أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فرج الحطاب - هل ما زال تأليف كتاب يستحق العناء؟














المزيد.....

هل ما زال تأليف كتاب يستحق العناء؟


فرج الحطاب
كاتب وباحث

(Faraj Hattab Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 09:52
المحور: قضايا ثقافية
    


أحياناً أسأل نفسي هل يستحق تأليف كتاب نقدي أو ثقافي رصين كل هذا العناء اليوم؟ قد يمضي الكاتب شهوراً، وربما سنوات، مع موضوع واحد. يبحث عن المصادر، ويلاحق المصادر الأولية التي يصعب الوصول إليها، ويقرأ عشرات الكتب والدراسات، ثم يبدأ الكتابة. وبعدها تأتي كتابة ثانية وثالثة، ومراجعات لا تنتهي، وتدقيق وإعادة نظر في فكرة أو معلومة أو فقرة كاملة. وحين يعتقد أن الكتاب انتهى، يكتشف أن أمامه مرحلة أخرى من المراجعة والإعداد للطباعة ثم البحث عن ناشر.

بعد كل ذلك، تبدأ مفارقة من نوع آخر. قد يجد دار نشر تطلب منه أن يتحمل تكاليف الطباعة، وكأنه جاء إليها بعبء ينبغي أن يدفع مقابل التخلص منه. وإذا كان أكثر حظاً أو شهرة، وجد من ينشر الكتاب من دون أن يدفع شيئاً. وربما كان محظوظاً جداً فحصل على مكافأة لا تكاد تعادل ما أنفقه على الشاي والقهوة خلال شهور الكتابة، فضلاً عن ثمن الكتب والمصادر، والأهم من ذلك كله، الوقت الثمين الذي أمضاه في عمل التأليف المضني.

لا أقول هذا لأن المعرفة ينبغي أن تقاس بالمال، فالمعرفة أسمى من ذلك، وليس لأن الكاتب يجب أن يحسب ساعات القراءة والكتابة مادياً كما يحسب العامل ساعات عمله. لو كانت المسألة كذلك لما ظهرت كثير من الكتب التي غيرت شيئاً في وعينا بالعالم. لكن المفارقة تستحق التأمل. ماذا يعني أن ينفق إنسان جزءاً من عمره في إنتاج معرفة قد لا تجد في النهاية إلا عشرات أو مئات من القراء؟

وهذا الشعور ليس جديداً في تاريخ الكتابة. فقد أحرق أبو حيان كتبه في أواخر حياته بعد عقود من الفقر والشعور بالتجاهل، ويذكر ياقوت الحموي أنه فعل ذلك "لقلة جدواها، وضناً بها على من لا يعرف قدرها بعد موته". والأهم أنه شرح بنفسه في رسالته إلى القاضي أبي سهل أنه ألّف أكثرها للناس ورجا منهم المكانة والتقدير، ثم شعر بأنه حُرم ذلك كله. كما ذكر في الرسالة نفسها علماء سبقوه إلى إتلاف كتبهم بطرق مختلفة، مثل أبي عمرو بن العلاء الذي دفن كتبه، وداود الطائي الذي ألقاها في البحر، وسفيان الثوري الذي مزق كتبه وذرّاها في الريح، وأبي سليمان الداراني الذي أحرق كتبه.

السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين ننظر إلى المجال الثقافي من حولنا. فالكلام الفارغ يجد جمهوره بسرعة، والموقف الحاد ينتشر، والخطابة الفجة والشعبوية واللغو تستطيع أن تصل إلى عشرات الآلاف خلال ساعات، بينما يحتاج كتاب استغرق من صاحبه سنوات إلى شهور، وربما سنوات أخرى، كي يصل إلى عدد محدود من القراء. ويا للمفارقة، يحدث هذا في أكثر العصور وفرة في المعرفة. فلم يكن الوصول إلى الكتب والمعلومات والمكتبات والأرشيفات أسهل مما هو عليه اليوم. ولم تكن وسائل النشر والتواصل متاحة بهذا الشكل من قبل. لكن سهولة الوصول إلى المعرفة لم تنتج بالضرورة صبراً أكبر على قراءتها أو التعلم منها. ربما حدث العكس، فقد أصبح لدينا الكثير مما يمكن قراءته، والقليل من الوقت والرغبة في القراءة المتأنية.

هل تستحق مغامرة الكتابة كل ذلك؟ لا أعرف إن كانت هناك إجابة واحدة. ربما لو قسنا الأمر بعدد النسخ المباعة، أو بالمردود المالي، أو حتى بعدد القراء، فإنه سيكون من الصعب الدفاع عن سنوات تقضى في تأليف كتاب. لكن المعرفة لم تعمل بهذه الطريقة دائماً. بعض الكتب لا تحتاج إلى آلاف القراء كي تكون لها قيمة. قد تصل إلى قارئ يبحث فعلاً عن السؤال الذي تناقشه، أو باحث يأتي بعد سنوات فيجد فيه فكرة أو معلومة أو طريقاً إلى مصدر لم يكن يعرفه.

وربما هنا تكمن المفارقة الأخيرة. ففي زمن يزداد فيه الكلام وتقل فيه المعرفة، قد يبدو تأليف كتاب جاد عملاً غير مجدٍ، لكنه لهذا السبب نفسه يصبح أكثر ضرورة. ومع ذلك يبقى السؤال قائماً، كم من الوقت يستطيع الكاتب أن يواصل هذه المغامرة، إذا كان العالم من حوله يكافئ كل شيء تقريباً إلا الوقت الذي تحتاجه المعرفة؟



#فرج_الحطاب (هاشتاغ)       Faraj_Hattab_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مئة عام من العزلة: ماكوندو من الرواية إلى الشاشة
- متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟
- أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (1) ...
- القمح مقابل الكتب
- الانتخابات العراقية… بين مهرجان السخرية وجدية الأمل
- من هو المثقف العراقي الوطني؟
- كتاب -في اليُتْم الوجودي-: جمال علي الحلاق يتأمل الكتابة كنا ...
- البحث عن الذات المحضة في مجموعة (النوم في محطة الباص) لعبد ا ...
- أسلوب المناجاة في مجموعة (مرد روحي) للشاعر عباس اليوسفي
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ...
- داعش ودولة الخلافة الإسلامية :آخر نتاجات الحرب الباردة
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (3)
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (2)
- النظريات والمناهج الحديثة لدراسة علم الأديان (1)
- الهوية المحلية في شعر بدر شاكر السياب


المزيد.....




- الحرس الثوري يعلن استهداف 3 ناقلات نفط مخالفة بمضيق هرمز
- تبادل الهجمات بين إيران والولايات المتحدة يستهدف سفناً ويهدد ...
- -كلام فارغ-.. موسكو تعلق على الدعوات الأوروبية للسلام والحوا ...
- مصرع طفلين وإصابة بالغين في حادث تحطم طائرة خاصة في ولاية كا ...
- واشنطن ترصد 150 ألف دولار لضبط تركي متهم بإدخال قطع عسكرية م ...
- مباشر: ضربات أمريكية على ناقلات إيرانية ورد من الحرس الثوري ...
- بوتين يصف محادثات السلام مع مبعوثي ترامب بـأنها -مفيدة للغاي ...
- عراقجي يبحث مع نظيريه السعودي والتركي الاستقرار الإقليمي وأم ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مهاجمة زورق أمريكي مسير
- الدفاع الروسية: تزايد استخدام جنود أوكرانيين رموز QR للتواصل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فرج الحطاب - هل ما زال تأليف كتاب يستحق العناء؟