فرج الحطاب
كاتب وباحث
(Faraj Hattab Hamdan)
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:34
المحور:
الادب والفن
- تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة "أصوات الحصار"، المتصلة بكتاب قيد الإنجاز حول قصيدة النثر العربية وجيل التسعينات في العراق-
كان سلمان داود محمد (1957–2021) واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي ارتبطت بقصيدة النثر العراقية في التسعينات. ولد في بغداد، وظهرت تجربته الشعرية بوضوح في العقد الذي شهد الحصار والحروب وتراجع المؤسسات الثقافية وظروف النشر والطباعة. صدرت مجموعته الأولى "غيوم أرضية" عام 1995، ثم "علامتي الفارقة" عام 1996، وتبعتها لاحقاً مجموعته "ازدهارات المفعول به" عام 2007. ومنذ مجموعاته الأولى كان له صوت يمكن التعرف إليه بسهولة، يقوم على المفارقة والمجاورة غير المتوقعة بين الأشياء، وعلى لغة تبدو ساخرة أحياناً، لكنها تخفي وراء سخريتها إحساساً حاداً بما أصاب الإنسان العراقي في تلك السنوات.
ارتبط سلمان داود محمد عن قرب بالحياة الثقافية التي صنعها شعراء التسعينات في بغداد. كان يمتلك مكتباً للاستنساخ في منطقة الباب الشرقي، وعرفه عدد من الشعراء والكتاب الذين لجأوا، خلال سنوات الحصار، إلى الاستنساخ لنشر كتبهم ومجاميعهم. ونشر سلمان نفسه بهذه الطريقة، شأنه شأن أغلب شعراء جيله. فقد جعلت ندرة الورق وارتفاع تكاليف الطباعة وضيق فرص النشر، إلى جانب ابتعاد عدد من شعراء التسعينات عن سلطة المؤسسة الثقافية الرسمية، من الاستنساخ وسيلة متاحة لنشر نتاجهم وتداوله. وهكذا ظهرت كتب صغيرة محدودة النسخ، تنتقل من يد إلى أخرى، وأسهم تداولها في صنع حضور ذلك الجيل خارج قنوات النشر التي تسيطر عليها المؤسسة الثقافية الرسمية. ومع الوقت أصبح الكتاب المستنسخ واحداً من العلامات المميزة للمشهد الشعري التسعيني في العراق.
ومن الصعب فصل قصيدة النثر العراقية في التسعينات عن هذه الظروف. فقد كتب شعراؤها في زمن دخلت فيه الحرب والحصار إلى أكثر التفاصيل عادية. لم يعد أثر الحرب مقصوراً على الجبهة أو الجندي، كما لم يعد الحصار رقماً في نشرات الأخبار. كانا في الخبز والكهرباء والراتب والبيت والشارع والجسد، وفي الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى عمره ومستقبله. ولهذا اتجه جانب مهم من شعر تلك المرحلة إلى اليومي والهامشي والتفصيل الصغير، وابتعد عن اللغة العالية التي كانت تصلح للبطولة والخطابات الكبرى. تغير العالم، وكان على القصيدة أن تبحث عن لغة أخرى تستطيع الاقتراب منه.
تحمل قصيدة سلمان داود محمد "صورة قيد"، المنشورة سنة 1998 في مختارات "الشعر العراقي الآن"، كثيراً من آثار تلك السنوات وطريقتها في تشكيل حياة الفرد ونظرته إلى نفسه. تأخذ القصيدة واحدة من أكثر الوثائق الرسمية اعتيادية، "صورة القيد"، وتعبث بنظامها كله. تطلب هذه الوثيقة معلومات واضحة يمكن وضعها في خانات، الاسم والعمر والأوصاف وفصيلة الدم، بينما يملأ سلمان هذه الخانات بالشظايا والحروب والطحين والثكنات والموسيقى وبغداد.
صورة قيد*
اسمي كريم، أو
أضع المرايا أمام المدافع كي تنقرض
الحروب
عمري 37 شظية واسى يتكرر،
في تمام الهدنة ظهراً
وقبيل الصيد بعصفور
شاهدت الأرض بلا قبان
والسنوات سنونوات
ترفرف حول الطواحين بسهو دؤوب
أوصافي حشود تلوّح وطحين
أعمى
لست مَن يمحو النكبة برغيف مختوم
أو يرفع الشرخ إلى سارية
ولست كما تدعي الثكنات:
في ظلام الكمائن يوقد سنبلة
لكني محتشد بجسامة الندى
أطرد شهوة التفسخ عن مفاتن الجثث
ولا أستدير
حين تغرد الغنائم في صالة الآتون..
أحب الموسيقى وساحة الطيران
وأحفر في السبائك (لا أريد)
فصيلة دمي (باب الشيخ)
وعندي من الشظايا ما يجعل النهار
مرقطاً..
منذ السطر الأول تبدأ "صورة القيد" بفقدان وظيفتها المألوفة. كان المتوقع بعد "اسمي" أن يأتي اسم وتنتهي الخانة، لكن "أو" التي تتبع "اسمي كريم" تترك التعريف مفتوحاً على احتمال آخر، "أضع المرايا أمام المدافع كي تنقرض الحروب". لم يعد الاسم كافياً لتعريف صاحبه، فقد دخلت تجربته وموقفه من الحرب في الخانة نفسها. ومنذ البداية يختل نظام الوثيقة التي يفترض أن تثبت هوية الفرد، لأن ما يريد الشاعر قوله عن نفسه أوسع من البيانات التي تستطيع استيعابها صورة القيد. وتحدد صورة المرايا أمام المدافع مبكراً طبيعة هذه المواجهة. يضع الشاعر المرآة في مواجهة المدفع، وكأن آلة الحرب تُجبر، في المخيلة الشعرية، على رؤية صورتها. تقوم المفارقة على التفاوت بين قوة المدفع وهشاشة المرآة، وفيها شيء من روح قصيدة سلمان ومن حساسية قصيدة النثر التسعينية أيضاً. فالشاعر الذي عاش زمناً مثقلاً بالحرب والحصار يبتعد عن ضجيج خطابها وقوته، ويختار الصورة وسيلته لمواجهة عالمها المثقل بالقسوة والوحشية.
وحين يصل التعريف إلى العمر، يكتب الشاعر "عمري 37 شظية وأسى يتكرر". يبقى الرقم الذي تنتظره الوثيقة، لكن السنوات تختفي وتحل الشظايا محلها. وفي هذا الاستبدال تختصر القصيدة سيرة جيل عاش سنوات طويلة تحت وطأة الحروب. الشظية التي يفترض أن تكون أثراً لحادث عابر تصبح وحدة لقياس العمر، فتغدو قيمة السنوات مرتبطة بما تركته في الجسد والذاكرة. هكذا تدخل الحرب في صميم السيرة الشخصية من دون حاجة إلى وصف المعارك أو استعادة تاريخها. وتُظهر هذه الصورة جانباً مهماً من الطريقة التي تعاملت بها قصيدة النثر التسعينية مع الحرب. كان أثرها يظهر في التفاصيل اليومية، في الجسد والبيت والشارع والذاكرة، وفي الأشياء التي بدت بعيدة عن ساحات القتال. وقد منحت هذه التفاصيل شعراء التسعينات مادة مختلفة عن اللغة البطولية التي صاحبت الحروب طويلاً. في قصيدة "صورة قيد" تكفي الشظية التي تحل محل السنة لكي نعرف مقدار ما أخذته الحرب من عمر صاحبها، ومقدار ما بقي منها فيه.
ثم يصل الشاعر إلى خانة الأوصاف، فيكتب "أوصافي حشود تلوّح وطحين / أعمى". ولعل "الطحين الأعمى" من أكثر صور القصيدة اتصالاً بذاكرة الحصار. فالطحين بالنسبة إلى العراقي في التسعينات ارتبط بالرغيف والحصة التموينية والبحث المتواصل عن أبسط حاجات البيت، وحمل معه ذاكرة سنوات تراجعت فيها حياة الناس إلى صراع يومي مع الضرورات. وحين يدخل الطحين في خانة "الأوصاف"، يصبح الجوع جزءاً من صورة الإنسان عن نفسه، تماماً كما دخلت الحرب قبل قليل في حساب عمره.
ويلتقي الحصار والحرب هنا في مساحة صغيرة جداً. الشظايا تقيس العمر، والطحين يدخل في الأوصاف. ولا يحتاج الشاعر إلى تسمية الحصار أو شرح نتائجه، لأن مفرداته اليومية أصبحت قادرة على استدعائه. وهذه واحدة من السمات التي أعطت جانباً من شعر التسعينات نبرته الخاصة. فالتاريخ الكبير يظهر من خلال الأشياء التي وصلت آثاره إليها، والرغيف والطحين والجسد والشارع تستطيع أن تقول عن تلك السنوات أحياناً أكثر مما تقوله العبارات الكبيرة. ويظهر الرغيف مرة أخرى في "لست مَن يمحو النكبة برغيف مختوم"، ثم تدخل السارية والثكنات والكمائن إلى النص. هنا تصبح مسألة الهوية أكثر حدة، خصوصاً حين يقول "ولست كما تدعي الثكنات". للثكنات، إذن، تعريفها الخاص لهذا الإنسان، وهو يحاول أن ينتزع منها حق تعريفه. لم تعد "صورة القيد" مجرد لعبة مع وثيقة بيروقراطية، فقد أصبحت الخانات نفسها ساحة يتنازع فيها الفرد والمؤسسة على الصورة التي ستبقى منه.
وتحضر في القصيدة مفردات عالمين يصعب الجمع بينهما. هناك المدافع والثكنات والكمائن والغنائم والشظايا والجثث، وإلى جانبها المرايا والسنبلة والندى والموسيقى. ويبلغ هذا التجاور واحدة من أجمل لحظاته في عبارة "محتشد بجسامة الندى". تحمل كلمتا "محتشد" و"جسامة" ثقلاً يوحي بالكثرة والقوة، ثم يأتي الندى بخفته وهشاشته ليغير اتجاه الصورة كلها. الجسامة التي يتوقعها القارئ في المدفع أو الحشد العسكري يمنحها سلمان للندى. وفي هذا الانحراف الصغير تستعيد اللغة شيئاً من حريتها أمام المعجم الذي فرضته الحرب على الحياة اليومية.
ولا تتحول هذه العناصر الرقيقة إلى ملاذ آمن داخل القصيدة. فالجثث والغنائم والآتون تظل حاضرة، وتظهر صورة شديدة القسوة في "أطرد شهوة التفسخ عن مفاتن الجثث". الجمع بين "المفاتن" و"الجثث" يضع الجمال والموت في تركيب واحد يصعب الاطمئنان إليه. وكذلك تفعل عبارة "تغرد الغنائم"، إذ ينتقل فعل يرتبط عادة بالصوت الجميل إلى عالم النهب والحرب. تتكرر هذه الانحرافات في لغة سلمان، فتفقد الكلمات شيئاً من مواقعها المعتادة كلما اقتربت من عالم أصابه الاختلال.
وفي الجزء الأخير من القصيدة تستعيد الذات بعض تفاصيلها الشخصية، "أحب الموسيقى وساحة الطيران". الموسيقى رغبة فردية، وساحة الطيران مكان بغدادي معروف، واجتماعهما يعيد إلى صورة القيد شيئاً من الحياة التي غابت عن خاناتها الرسمية. وبعد الحرب والثكنات والجثث يظهر الإنسان الذي يحب ويختار ويتذكر مكانه في المدينة. ثم تأتي العبارة التي تختصر جانباً كبيراً من فكرة القصيدة، "فصيلة دمي (باب الشيخ)". خانة بيولوجية شديدة الثبات تستقبل اسم حي بغدادي. يدخل المكان في تكوين الجسد، ويصبح الانتماء إلى المدينة أقرب إلى شيء يجري في الدم. وليس اختيار "باب الشيخ" اسماً مجرداً لبغداد، فالأحياء والساحات تمنح المدينة حضورها المعيش، وتعيدها إلى خبرة الفرد اليومية. لهذا يجاور "باب الشيخ" "ساحة الطيران"، ويصبح المكان جزءاً من السيرة التي تكتبها القصيدة في مواجهة السيرة المختصرة التي تريدها الوثيقة.
ويعيدنا السطر الأخير إلى الشظايا مرة أخرى، "وعندي من الشظايا ما يجعل النهار / مرقطاً". ظهرت الشظايا أول مرة حين قاس بها الشاعر عمره، وتعود في النهاية لتصل إلى النهار نفسه. ما حمله الجسد من الحرب صار كثيراً إلى درجة أنه يؤثر في الطريقة التي يُرى بها العالم. وبين الظهور الأول والأخير للشظايا يكون المتكلم قد مر بالطحين والثكنات والجثث والموسيقى وساحة الطيران وباب الشيخ، وكأن القصيدة تجمع ما صنعته الحرب به وما بقي له رغم الحرب في صورة واحدة.
لهذا تبدو "صورة قيد" نصاً دالاً على جانب مهم من قصيدة النثر العراقية في التسعينات. فهي تحمل زمن الحصار من غير أن تتحول إلى سجل لأحداثه، وتحمل الحرب من خلال ما بقي منها في الإنسان. الشظية والرغيف والطحين والثكنة والجثة مفردات جاءت من واقع تلك السنوات، لكنها حين تدخل القصيدة تفقد ترتيبها المألوف وتدخل في علاقات جديدة مع المرآة والسنبلة والندى والموسيقى والمكان.
وكان هذا الاقتراب من اليومي واحداً من المسارات التي منحت قصيدة النثر التسعينية صوتها المختلف. وجد شعراؤها في التفاصيل الصغيرة مادة تستطيع حمل تجربة ثقيلة، فدخلت إلى القصيدة أشياء كان الشعر يتجاوزها أو يضعها في الهامش. وفي سنوات الحصار تحديداً صار الهامشي واليومي في قلب حياة الإنسان. الرغيف لم يعد تفصيلاً صغيراً، والشارع لم يعد مجرد خلفية، والجسد حمل آثار التاريخ بصورة مباشرة. ومن الطبيعي أن تتغير القصيدة حين تغيرت قيمة هذه الأشياء في الحياة نفسها. وعند العودة إلى بنية النص كاملة، تتضح لعبة "صورة القيد" على نحو أكبر. الوثيقة تريد اسماً وعمراً وأوصافاً وفصيلة دم، بينما يكتب سلمان في خاناتها موقفاً من الحرب وذاكرة حصار وانتماء إلى بغداد. كل خانة تبدأ من شيء قابل للتسجيل وتنتهي في مساحة أوسع من حدودها. وبهذا يكتب الشاعر صورته بنفسه، مستخدماً الشكل الذي يفترض أن تكتبه به المؤسسة، ثم يملأه بما لا تستطيع المؤسسة أن تختصره في بياناتها.
وربما نجد في هذه المفارقة شيئاً من تجربة الجيل التسعيني نفسه. عاش شعراؤه في سنوات ضاقت فيها شروط الحياة والنشر، ووجد كثير منهم في الكتاب المستنسخ وسيلة لإيصال نصوصهم إلى القراء. كانت النسخ قليلة والوسائل بسيطة، لكنها حملت شعراً يبحث عن لغته ومكانه خارج المسارات المعتادة. وسلمان داود محمد كان داخل هذه التجربة شاعراً وصاحب مكتب استنساخ وواحداً ممن نشروا كتبهم بهذه الطريقة. لهذا يصعب النظر اليوم إلى تلك الكتب المستنسخة بوصفها مجرد حل تقني فرضه الحصار. لقد أصبحت جزءاً من ذاكرة جيل شعري ومن شكل حضوره في الثقافة العراقية خلال التسعينات. و"صورة قيد"، المنشورة في واحدة من تلك المختارات المستنسخة، تحمل شيئاً من قصة ذلك الجيل أيضاً. شاعر يكتب صورته في زمن حاولت الحرب والحصار والمؤسسة أن تضيق فيه مساحة الفرد، فيرد عليها بقصيدة تبدأ من خانة صغيرة في وثيقة رسمية، ثم تملؤها بالشظايا والطحين والندى والموسيقى وبغداد.
* سلمان داود محمد، "صورة قيد"، في: الشعر العراقي الآن، إعداد وتقديم فرج الحطاب وعباس اليوسفي، إصدار شخصي (استنساخ)، بغداد ،1998، ص 36-38.
#فرج_الحطاب (هاشتاغ)
Faraj_Hattab_Hamdan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟