظام عن عدوه.
ولهذا يصبح الكلام خطيراً.
لكن المثير أن الحاكم، عندما يحاول الاعتراض، يكتشف أيضاً حدود اللغة. كيف يشرح لمن قبلوا منطق الإمبراطورية أن ما يرونه خطأ؟ كيف يتحدث عن العدالة داخل نظام أعاد تعريف العدالة باعتبارها حماية الإمبراطورية؟
هذه إحدى أكثر المعضلات عمقاً في الرواية: ماذا تفعل اللغة حين تستولي السلطة على الكلمات نفسها؟
إذا كانت السلطة تسمي الأسرى أعداء، والحملة دفاعاً، والتعذيب تحقيقاً، والاعتراض خيانة، فليس الصراع بين أفعال مختلفة فقط، بل بين معاني الكلمات التي تستخدم لوصف هذه الأفعال.
وهنا يعود موضوع اللغة إلى قلب الرواية. فالإمبراطورية لا تضرب فقط؛ إنها تسمي الضربة. ولا تسجن فقط؛ إنها تنتج تفسيراً للسجن. ولا تخشى الآخر فقط؛ إنها تنتج خطاباً يجعل خوفها عقلانياً في نظر من يعيشون داخلها.
لذلك فإن مقاومة الحاكم تبدأ، في أحد مستوياتها، بمحاولة استعادة المعنى.
حين يعترض على ما يحدث للأسرى، فإنه لا يقول فقط إن هذا الفعل مؤلم، بل يشكك في الاسم الذي منحته المؤسسة له. ما تسميه ضرورة قد يكون وحشية. وما تسميه عدواً قد يكون إنساناً لم يفعل ما يُتهم به. وما تسميه حماية قد يكون صناعة للخطر الذي تزعم أنها تمنعه.
وهنا يقترب الحاكم من اكتشاف أكثر إزعاجاً: ربما لا توجد إمبراطورية طيبة خلف جول يمكن العودة إليها. ربما كانت رغبته السابقة في إمبراطورية هادئة وعادلة نوعاً من الحنين إلى صورة لم توجد إلا لأنه كان محمياً من رؤية الثمن الذي يدفعه الآخرون.
وهذا الاكتشاف مؤلم لأنه يحرمه من حل سهل. لو كان جول مجرد موظف فاسد، لاستطاع الحاكم أن يتمسك بالمؤسسة ضد ممثلها السيئ. لكن إذا كان جول يكشف منطقاً كامناً في الإمبراطورية نفسها، فإن الاعتراض على جول يبدأ في التحول إلى سؤال عن النظام بأكمله.
وهنا تصبح عبارة الإمبراطورية أكثر من اسم سياسي. إنها طريقة في التعامل مع الزمن أيضاً.
فالإمبراطورية تريد البقاء.
هذه الرغبة تبدو بديهية: كل نظام يريد أن يستمر. لكن كوتزي يكشف ما يحدث حين يصبح الاستمرار قيمة تعلو على كل قيمة أخرى. إذا كان بقاء الإمبراطورية هو الخير الأعلى، فإن أي فعل يمكن أن يصبح مشروعاً إذا قُدم بوصفه ضرورياً لهذا البقاء.
عندئذ تصبح العدالة مشروطة بالأمن، والرحمة مشروطة بالاستقرار، والحقيقة مشروطة بما تحتاج إليه السلطة لكي تستمر.
وهذا ما يجعل خوف الإمبراطورية من البرابرة مرتبطاً بخوف أعمق: الخوف من الزمن.
فالبرابرة ليسوا الخطر الوحيد. ثمة خطر لا تستطيع الجيوش هزيمته: أن الإمبراطوريات نفسها زائلة.
وهنا تعود الحفريات والآثار القديمة إلى مركز المقالة. كان الحاكم، قبل أزمته، يستخرج من الأرض بقايا أناس عاشوا قبل الإمبراطورية. وربما لم يدرك في البداية المعنى السياسي الكامن في هوايته. فكل أثر قديم يقول، بصمت، إن النظام القائم ليس بداية التاريخ.
وسيقول أيضاً إنه ليس نهايته.
الأرض التي تدعي الإمبراطورية ملكيتها تحمل في باطنها دليلاً على أنها وصلت متأخرة.
وهذا يجعل الآثار نقيضاً عميقاً للخطاب الإمبراطوري. فالسلطة تتحدث بلغة الحاضر الدائم: نحن النظام، نحن القانون، نحن الذين نرسم الحدود. أما الأرض فتتحدث بلغة زمن أطول: كان هنا آخرون قبلكم، وسيأتي آخرون بعدكم.
ولذلك ربما يكون اهتمام الحاكم بالآثار، الذي بدا في البداية نشاطاً خاصاً بريئاً، جزءاً من حساسية تجعله أقل قدرة من جول على الإيمان بأبدية الإمبراطورية. جول يعيش داخل زمن الطوارئ: الخطر الآن، ويجب أن نتصرف الآن. أما الحاكم فيحفر في زمن يمتد إلى ما قبل المؤسسة التي يخدمها.
وهذا الاختلاف في الزمن أساسي.
الإمبراطورية تخشى المستقبل لأن البرابرة قد يأتون.
والحاكم ينظر إلى الماضي فيكتشف أن إمبراطوريات أخرى قد ذهبت.
بين الخوف من المستقبل وذاكرة الماضي تتصدع أسطورة الحاضر الأبدي.
وهنا تبدأ الرواية في التحول من سؤال السلطة إلى سؤال الزمن. لماذا تنتظر الإمبراطورية البرابرة أصلاً؟ ولماذا يصبح وصولهم المتوقع قادراً على إعادة تنظيم حاضرها كله؟ ماذا يحدث حين يعيش مجتمع بأكمله تحت سلطة مستقبل لم يقع؟
هذه الأسئلة تقودنا مرة أخرى إلى كلمة كوتزي الحاسمة: الانتظار.
فالرواية ليست بعنوان البرابرة، ولا الإمبراطورية، ولا الحرب على الحدود، وإنما في انتظار البرابرة. والفرق هائل. مركز الرواية ليس العدو وحده، بل الزمن الذي نصنعه ونحن ننتظره.
وإذا كان الجسد قد كشف للحاكم حقيقة السلطة، فإن الزمن سيكشف له حقيقة الإمبراطورية: النظام الذي يخشى نهايته قد يبدأ، بسبب خوفه من النهاية، في صناعة الشروط التي تقربها.
ومن هنا سننتقل إلى المحور التالي، حيث نجمع للمرة الأولى بين المكان والآثار والزمن والانتظار، ونعود بصورة أعمق إلى قصيدة كفافيس التي أخذت الرواية منها عنوانها.
انتظار البرابرة: المكان والآثار والزمن والخوف من النهاية
ليس اختيار كلمة انتظار في عنوان رواية كوتزي تفصيلاً لغوياً يمكن المرور عليه سريعاً، لأن الرواية لا تدور، في جوهرها، حول حرب تقع بين الإمبراطورية والبرابرة بقدر ما تدور حول مجتمع يبدأ في تغيير نفسه استعداداً لحرب يتوقع وقوعها. وهذا الفارق هو الذي يمنح الرواية كثيراً من قوتها الفلسفية: ما يحكم الناس ليس حدثاً وقع بالفعل، وإنما مستقبل متخيَّل. البرابرة سيأتون، أو قد يأتون، أو ربما يخططون للمجيء؛ وهذه الاحتمالات تكفي لكي يصبح المستقبل قوة سياسية فاعلة في الحاضر.
الانتظار، بهذا المعنى، ليس حالة سلبية. فالناس الذين ينتظرون لا يقفون ساكنين. إنهم يستعدون، ويخافون، ويجمعون المعلومات، ويعيدون تصنيف الأشخاص، ويقبلون إجراءات ربما لم يكونوا ليقبلوها في زمن آخر. وهكذا يستطيع حدث لم يقع بعد أن ينتج وقائع حقيقية: اعتقالات حقيقية، وتعذيباً حقيقياً، وحملات عسكرية حقيقية، وخوفاً حقيقياً.
وهنا تقع واحدة من المفارقات الكبرى في الرواية: المستقبل الوهمي أو غير المؤكد يستطيع أن ينتج ألماً حاضراً لا شيء وهمياً فيه.
فالأسير الذي يتعرض للتعذيب بسبب معلومات عن هجوم محتمل يشعر بألم حقيقي، حتى لو لم يكن الهجوم موجوداً إلا في مخيلة المؤسسة. والفتاة التي تحمل آثار التحقيق على جسدها لا تحمل آثار احتمال، وإنما آثاراً مادية صنعتها سياسة قامت على ذلك الاحتمال. ولذلك فإن كوتزي لا يسأل فقط كيف تسيطر السلطة على المكان، بل كيف تستطيع أن تسيطر على الزمن: تجعل المستقبل المتوقع حجة للحاضر.
وهنا يصبح مفهوم الخطر شديد الأهمية. فالخطر يختلف عن الحدث؛ إنه شيء لم يقع بعد، ولذلك لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع واقعة مكتملة. ومن هذه الفجوة يدخل الخوف. ما دام المستقبل غير معروف، يمكن أن تُملأ مساحته بصور كثيرة، وغالباً ما تكون الصورة الأكثر إخافة هي الأكثر قدرة على حشد الناس.
لكن الإمبراطورية في رواية كوتزي لا تخشى المستقبل وحده. إنها تخشى أيضاً شيئاً أعمق لا تعترف به صراحة: أن يكون لها مستقبل تنتهي فيه.
وهنا تتصل فكرة الانتظار بالحفريات التي شغلت الحاكم. لقد بدا اهتمامه بالآثار في البداية بعيداً عن الأزمة السياسية، كأنه هواية رجل يريد أن يملأ سنواته الهادئة على الحدود. غير أن هذا الاهتمام يصبح، مع تقدم الرواية، جزءاً من بنيتها العميقة. فالحاكم ينظر إلى الأرض بطريقة تختلف عن نظرة الإمبراطورية إليها. بالنسبة إلى السلطة، الأرض إقليم: مساحة داخل الحدود أو خارجها، موقع يمكن حمايته أو احتلاله، طريق يمكن أن تمر عبره الجيوش. أما بالنسبة إلى الحاكم، فهي أيضاً طبقات من الزمن.
حين يحفر في الأرض، يكتشف أن الحاضر ليس سطحاً مطلقاً. تحته حيوات أخرى، وأشياء أخرى، وكتابات أخرى. أناس عاشوا هنا قبل الإمبراطورية وتركوا علامات لا تزال موجودة بعد زوال عالمهم.
وهذا الاكتشاف يحمل معنى سياسياً حتى لو لم يقصده الحاكم في البداية. فكل أثر قديم يقوض بصمت وهم السلطة القائلة إن نظامها هو الشكل الطبيعي والنهائي للعالم. الإمبراطورية تستطيع أن ترسم حدوداً على سطح الأرض، لكنها لا تستطيع أن تمحو حقيقة أن الأرض نفسها أقدم من حدودها.
ويمكن أن نذهب أبعد: الحفريات تضع الحاكم أمام نوع من الزمن لا تستطيع الإمبراطورية التحكم فيه. فالأوامر العسكرية تنتمي إلى زمن عاجل: الآن، فوراً، قبل أن يهاجم البرابرة. أما الآثار فتنتمي إلى زمن طويل لا تعني فيه سنوات حكم الإمبراطورية إلا طبقة صغيرة بين طبقات كثيرة.
ولهذا يوجد في الرواية صراع خفي بين زمنين: زمن الطوارئ وزمن الآثار.
زمن الطوارئ يقول إن اللحظة الراهنة استثنائية وإن بقاء النظام يتوقف على ما نفعله الآن. أما زمن الآثار فيقول إن كل الآن سيتحول يوماً إلى ماضٍ.
جول يعيش بالكامل تقريباً داخل الزمن الأول. الحاكم، بسبب اهتمامه بالماضي، يمتلك منفذاً إلى الثاني. وهذا ربما أحد الأسباب العميقة التي تجعله أقل استعداداً للإيمان بيقين جول. فمن اعتاد النظر إلى بقايا حضارات انتهت يصعب عليه أن يتعامل مع الإمبراطورية القائمة كما لو أنها قدر أبدي.
لكن الحاكم نفسه لا يستطيع قراءة العلامات القديمة قراءة يقينية. فالألواح التي يعثر عليها تحمل إشارات يحاول تفسيرها، لكنه لا يملك اللغة التي تضمن له الوصول إلى معناها الأصلي. وهذا العجز، الذي ناقشناه سابقاً بوصفه موازياً لعجزه عن قراءة الفتاة، يكتسب هنا بعداً زمنياً: الماضي موجود، لكنه لا يصبح شفافاً لمجرد أننا وجدنا آثاره.
والأمر نفسه ينطبق على المستقبل. الإمبراطورية ترى علامات وتفسرها باعتبارها أدلة على هجوم قادم، لكنها لا تملك المستقبل لكي تتحقق من قراءتها. الحاكم عاجز عن قراءة الماضي كاملاً، وجول يدعي القدرة على قراءة المستقبل كاملاً. وبين العجز الأول واليقين الثاني يحدد كوتزي موقفين من المعرفة.
الأول يقول: ثمة علامات، لكنني قد أخطئ في تفسيرها.
والثاني يقول: العلامات تعني ما أعرف مسبقاً أنها تعنيه.
ولعل هذا أحد الأسباب التي تجعل شخصية الحاكم، رغم جميع تناقضاتها، مفتوحة على التحول الأخلاقي، بينما يبقى جول أسير يقينه. فالشك يستطيع أن يكون بداية للمساءلة، أما اليقين المغلق فيحول كل دليل إلى تأكيد لما يعرفه صاحبه مسبقاً.
ومن هنا نصل إلى قسطنطين كفافيس، الذي لا ينبغي التعامل مع قصيدته في انتظار البرابرة باعتبارها مجرد المصدر الذي استعار منه كوتزي عنوان روايته. الصلة بين العملين أعمق بكثير، لأنها تمس السؤال نفسه: لماذا يحتاج مجتمع إلى البرابرة؟
في قصيدة كفافيس نواجه مدينة تنتظر وصول البرابرة. تعطلت الحياة السياسية تقريباً لأن الجميع ينتظرونهم: السلطة تستعد لاستقبالهم، والمجتمع ينظر نحو وصولهم المتوقع، حتى يصبح مجيئهم هو الحدث الذي سيمنح اليوم معناه. ثم يأتي الخبر بأن البرابرة لم يأتوا.
وتنتهي القصيدة بالسؤال المرير عن مصير مجتمع كان البرابرة يمثلون بالنسبة إليه نوعاً من الحل.
هذه المفارقة هي التي يلتقطها كوتزي ويحولها إلى عالم روائي كامل. فالبرابرة ليسوا مشكلة الإمبراطورية فقط؛ إنهم أيضاً شيء تحتاج إليه. وجودهم يمنح الحدود معناها، ويمنح الجيش ضرورته، ويمنح الخوف موضوعه، ويمنح الإمبراطورية تعريفاً لنفسها.
من دون هم، ماذا يبقى من نحن؟
هذا السؤال أكثر عمقاً من السؤال العسكري. فالهوية السياسية تستطيع أن تُبنى إيجابياً على ما تؤمن به الجماعة، لكنها تستطيع أيضاً أن تُبنى سلبياً على ما تقول إنها ليست إياه. نحن متحضرون لأنهم برابرة. نحن منظمون لأنهم فوضويون. نحن أصحاب القانون لأنهم يمثلون الخطر.
وبذلك يصبح الآخر جزءاً ضرورياً من تعريف الذات.
والمفارقة أن الإمبراطورية تحتاج إلى إبقاء البرابرة على مسافة محددة: قريبين بما يكفي لكي يظل الخوف منهم معقولاً، وبعيدين بما يكفي لكي تبقى صورتهم قابلة للتخيل. لو عرفهم سكان البلدة معرفة يومية كاملة، ربما أصبحت الصورة المطلقة عن البربري أصعب في الحفاظ عليها.
فالمسافة تساعد الخيال.
ولهذا فإن الحدود لا تفصل الناس فقط؛ إنها تنتج معرفة مخصوصة عن الذين يوجدون على جانبيها. من يقف هنا يستطيع أن يتخيل من يقف هناك، وكلما قل الاحتكاك المباشر ازدادت قدرة الصور الموروثة والخطابات الرسمية على ملء الفراغ.
لكن كوتزي يضيف إلى مفارقة كفافيس عنصراً شديد القتامة. فإذا لم يأت البرابرة، تستطيع الإمبراطورية أن تذهب إليهم.
وهذا ما تفعله الحملة العسكرية.
فالانتظار الذي لم يحقق موضوعه يتحول إلى حركة. بدلاً من أن يبقى الجيش خلف الحدود منتظراً الهجوم، يخرج لكي يبحث عن العدو الذي قيل إنه قادم. وهنا يحدث انقلاب أخلاقي وسياسي: الحملة التي تقدم نفسها بوصفها دفاعاً عن الإمبراطورية تتحرك خارج فضائها بحثاً عن الخطر.
إنها لا تنتظر الدليل؛ تذهب لإنتاجه.
وتعود هنا الحلقة التي رأيناها في التعذيب، لكن على مستوى الجغرافيا. في غرفة التحقيق كانت السلطة تضغط على الجسد حتى ينتج الاعتراف الذي يؤكد الشبهة. وفي الصحراء تتحرك القوة العسكرية حتى تجد المقاومة التي تستطيع أن تقدمها بوصفها دليلاً على عداء البرابرة.
وبذلك يصبح التعذيب والحملة العسكرية عمليتين متوازيتين: كلتاهما تبحث عن حقيقة افترضتها مسبقاً.
والنتيجة الأكثر مأساوية أن العنف يستطيع أن يصنع العدو الذي كان يخشاه. الجماعات التي ربما لم تكن تخطط للهجوم لديها الآن أسباب ملموسة للعداء: اعتُقل أفراد منها، وعُذبوا، وأُهينوا، وغزت القوات مناطقهم. فإذا قاوموا لاحقاً تستطيع الإمبراطورية أن تشير إلى مقاومتهم باعتبارها إثباتاً على صحة مخاوفها الأولى.
وهكذا يتحول الانتظار إلى نبوءة تسهم في تحقيق نفسها.
لكن الطبيعة في الرواية تبدو غير مكترثة بهذه الدائرة البشرية. الفصول تتغير، والشتاء يأتي، والثلج يغطي الأرض، والطقس يفرض قوانينه على الجيوش والمدن معاً. وهذه نقطة لا ينبغي إغفالها، لأن الزمن الطبيعي يشكل خلفية مضادة للزمن السياسي.
الإمبراطورية تعلن الطوارئ.
الشتاء لا يعرف شيئاً عن الطوارئ.
تتحدث السلطة عن التاريخ والمصير والأعداء، بينما يتعين على البشر أن يأكلوا وأن يتدفأوا وأن يجدوا ما يكفيهم للبقاء. ومع تعثر الحملة العسكرية وعودة الخوف إلى البلدة يتضح أن القوة التي بدت هائلة أمام الأسرى ليست مطلقة أمام الصحراء والمسافة والبرد.
وهنا تنكشف هشاشة الإمبراطورية من زاوية جديدة. لقد اعتقدت أنها تستطيع السيطرة على المكان لأنها رسمت حدوده، لكنها تكتشف أن رسم المكان ليس امتلاكاً له. تستطيع الخريطة أن تضع خطاً عبر الصحراء، لكن الخط لا يوفر الطعام للجندي ولا يحميه من الشتاء ولا يجعل الأرض مألوفة له.
أما البرابرة، الذين صورتهم الإمبراطورية بوصفهم خارج النظام، فإن علاقتهم بالمكان مختلفة. ليس ضرورياً أن نجعل منهم صورة رومانسية للانسجام مع الطبيعة؛ كوتزي أكثر حذراً من هذا النوع من التقابل البسيط. لكن الرواية توضح أن معرفة الأرض ليست موزعة بالتساوي بين الطرفين. القوة العسكرية تستطيع أن تملك السلاح، لكنها لا تملك بالضرورة المعرفة التي تأتي من العيش الطويل في المكان.
وبهذا يعود المكان نفسه ليفكك ثنائية الحضارة والبربرية. من هو الجاهل هنا؟ من يعرف كيف يعيش في الأرض، أم من يحتاج إلى جيش لكي يعبرها؟
ثم يأتي السؤال الأشد عمقاً: ماذا تريد الإمبراطورية في النهاية؟
تريد البقاء.
وهنا تصبح علاقتها بالزمن مأساوية. فكل إمبراطورية، مهما بلغت قوتها، محكومة بالحقيقة التي كشفتها آثار الحاكم: ستصبح يوماً ماضياً. ولذلك فإن حلم الإمبراطورية النهائي ليس السيطرة على البرابرة فقط، وإنما الانتصار على الزمن نفسه.
لكن ذلك مستحيل.
ومن هنا نستطيع أن نقرأ خوفها المفرط من البرابرة بوصفه، في مستوى أعمق، خوفاً من النهاية. البرابرة يمثلون الاحتمال الذي لا تستطيع السيطرة عليه، والمستقبل الذي لا تستطيع ضمانه، والعالم الذي يمكن أن يستمر بعد انتهاء عالمها.
إنها لا تخاف فقط أن يدخل البرابرة المدينة.
إنها تخاف أن يأتي زمن لا تعود فيه المدينة إمبراطورية.
وعندئذ يصبح الانتظار حالة وجودية بقدر ما هو حالة سياسية. الإنسان يعرف أنه فانٍ، والإمبراطورية، وإن لم يكن لها وعي فردي، تتصرف كأنها تريد نفي فناء نظامها. تبني الحدود، وتكتب القوانين، وترسل الجيوش، وتؤرشف المعرفة، وتحاول تحويل الحاضر إلى شيء دائم.
لكن تحت أقدامها توجد الآثار.
وهذه الصورة ربما تكون من أجمل المفارقات التي تسمح بها الرواية: فوق الأرض سلطة تتصرف كأنها نهاية التاريخ، وتحت الأرض بقايا سلطات وعوالم ربما تصرفت بالطريقة نفسها.
ومن هنا يصبح عمل الحاكم في الحفر أكثر من هواية. إنه، من دون أن يقصد في البداية، يحفر في مقبرة وهم الأبدية.
ولهذا أيضاً تختلف علاقته بالزمن عن علاقة جول. جول يريد الحقيقة الآن، والاعتراف الآن، والانتصار الآن. أما الحاكم فقد تعلم من الآثار أن المعنى قد يظل غامضاً قروناً، وأن الإنسان يستطيع أن يقف أمام علامة من دون أن يمتلك تفسيرها النهائي.
وبهذا نصل إلى مفارقة الرواية المركزية مرة أخرى: الرجل الذي يعرف أقل قد يكون، في النهاية، أقرب إلى الحقيقة من الرجل الذي يدعي أنه يعرف كل شيء.
ليس لأن الجهل فضيلة، وإنما لأن الاعتراف بحدود المعرفة يمنع الإنسان من تحويل تفسيره إلى سلاح.
وهنا تلتقي المعرفة بالأخلاق.
الإمبراطورية لا ترتكب العنف لأنها تعرف البرابرة معرفة كاملة؛ ترتكبه لأنها تعتقد أن صورتها عنهم كاملة بما يكفي لكي تبرر العنف.
وهذا يجعل سؤال الرواية أكثر تعقيداً من مجرد إدانة الاستعمار. إنها تسأل عن اللحظة التي يتحول فيها التفسير إلى يقين، واليقين إلى تصنيف، والتصنيف إلى خوف، والخوف إلى عنف.
ثم يأتي التاريخ ليكشف أن النظام الذي فعل كل ذلك لم يكن أبدياً في النهاية.
وهنا يصبح العنوان كله قابلاً للقراءة بطريقة جديدة. في البداية اعتقدنا أن الإمبراطورية تنتظر البرابرة. لكن بعد ما شهدناه يمكن أن نسأل: هل كانت تنتظر البرابرة حقاً، أم كانت تنتظر نهايتها وقد أعطت تلك النهاية اسم البرابرة؟
ربما كان البرابرة الاسم الذي تمنحه الإمبراطورية لكل مستقبل لا تستطيع السيطرة عليه.
وهذه القراءة تعيدنا إلى كفافيس بصورة أكثر عمقاً. حين لا يأتي البرابرة في القصيدة تنشأ أزمة، لأن المجتمع يفقد الحل الذي كان ينتظره. أما عند كوتزي، فالإمبراطورية لا تستطيع تحمل غيابهم؛ ولذلك تنتج حضورهم في خطابها، وفي أجساد الأسرى، وفي الحملات التي ترسلها بحثاً عنهم.
إنها تحتاج إليهم لكي تستمر في معرفة نفسها.
لكن حين تبدأ الحملة بالفشل، وحين يقترب الشتاء، وحين تتزعزع حياة البلدة، تبدأ المفارقة النهائية في الظهور: الإجراءات التي اتخذتها الإمبراطورية لكي تحمي نظامها أصبحت هي نفسها سبباً في اضطراب ذلك النظام.
الخوف من الانهيار يبدأ في إنتاج الانهيار.
والانتظار يبدأ في استهلاك الذين ينتظرون.
وهنا يلتقي الزمن السياسي بالزمن الأخلاقي للرواية. لم يعد السؤال متى سيأتي البرابرة، بل ماذا أصبحنا نحن أثناء انتظارهم.
وهذا ربما يكون السؤال الأكثر خطورة الذي يتركه كوتزي لنا: إذا كان انتظار العدو يجعل المجتمع يعذب ويهين ويخاف ويشك ويتخلى عن قيمه، فماذا سيبقى من الحضارة التي يقول إنه يحميها حين يصل العدو أخيراً؟
وربما لا يحتاج البرابرة إلى الوصول أصلاً.
فقد تكون الإمبراطورية قد أنجزت، في انتظارهم، العمل الذي كانت تخشى أن ينجزوه.
من كفافيس إلى درويش و كوتزي: من هم البرابرة؟
لكن صورة البرابرة لم تتوقف عند كفافيس و كوتزي، بل وجدت صدى لافتاً في شعر محمود درويش، وخصوصاً في قصيدته سيأتي برابرة آخرون التي وردت في ديوان ورد أقل. وقد لفت النقد إلى الحوار التناصي الواضح الذي تقيمه القصيدة مع في انتظار البرابرة لكفافيس، بل وإلى حضور رواية كوتزي أيضاً في الخلفية الثقافية لهذا الحوار. وهكذا نكون أمام انتقال مثير لصورة واحدة بين ثلاثة عوالم أدبية مختلفة: كفافيس يجعل المجتمع ينتظر البرابرة لأنه يحتاج إليهم، و كوتزي يحول الانتظار إلى منظومة سياسية تنتج الخوف والتعذيب، أما درويش فيعيد الصورة إلى تاريخ الحروب المعاصرة، حيث يصبح السؤال ليس فقط من هم البرابرة، بل من الذي يملك سلطة إطلاق هذا الاسم، ومن يدفع ثمن الأساطير التي تُصنع باسمهم.
في سيأتي برابرة آخرون لا يستعيد درويش صورة البرابرة بوصفها استعارة جاهزة للغزاة، وإنما يضعها داخل سلسلة من الحروب والأساطير التي تتكرر فيما يدفع البشر العاديون ثمنها. يستحضر الإمبراطور والحملة العسكرية وهيلين وحرب طروادة وهوميروس، لكنه يزعزع البطولة التي اعتدنا أن نقرأ بها هذه الحكايات. فبدلاً من النظر إلى التاريخ من موقع الإمبراطور أو القائد أو الشاعر الذي يخلّد المنتصرين، يسأل عن أولئك الذين تتحول أجسادهم إلى مادة للحرب بينما تُكتب الملحمة باسم شخص آخر. وقد عبّر درويش لاحقاً عن هذا الموقف بصورة شديدة الدلالة عندما قال، في حوار عن القصيدة، إننا عرفنا صوت هوميروس، لكننا لم نسمع رواية طروادة؛ أي إن التاريخ الذي يصل إلينا ليس بريئاً من موقع من يرويه.
وهنا يلتقي درويش بكوتزي عند نقطة عميقة. فكلاهما يشك في القصة التي ترويها السلطة عن عدوها. الإمبراطورية عند كوتزي تقول إن البرابرة يهددونها، ولذلك ترسل الجنود وتعذب الأسرى وتطالب الجميع بتصديق روايتها. أما عند درويش، فإن الأسطورة السياسية والعسكرية تستطيع أن تجعل آلاف البشر يدفعون ثمن حكاية صاغها الأقوياء. وفي الحالتين يصبح السؤال الأخلاقي متعلقاً بمن بقي خارج الرواية الرسمية: الأسير الذي لا نسمع صوته، والفتاة التي يحمل جسدها آثار التعذيب، والضحايا الذين تختفي أسماؤهم وراء أسماء الحروب والقادة والأبطال.
غير أن الصلة تصبح أكثر إثارة حين نضع النصوص الثلاثة بعضها بجانب بعض. عند كفافيس ينتظر الناس البرابرة، ثم يكتشفون أنهم لم يأتوا، فتظهر المفارقة: ماذا سيفعل المجتمع بعد أن فقد الآخر الذي كان يحتاج إليه لكي يحل أزمته؟ وعند كوتزي تتحول هذه الحاجة إلى آلية سلطوية: إذا لم يصل العدو، يمكن للإمبراطورية أن تبحث عنه، وأن تستجوبه، وأن تصنع الأدلة على وجوده، بل وأن تنتج بعنفها العداء الذي كانت تزعم أنها تخشاه. أما درويش فيدفع صورة البرابرة إلى فضاء الحروب الحديثة، حيث لا تتوقف الأسطورة عند غزو واحد، لأن برابرة آخرين يستطيعون دائماً أن يظهروا ما دامت آلة الحرب قادرة على إعادة إنتاج الحكاية نفسها بأسماء جديدة. وتؤكد الدراسات النقدية أن هذا الحوار مع كفافيس عنصر بنيوي في القصيدة الدرويشية، وليس مجرد تشابه عرضي في المفردة.
وبذلك تتغير دلالة البربري كلما انتقلت الكلمة من شاعر إلى روائي ومن زمن إلى آخر. لم تعد المسألة البحث عن شعب يمكن أن نضع عليه هذه الصفة، بل مساءلة الصفة نفسها: من الذي يسمي الآخر بربرياً، ولماذا يحتاج إلى هذه التسمية؟ وربما هنا يلتقي كفافيس و كوتزي ودرويش في أكثر أسئلتهم إزعاجاً: ليست المشكلة دائماً أن البرابرة يقفون وراء الأسوار، بل أن المجتمع قد يحتاج إلى تخيلهم هناك لكي يفسر خوفه، أو يبرر حروبه، أو يؤجل مواجهة أزماته الداخلية. وعندئذ لا يعود السؤال: متى سيأتي البرابرة؟ بل يصبح: ماذا لو كان انتظار البرابرة واحداً من الأساطير التي تصنع بها السلطة تاريخها؟
Reuven Snir, “‘Other Barbarians Will Come’: Intertextuality, Meta-Poetry, and Meta-Myth in Maḥmūd Darwīsh’s Poetry,” in Hala Khamis Nassar and Najat Rahman (eds.), Mahmoud Darwish, Exile’s Poet: Critical Essays, Northampton, MA: Interlink Books, 2008, pp. 123–166.
Constantine P. Cavafy, “Waiting for the Barbarians,”
ضمن الأعمال الشعرية المترجمة إلى الإنجليزية في طبعات متعددة. تقوم الصلة الأساسية هنا على المفارقة الختامية في قصيدة كفافيس: المجتمع الذي جعل البرابرة حلاً لأزمته يواجه فراغاً حين لا يصلون.
David Attwell, J. M. Coetzee: South Africa and the Politics of Writing, Berkeley: University of California Press, 1993.
Michael Valdez Moses, “The Mark of Empire: Writing, History, and Torture in Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” The Kenyon Review, Vol. 15, No. 1, 1993, pp. 115–127.
Dominic Head, J. M. Coetzee, Cambridge: Cambridge University Press, 1997.
David Attwell, J. M. Coetzee: South Africa and the Politics of Writing, Berkeley: University of California Press, 1993.



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
- قصص همنغواي القصيرة/2
- قصص همنغواي القصيرة /1
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-4
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-3


المزيد.....




- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع م ...
- لقاءات بجاية السينمائية: سينما الأمس لإضاءة سينما اليوم
- فنانة مصرية قديرة تعتزل الفن وتطالب الفنانين بعدم الاتصال به ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد فرع جامع ...
- كيف تُبنى بيئة فنية متجددة في الشرق الأوسط؟
- بين الفن والبرلمان وذكرى رامز.. روزينا لاذقاني تروي حكاية مر ...
- داخل منزل يتحول إلى متحف حي للثقافة والإبداع في قلب أبوظبي
- كيف يبرز -كونغرس العربية والصناعات الإبداعية- مستقبل اللغة ا ...
- الموسيقى تتصدر نقاشات منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ
- معرض -سلالة- يوثق إرث عائلة ارتبطت بمسرح موسكو للفنون


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/3