|
|
حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية آشور شواهد وقبور للكاتب داود سلمان عجاج اعداد شفاء داود سلمان (الجزء الأول)
داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 04:05
المحور:
الادب والفن
ليس المكان في الرواية جدراناً وأبواباً وطرقات، ولا مجرد مساحة تتحرك فوقها الشخصيات من بداية الحكاية إلى نهايتها. المكان الحقيقي هو ذلك الذي يترك شيئاً منه في الإنسان، ثم يحمل شيئاً من الإنسان في غيابه. قد نغادر المكان، لكن المكان لا يغادرنا بالضرورة؛ يبقى في الذاكرة، في رائحة بعيدة، في صوت، في طريق ترابي، في بيت قديم، أو في نهر ظل يجري بينما تبدلت وجوه العابرين. ومن هنا تبدو رواية "آشور شواهد وقبور" للكاتب داود سلمان عجاج، رواية لا يمكن فصل الإنسان فيها عن المكان. فالأمكنة التي تتحرك فيها الشخصيات ليست محايدة تماماً، حتى حين تبدو كذلك؛ إنها تتلون بالحالة النفسية للشخصية، وتستعيد معها الماضي، وتوقظ الأسئلة، وتفتح أبواباً للذاكرة، وأحياناً تغلق عليها أبواب الخوف والقلق. إن آشور، بما تحمله من تاريخ وحجر ورفات وأساطير، ليست في الرواية موقعاً جغرافياً فحسب، وإنما ذاكرة ممتدة بين زمنين: زمن مضى ولم ينتهِ، وزمن حاضر يحاول أن يفهم ما تركه الماضي وراءه. ولذلك يصبح المكان أشبه بكائن صامت؛ لا يتحدث بلسان واضح، لكنه يترك إشاراته في الحجر والماء والتراب والقبور والجدران. ولعل هذا ما يجعل المكان في الرواية قريباً من الإنسان أكثر مما يبدو. فالبيت قد يكون وطناً صغيراً، وقد يتحول إلى سجن. والنهر قد يكون وعداً بالحياة، وقد يصير مرآة للخوف. والمكتبة قد تكون ملجأً للروح، فيما تصبح الجامعة، التي يفترض أن تكون فضاءً للمعرفة، مكاناً لاختبار الحرية والانتماء. أما المقبرة، التي تبدو في ظاهرها نهاية الحياة، فإنها تتحول إلى بداية لأسئلة كثيرة عن الحياة والموت والتاريخ. وهنا يمكن استحضار "غاستون باشلار" في عبارته المكثفة: "البيت جسد وأحلام" فالمكان الحميم لا يسكنه الإنسان فقط، بل يسكن هو أيضاً في أعماقه. وهذا المعنى يمتد في الرواية من البيت إلى القرية، ومن القرية إلى النهر، ومن النهر إلى آشور، حتى يصبح المكان كله ذاكرة واسعة لشخصية تبحث عن ذاتها. فحين تكون الجغرافيا ذاكرة، يبدأ المكان الأليف من الأماكن التي لا يحتاج الإنسان إلى تفسير علاقته بها؛ يكفي أن يكون قد عاش فيها حتى تصبح جزءاً من تكوينه. ولذلك تأتي القرية في الرواية بوصفها أكثر من خلفية طفولة. إنها البداية التي تتشكل فيها عين الإنسان الأولى على العالم. حيث نشأ "خلف" الشخصية الرئيسية في الرواية في إحدى القرى المزروعة في سفوح التلال غرب نهر دجلة. هذا المكان الريفي لا يظهر بوصفه مشهداً طبيعياً فحسب، وإنما بوصفه فضاءً تأسيسياً للشخصية. الحقول، التلال، البيوت، النهر، ومسافات الطفولة، كلها تتحول إلى طبقات في الذاكرة. ومن هنا يصبح المكان شبيهاً بالطفولة نفسها: بعيداً حين نغادره، لكنه يظل قريباً كلما عدنا إليه في الذاكرة. ولعل أجمل ما في المكان الأليف أنه لا يحتاج إلى الفخامة كي يكون حميماً. بيت العائلة في الرواية، بما فيه من بساطة الطعام والخبز والحليب والسمن، يحمل دفء الحياة الأولى. ليست قيمة البيت فيما يحتويه من أثاث أو اتساع، وإنما فيما تختزنه زواياه من أصوات ووجوه وعادات وحكايات. إن رغيف الخبز المغموس بالحليب والسمن ليس تفصيلاً غذائياً عابراً، بل علامة على عالم كامل. عالم لم تكن فيه الأشياء كثيرة، لكنها كانت أكثر التصاقاً بالروح. وفي مثل هذه التفاصيل الصغيرة يكتشف القارئ أن المكان الأليف لا يصنعه الحجر وحده، وإنما تصنعه المشاركة، وصوت الأم، وحضور الأسرة، وذاكرة المائدة. ولهذا تبقى كلمات الأم مع خلف حتى بعد أن يبتعد عن البيت. فالأم لا تغادر المكان حين يغادره الابن؛ صوتها يستمر داخله. عبارة مثل: "صادق الكل، ولا تصدق الكل" تتحول من نصيحة عائلية إلى نوع من البوصلة الداخلية. إنها خلاصة تجربة البيت وهي تنتقل من المكان إلى الإنسان. وهنا لا يعود البيت مكاناً للسكن، بل يصبح مكاناً لصناعة القيم. ما يتعلمه الطفل بين جدرانه قد يظل يطارده أو يحميه في الأزمنة اللاحقة. ولهذا يبدو خلف، كلما واجه تناقضات العالم، وكأنه يعود بطريقة غير مباشرة إلى البيت الأول، إلى تلك المنطقة التي تشكل فيها وعيه قبل أن يتشظى أمام العالم. في جانب آخر تبدو المكتبة مكان النجاة، ومن أجمل الأمكنة الأليفة في الرواية مكتبة عمه العامرة بالكتب. فالكتاب هنا لا يؤدي وظيفة معرفية فقط، بل يتحول إلى نافذة للنجاة. حين تضيق الحياة، تصبح القراءة وسيلة لتوسيعها؛ وحين يصبح الواقع عاجزاً عن تقديم إجابة، تفتح الكتب أسئلة أخرى. المكتبة بالنسبة إلى خلف ليست رفوفاً متراصة، بل فضاء داخلي يسمح له بأن يستعيد شيئاً من ذاته. إنه يهرب من ضجيج الخارج إلى ضجيج آخر أكثر هدوءاً: ضجيج الأسئلة. وهذه مفارقة مهمة؛ فالإنسان لا يهرب دائماً إلى مكان خالٍ من الأصوات، بل قد يهرب إلى مكان يمنحه القدرة على سماع صوته الداخلي. لذلك تتحول المكتبة إلى ملجأ من اضطراب الانتماء، ومن الخوف من ذوبان الهوية في قيم لا تشبهه. والقراءة في هذا السياق ليست ترفاً ثقافياً، بل محاولة للشفاء. فخلف يجد في الكتب والتاريخ والأساطير ما يساعده على فهم ذلك القلق الذي يرافقه. لكنه لا يجد إجابات نهائية؛ بل يجد أسئلة أعمق. وكأن المكان الذي يحتضن الكتب لا يمنحه اليقين، وإنما يمنحه القدرة على احتمال الشك. وهنا تتقاطع المكتبة مع جوهر الرواية؛ فكلما حاول الإنسان أن يعرف أكثر، اكتشف أن ما لا يعرفه أكبر. في سياق آخر، يحتل نهر دجلة موقعاً خاصاً في بناء المكان الروائي بين الألفة والخوف. فهو في لحظة مكان للطفولة والتأمل، وفي لحظة أخرى يصبح مكاناً للغموض والخوف. وهذه الازدواجية تكشف أن المكان لا يمتلك معنى ثابتاً، وإنما يتغير بتغير نظرة الإنسان إليه. يقف خلف على الضفة الغربية للنهر، يتأمل الماء وقد شق مجراه عبر الزمن. النهر هنا ليس ماءً جارياً فقط؛ إنه صورة للاستمرار. يمضي، ولا يتوقف، ويصنع طريقه في الصخر، وكأنه يعلن أن البقاء لا يعني الجمود، وإنما القدرة على الاستمرار. ومن هنا تأتي وصية الأب: "يا بني، كن كالنهر، انسب حيث تريد، لكن لا تجدف ضد الطبيعة" تبدو العبارة في ظاهرها حكمة بسيطة، لكنها تحمل رؤية كاملة للعلاقة بين الإنسان والعالم. فالنهر يتحرك باستمرار، لكنه لا يفقد مجراه؛ ينساب، لكنه لا يتخلى عن هويته. غير أن النهر نفسه يتغير في مواضع أخرى من الرواية. الحكايات التي سمعها خلف في طفولته عن الأشباح والسعلاة تجعل الماء فضاءً للمجهول. وهنا يصبح النهر مرآة للداخل الإنساني: ما كان مصدراً للحياة يصبح مصدراً للخوف، لا لأن النهر تغير، بل لأن الذاكرة تغيرت. وهذا من أكثر الجوانب عمقاً في توظيف المكان؛ فالخوف ليس دائماً في المكان، وإنما قد يكون في الإنسان الذي يرى المكان. إن النهر في هذه الحالة يكشف هشاشة العلاقة بين الواقع والمخيلة، وبين ما تراه العين وما تخزنه الذاكرة. من هنا، فإذا كان المكان الأليف يحتضن الإنسان، فإن المكان المعادي يضعه أمام نفسه. وليس المقصود بالعداء هنا أن يكون المكان مخيفاً بالضرورة، بل أن يصبح عاجزاً عن منح الإنسان الطمأنينة. وتأتي المقبرة الملكية في مقدمة هذه الأمكنة. فهي ليست مجرد موقع أثري، وإنما مساحة يلتقي فيها المجد بالفناء. الملوك الذين كانوا يملكون السلطة صاروا رفاتاً، والعظمة التي بدت ذات يوم أبدية أصبحت أطلالاً صامتة. في المقبرة، يبدو التاريخ وكأنه يكتب نفسه بلغة التراب. هناك يكتشف خلف أن الزمن لا يحفظ أحداً. وأن القبور لا تميز بين ملك وعابر، وبين من امتلك السلطة ومن لم يمتلك سوى جسده. ولذلك فإن المقبرة الملكية لا تستحضر الموت وحده، وإنما تضع فكرة السلطة نفسها أمام امتحان الزمن. ومن هنا تصبح "شواهد وقبور" في عنوان الرواية دالة عميقة؛ فالشاهد يدل على ما كان، والقبر يدل على ما انتهى، وبينهما يقف الإنسان محاولاً أن يفهم ما الذي يبقى بعد أن يغادر أصحاب الحكايات. كذلك الزقورة، فهي لا تظهر بوصفها حجارة مرتفعة فقط، بل بوصفها مكاناً يحتفظ بالصمت. وتلك العبارة التي تتحدث عن الصمت القابع بالأحداث تكشف عن مفارقة المكان التاريخي: كل شيء موجود، لكن الأصوات غائبة؛ كل شيء يشهد، لكن لا أحد يتكلم. وهكذا يصبح الحجر أكثر قدرة على حفظ الذاكرة من الإنسان، بينما يصبح الإنسان أكثر عجزاً عن استعادة ما أخفاه الزمن. كذلك المعبد الآشوري واحد من أكثر الأمكنة التباساً في الرواية، فهو يمثل قداسة المكان واختبار الإنسان. فالمكان الذي يفترض أن يكون فضاءً للروح والقداسة يتحول، عبر ما يستحضره السرد من طقوس وضحايا، إلى مكان تتجاور فيه القداسة والخوف. إذ يظهر الصوت الأنثوي الحزين، وضحية نيسان، والطقوس التي تتكرر، كلها تجعل المعبد فضاءً تتكرر فيه المعاناة. وكأن الزمن، رغم مرور القرون، لم يستطع أن يلغي بعض صور الألم، بل أعاد إنتاجها بأشكال مختلفة. وهنا تصبح العبارة: "هكذا هي منذ القدم" أكثر من مجرد وصف. إنها جملة تفتح باباً خطيراً للتأمل: هل قدم الظاهرة يمنحها مشروعيتها؟ وهل استمرار الطقس يجعله صحيحاً؟ الرواية لا تقدم المكان القديم بوصفه مجداً خالصاً، وإنما تضعه أمام أسئلته الأخلاقية. فالحضارة ليست حجارة فقط، والتاريخ ليس عظمة فقط؛ هناك أيضاً الإنسان الذي دفع ثمن بعض الطقوس، وهناك الضحية التي قد تتحول إلى رقم في ذاكرة الاحتفال. ولهذا يبدو المعبد في الرواية مكاناً معادياً حين تتحول القداسة إلى غطاء للمعاناة، وحين يصبح العرف أقوى من الإنسان. في موضع آخر يتخذ النهر بعداً أكثر اتساعاً.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يصبح المكان ذاكرة جدلية الألفة والعداء والحياد في رواية
...
-
ما وراء الحكاية: حين يفتح النقد نافذة أخرى على فتاة القلعة ق
...
-
نص نثري: المظاهر
-
حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع
...
-
حين يسكن المكان: حوار في الوطن والهوية والذاكرة والفقد والوع
...
-
حين يصبح الطريق ذاكرة: تأملات في المجموعة القصصية ما تبقّى م
...
-
نص نثري: حين صار ظلّاً
-
قصة قصيرة: إلى حيث يمضي الطريق
-
نص نثري: سماءٌ من طفولة
-
نص نثري: الظل
-
قصة قصيرة: صقيعُ الإهمال
-
قصة قصيرة: جزاء الإحسان
-
نص نثري: أشواق
-
ما بين جناح الحر وأسراب الزرازير: تأملات في قصة وادي الجُفر
...
-
نص نثري: إلى المجهول
-
قصة قصيرة: أنتَ لستَ أبي
-
نص نثري: مَن أكون؟
-
اللحن الحزين
-
قصة قصيرة: عظام الشاة
-
قصة قصيرة: خيط في الظلام
المزيد.....
-
الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته ديانا تكريما ل
...
-
بحضور 1600 مشارك.. مؤسسة قطر تختتم النسخة الثانية من ملتقى -
...
-
سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ -الملك الحكيم- أحلام ا
...
-
كاظم الساهر: بعد سن الـ50 أصبحت أرى الأشياء بعمق
-
بمشاركة عربية وأجنبية.. بدء الاستعداد للدورة الـ13 لمهرجان د
...
-
جهود لإدراج -المقدمة- لابن خلدون في سجل ذاكرة العالم لليونسك
...
-
مهرجان الجونة السينمائي يكشف عن شعاره الجديد ويكرم منى زكي ف
...
-
بجلسة موسيقية.. مكتبة قطر الوطنية تحتفي برواية -مئة عام من ا
...
-
استراتيجية الصين الجديدة لنفوذ أوسع في الشرق الأوسط أرست ال
...
-
شاحنة تحمل سحرا وعدالة.. «سينما تدور» تكسر عزلة الأطراف في ت
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|