أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (2)















المزيد.....

جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (2)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 08:23
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


من الأرض إلى تعريف الإنسان
حين تستعير القوة لغة الحق
الغلبة في لحظتها الأولى لا تحتاج إلى فلسفة. يكفيها السلاح والتنظيم والقدرة.
لكنها في اليوم التالي تحتاج إلى شيء آخر: التبرير، فالقوة الخالصة غير مستقرة؛ لأنها تظل معرضة للسؤال عن السبب. ولهذا تبحث السلطة عن لغة ترفعها من مستوى الاستطاعة إلى مستوى امتلاك الحق. وقد تتعدد الأسماء: حماية، تحرير، تمدين، فتح، استعادة، أمن، قانون، رسالة، ضرورة تاريخية.
ولا يعني هذا أن كل خطاب من هذه الخطابات كاذب بالضرورة، فقد تكون لبعض الأفعال دوافع متعددة، وقد يجتمع في الحدث الواحد نفع حقيقي ومصلحة وقوة وعنف وإصلاح واستغلال. لكن المشكلة الفلسفية تبدأ حين تتحول تسمية الفعل إلى بديل عن مساءلته.
فليس المهم وحده ماذا يسمى الفعل، بل ماذا فعل بالفعل.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين القانونية والشرعية والمشروعية. سنستخدم القانونية للدلالة على توافق الفعل مع قانون قائم، والشرعية للدلالة على الاعتراف السياسي أو الاجتماعي أو القانوني بالسلطة أو الفعل، والمشروعية للدلالة على قابلية ذلك كله للتبرير وفق معيار أخلاقي أو عقلاني يتجاوز مجرد الاعتراف.
ومن ثم يمكن أن يكون لفعل ما سند قانوني أو اعتراف سياسي، بينما يبقى السؤال مفتوحًا عن مشروعيته الأخلاقية.
فالورقة القانونية لا تستطيع وحدها أن تنتج العدالة، كما أن اعتراف الجماعة لا يجعل الظلم عدلًا لمجرد أنه صار متفقًا عليه. وإلا أصبح السؤال الأخلاقي غير منتج او لا حاجة لطرحه.
الغالب لا يملك الأرض وحدها
عندما ينتصر الغالب، لا يسيطر بالضرورة على الجغرافيا وحدها. قد يبدأ شيئًا أكثر عمقًا: إعادة تعريف المكان والإنسان معًا.
فالأرض قد تتحول من أرض أهلها إلى (إقليم تابع)، والسكان إلى (رعايا)، أو ربما (بدائيين)، أو (قاصرين)، أو جماعة تحتاج إلى من يحكمها تحقيقا لمصلحتها.
وهنا ينتقل الاستيلاء من المجال المادي إلى المجال الرمزي.
لا يعود السؤال فقط: لمن الأرض؟ إنما:
من يملك حق تعريف أهل الأرض؟
وهذه مرحلة خطيرة؛ لأن السيطرة على تعريف الآخر قد تكون أشد رسوخًا من السيطرة على أرضه. فإذا استطاع الغالب أن يقنع العالم بأن المغلوب أقل قدرة على الحكم، أو أقل أهلية للحرية، أو أقل إنسانية، أصبح إخضاعه يبدو وكأنه خدمة له.
هنا لا يحتل الغالب الأرض فقط؛ قد يحاول احتلال تعريف الإنسان نفسه.
ولهذا كان الاستعمار، في أشكاله المختلفة، أكثر من مجرد انتقال عسكري للسيطرة. فقد ارتبط تاريخيًا بأنظمة من المعرفة والتصنيف والإدارة والعمل والملكية، وبمحاولات لتحديد من يحكم ومن يُحكم، ومن يملك ومن يعمل، ومن يُعد كامل الأهلية ومن يُعامل بوصفه تابعًا.
لكن ينبغي ألا نختزل كل استعمار في صورة واحدة، كما لا يصح اختزال كل إمبراطورية أو كل علاقة بين مركز وأطراف في نموذج أخلاقي واحد. التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك. وما يهمنا هنا ليس إصدار حكم واحد على جميع الوقائع، بل الكشف عن البنية التي تسمح للقوة بأن تنتقل من السيطرة إلى ادعاء الاستحقاق.
العبودية: حين يتحول الإنسان إلى ملك
ولعل العبودية تكشف هذه البنية بأشد صورها قسوة.
فالعبودية أقدم من الاستعمار الحديث، وتنوعت مصادرها وأشكالها ومجتمعاتها؛ فلا يصح رد تاريخها كله إلى حادثة واحدة أو نظام واحد. لكن التجربة الإنسانية في استرقاق البشر تكشف سؤالًا فلسفيًا لا يشيخ:
كيف استطاع العقل البشري أن ينتقل من «هذا إنسان» إلى «هذا ملك»؟
هنا لا تعود القضية مجرد عمل قسري أو أسر في الحرب أو تجارة بالبشر. القضية أعمق: إعادة تصنيف الإنسان نفسه.
يُؤخذ الجسد، ثم يُعاد تعريف صاحبه. يتحول الأسير إلى مملوك، والمملوك إلى مال، والمال إلى شيء قابل للبيع والشراء والتوريث، ثم يمكن للقانون أن يأتي بعد ذلك ليمنح هذا الوضع صيغة مؤسسية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القانون قد يسجل الملكية، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال:
هل كان ينبغي أن تكون هناك ملكية أصلًا؟
فالقانون يستطيع أن يحدد من يملك، لكنه يحتاج إلى معيار سابق ليحدد ما يجوز أن يُملك.
إن الفرق بين القدرة على إخضاع الإنسان والحق في امتلاكه هو الفرق نفسه بين القوة والأخلاق.
صه... لا تحك
ولعل الشعر أحيانًا يرى ما تحتاج الفلسفة إلى صفحات لتقوله.
في قصيدة بلند الحيدري (حوار الأبعاد الثلاثة) يظهر قلب هذه المفارقة في انقلاب العبارة: (العدل أساس الملك)
إلى: (الملك أساس العدل).
ثم تأتي العبارة الأكثر قسوة:
(أن تملك سكينًا تملك حقك في قتلي).
هنا تصبح السكين فلسفة مصغرة.
فالذي يملك القدرة على القتل يعيد تعريف القدرة باعتبارها حقًا. ولا يعود محتاجًا إلى البرهان؛ فامتلاك الأداة يصبح هو البرهان.
ثم تأتي العبارة المتكررة:
(صه... لا تحك).
وفي القراءة الفلسفية للنص، لا يبدو الصمت مجرد منع للكلام، لكنه منع لإعادة تسمية الأشياء. فالسلطة لا تريد منك فقط ألا تعترض، بل قد تريد منك ألا تملك اللغة التي تسمي بها ما حدث.
وهنا تبلغ الغلبة مرحلة أكثر تركيبًا: حين لا تكتفي بفرض الواقعة، بل تريد أن تفرض قاموس تفسيرها.
ولذلك تصبح المعركة على الاسم جزءًا من المعركة على الحق.
هل هو فتح أم غزو؟ حماية أم احتلال؟ تحرير أم وصاية؟ استعادة أم استيلاء؟
ليس الاسم بريئًا دائمًا؛ لأنه قد يسبق الحكم الأخلاقي ويهيئ له. فهل يؤسس الحق في ابتداع مصطلح، للحق في معناه ودلالاته؟! لاشك ان الابستيمولوجيا ترفض هذا التأويل التعسفي!
الغزو والاستعمار: من الواقعة إلى البنية
ليس كل غزو استعمارًا، وليس كل استعمار غزوًا بالمعنى نفسه، وليس كل إمبراطورية نسخة من أخرى. لكن الغزو يصبح ذا طبيعة استعمارية حين لا يعود الهدف مجرد الانتصار في حرب، بل يتحول إلى بنية مستمرة لإدارة أرض وسكان ونمط حياة وموارد وذاكرة.
وهنا تتسع دائرة السؤال.
قد يكون للدولة سبب تدعي أنه مشروع لدخول الحرب، لكن مشروعية الدخول لا تعني تلقائيًا مشروعية كل ما يحدث بعده وما يترتب على ذلك، كما أن عدالة الغاية المفترضة لا تمنح الوسائل حصانة أخلاقية. وهذه قاعدة تتجاوز الغزو والاستعمار إلى كل صراع بشري:
عدالة الغاية لا تبتلع أخلاقية الوسيلة.
فحتى المقاومة، حين تكون ردًا على ظلم، لا تتحول بمجرد كونها مقاومة إلى مساحة بلا أخلاق. للمظلوم سبب للمقاومة، لكن المظلومية لا تمنحه حصانة أخلاقية مطلقة.
وهنا يجب أن يبقى الإنسان حاضرًا حتى في أكثر لحظات التاريخ اضطرابًا:
ما ذنب المدني الذي لم يحمل سلاحًا؟
ما ذنب الأسير؟
ما ذنب الطفل الذي ولد داخل الصراع؟
ما ذنب إنسان لم يختر الحرب ثم وجد نفسه داخل نتائجها؟
وإذا كان الظلم قد أصاب جماعة، فهل يجوز أن يتحول أفراد لم يرتكبوا الظلم إلى موضوع للعقاب؟
بهذه الأسئلة تنتقل الأخلاق من الحكم على النوايا إلى الحكم على الوسائل والنتائج والحدود.



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (1)
- البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (2)
- البحر والفكر والموقف: ارتحال ومصير (1)
- الفن بعين الطير (2)
- الفن بعين الطير (1)
- الجمال بعين الدودة
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابةالمادةالى هلامية المعنى وفضاء ا ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- رحلة الوعي والمعرفة: من صلابة المادة إلى هلامية المعنى وفضاء ...
- أثر الحجر
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- رحلة تفكيك الغباء وتفتيت السلوك: من الفرد والمؤسسة إلى الخوا ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع وقراءة في النشأة والوجدان ( ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان ...
- عوالم صوفية نغمية : سماع لا سماع و قراءة في النشأة والوجدان
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص (4)


المزيد.....




- بعد إلغاء ترامب غاراته.. تقارير عن مساعي -الحوثيين- لعزل ساح ...
- ثلاث مؤسسات إعلامية أمريكية تعتزم مقاضاة إدارة ترامب بعد منع ...
- لجنة الانتخابات: 2.97 مليون فلسطيني يحق لهم الاقتراع في الان ...
- توقيف نجمة مسلسل -الطائر الرفراف- في مطار إسطنبول
- مستشار قاليباف يوضح كيف تدمج إيران الحرب والتفاوض في ملف واح ...
- -كونفيرس- تسحب إعلانا أثار غضبا لاستحضاره أقدم منظمة إرهابية ...
- مفاجأة مقلقة: الذكاء الاصطناعي -يشعر بالألم- وقد يؤذي البشر ...
- فيليبو: الفرنسيون بحاجة إلى خطة للحماية من ماكرون لا من -تهد ...
- الجيش الكندي ينشئ قوة أمنية جديدة لمقاتلات -إف-35- الأمريكية ...
- تحذيرات من كارثة بسبب الذكاء الاصطناعي.. وكيف تحمي حياتك الر ...


المزيد.....

- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسن الشرع - جدلية الغالب والمغلوب: الحق والأخلاق (2)