أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فرج الحطاب - متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟















المزيد.....

متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟


فرج الحطاب

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 07:31
المحور: قضايا ثقافية
    


لعل من أكثر المفارقات إثارة في عصرنا ذلك التناقض بين الانفجار غير المسبوق في المعرفة وبين استمرار الإنسان في تكرار أخطائه. نحن نعيش زمن الذكاء الاصطناعي، والوصول شبه الفوري إلى المعرفة، والتقدم العلمي والتقني الهائل. يستطيع الإنسان اليوم، خلال دقائق، الوصول إلى ما كان يحتاج أجيالاً كاملة من أجل معرفته، ومع ذلك لا يبدو أنه أصبح بالضرورة أكثر حكمة، أو أكثر قدرة على التعلم من تجاربه.

هذه المفارقة تثير سؤالاً أبعد من حدود عصرنا: هل ازدياد المعرفة يعني بالضرورة ازدياد قدرتنا على التعلم؟ وهل كان الإنسان في المراحل الأولى من تاريخه أقل قدرة منا على الفهم والتطور، أم أنه كان يمتلك القدرات العقلية نفسها تقريباً، لكنه كان يعيش في عالم مختلف يستثمر فيه تلك القدرات على نحو مختلف عما نفعله اليوم؟

ومن هنا يمكن أن نعود إلى سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: لماذا يحتاج الإنسان إلى كل هذا الوقت والجهد لكي يتعلم، بينما تبدو حيوانات كثيرة وكأنها تأتي إلى الحياة وهي تعرف جانباً كبيراً مما تحتاج إليه للبقاء؟

يبدو الحيوان، من ناحية ما، أكثر استقراراً في علاقته بالتعلم. فهو لا يحتاج إلى السنوات الطويلة التي يحتاج إليها الإنسان لكي يصبح قادراً على ممارسة حياته. تأتي كثير من الحيوانات إلى العالم وهي تحمل قدراً كبيراً من المعرفة الغريزية التي تحتاج إليها للبقاء. يعرف الطائر، من دون مدرسة، كيف يبني عشه، وتعرف حيوانات كثيرة كيف تبحث عن غذائها وتتجنب أعداءها وتتكاثر وتحمي صغارها.

أما الإنسان فيأتي إلى العالم عاجزاً إلى حد يثير الدهشة. يحتاج إلى سنوات لكي يتعلم الكلام والحركة المستقلة وقواعد التعامل مع الآخرين، ثم يقضي جانباً كبيراً من حياته في التعلم واكتساب المعرفة والخبرة. ومع ذلك، قد يصل إنسان إلى سن الشيخوخة بعد سبعين أو ثمانين عاماً من التجارب، ثم نكتشف أنه لم يتعلم من حياته إلا القليل. يكرر الأخطاء نفسها، ويتمسك بالأفكار نفسها، وربما يزداد مع الزمن يقيناً بأشياء كان ينبغي للتجربة أن تجعله أكثر شكاً فيها.

هذا يعني أن مرور الزمن، واكتساب الخبرة، والتعلم منها، أمور مختلفة. فالعمر يمنحنا التجارب، لكنه لا يمنحنا بالضرورة القدرة على فهمها. بل لعل الإنسان يمتلك، إلى جانب قدرته الاستثنائية على التعلم، قدرة استثنائية أخرى على مقاومة التعلم. فهو يستطيع أن يبرر أخطاءه، وأن يعيد تفسير الوقائع بما يتناسب مع معتقداته، وأن يحمي أفكاره القديمة من التجارب الجديدة. وقد يتعلم الحيوان بسرعة أن يتجنب شيئاً سبب له الألم، بينما يستطيع الإنسان العودة إلى ما يؤذيه عشرات المرات، وفي كل مرة يجد تفسيراً وتبريراً جديداً لما حدث.

وتصبح هذه المفارقة أكثر إثارة عندما ننقلها من الفرد إلى التاريخ البشري. فقد اعتدنا لزمن طويل أن نصف المجتمعات القديمة بأنها "بدائية"، وكأن الإنسان القديم كان نسخة أقل تطوراً منا، ثم أخذ يرتقي تدريجياً حتى وصل إلى ما وصلنا إليه اليوم. غير أن الأنثروبولوجيا الحديثة جعلت هذه الصورة أكثر تعقيداً. فالإنسان الذي عاش قبل آلاف السنين لم يكن بالضرورة أقل قدرة عقلية من الإنسان المعاصر. كان يمتلك دماغاً بشرياً وقدرات هائلة على التعلم والتكيف، لكنه كان يعيش في بيئة مختلفة تماماً، تفرض عليه نوعاً مختلفاً من المعرفة. صياد يعيش في البرية قد يمتلك معرفة بالنباتات والحيوانات والمياه والمواسم والاتجاهات لا يستطيع معظمنا اليوم الاقتراب منها. وإذا وضعنا إنساناً معاصراً يحمل شهادة جامعية في تلك البيئة من دون أدواته ومؤسساته، فقد يصبح هو العاجز، بينما يصبح الإنسان الذي نصفه بـ"البدائي" هو الخبير والأكثر قدرة على البقاء.

إذن، ما نسميه تطوراً لا يتعلق دائماً بزيادة الذكاء، وإنما بالبيئة التي تجعل نوعاً معيناً من المعرفة مفيداً وقابلاً للتراكم. لماذا يحتاج مجتمع صغير متنقل إلى نظام كتابة معقد إذا لم تكن لديه دولة أو سجلات أو ضرائب أو تجارة واسعة أو مخازن تحتاج إلى الحساب؟ وحين ظهرت المدن والزراعة والفائض والإدارة، أصبحت الكتابة ذات قيمة مختلفة تماماً. لم يتغير دماغ الإنسان فجأة، وإنما تغير العالم المحيط به، فأصبحت قدرة كانت كامنة فيه أكثر نفعاً.

وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر حتى في مفهوم "التقدم". فنحن نحاكم المجتمعات القديمة عادة بالمقاييس التي صنعتها حضارتنا. نقيس التقدم بحجم المدن، والآلات، والإنتاج، والكتابة، والتكنولوجيا. لكن ماذا لو كان المقياس هو معرفة البيئة؟ أو القدرة على العيش بموارد قليلة؟ أو الاستدامة؟ أو الذاكرة الشفوية؟ أو مقدار الوقت الذي يحتاج إليه الإنسان لتأمين متطلبات حياته؟ ستبدو كلمة "بدائي" عندئذ أقل وضوحاً بكثير.

ولعل الخطأ الأكبر هو افتراض أن الإنسان القديم كان يريد أن يصبح مثلنا لكنه لم يستطع. لماذا نفترض ذلك أصلاً؟ إذا كان نمط حياته ناجحاً في توفير الطعام والأمان والاستمرار لجماعته، فلماذا يغيره؟ نحن نعرف ما حدث بعد آلاف السنين، ولذلك ننظر إلى الماضي وكأنه طريق كان يؤدي حتماً إلينا. أما الإنسان الذي كان يعيش هناك فلم يكن يعرف النهاية التي نعرفها. نحن نقرأ التاريخ من نهايته. ولهذا نرى بعض التحولات القديمة باعتبارها خطوات واضحة نحو "التقدم"، بينما ربما رآها من عاشها مخاطرة أو عبئاً أو تغييراً لا ضرورة له.

وهنا نعود إلى السؤال الأول نفسه. الإنسان يمتلك قدرة هائلة على التعلم، لكن القدرة وحدها لا تكفي. يحتاج التعلم إلى دافع، وإلى بيئة تسمح له بأن يصبح ذا قيمة، وإلى استعداد نفسي واجتماعي لمراجعة ما نعرفه. وهذا صحيح بالنسبة إلى إنسان عاش قبل عشرة آلاف سنة، كما هو صحيح بالنسبة إلى إنسان يعيش اليوم. قد يعيش شخص شديد الذكاء في بيئة لا تكافئ السؤال، فيتعلم ألا يسأل. وقد يعيش آخر في بيئة تشجع التجربة والشك والمراجعة، فتتضاعف قدراته. وقد يمتلك مجتمع بأكمله المعرفة اللازمة لتغيير واقعه، لكنه يستمر في إعادة إنتاج السلوك نفسه لأن مؤسساته وثقافته ومصالحه لا تجعل التغيير ممكناً أو مرغوباً. وربما هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الإنسان إثارة. فنحن الكائن الذي احتاج إلى أطول زمن لكي يتعلم، واستطاع أن يخزن خبرته خارج جسده في اللغة والكتب والمؤسسات، وأن ينقل معرفة آلاف السنين إلى طفل يولد اليوم. ومع ذلك، ما زلنا قادرين على أن نعيش أعماراً كاملة، أفراداً ومجتمعات، ونكرر الأخطاء التي كان يفترض بكل تلك المعرفة أن تمنعنا من تكرارها.

لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كم يعرف الإنسان؟ بل متى تتحول المعرفة إلى تعلم؟ فالخبرة ليست عدد السنوات التي عشناها، والحضارة ليست مقدار الأشياء التي صنعناها. وربما يكون المقياس الأعمق للتعلم هو مقدار ما نستطيع تغييره في أنفسنا بعد أن تكشف لنا التجربة أن ما كنا نعرفه لم يعد كافياً.



#فرج_الحطاب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (1) ...
- القمح مقابل الكتب
- الانتخابات العراقية… بين مهرجان السخرية وجدية الأمل
- من هو المثقف العراقي الوطني؟
- كتاب -في اليُتْم الوجودي-: جمال علي الحلاق يتأمل الكتابة كنا ...
- البحث عن الذات المحضة في مجموعة (النوم في محطة الباص) لعبد ا ...
- أسلوب المناجاة في مجموعة (مرد روحي) للشاعر عباس اليوسفي
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ...
- داعش ودولة الخلافة الإسلامية :آخر نتاجات الحرب الباردة
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (3)
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (2)
- النظريات والمناهج الحديثة لدراسة علم الأديان (1)
- الهوية المحلية في شعر بدر شاكر السياب


المزيد.....




- -هدد باستهداف ابن ترامب-.. أول تعليق من الخدمة السرية على في ...
- باكستان: مباحثات طهران -أحرزت تقدما- وركزت على خفض التصعيد و ...
- الأمن الأمريكي يفحص فيديو خروج 3 أشخاص من مجاري الصرف الصحي ...
- سياسي إسرائيلي عن سارة نتنياهو: -مدمنة كحول عنيفة وعنصرية-
- إيبولا يحصد أكثر من 2500 ضحية في الكونغو.. وتحذيرات أممية من ...
- ترمب يمد يده إلى كيم.. لماذا يثير ذلك قلق حلفاء أمريكا في آس ...
- دراسة حديثة: لا فائدة من زيادة البروتين حتى للرياضيين
- مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين في هجوم بمسيرات على إقليم كراس ...
- ترامب يهدد برفع الرسوم الجمركية على المركبات وقطع الغيار الك ...
- بيرنهام يتحدى تهديدات روسيا -الفظيعة- ويقدم أسرار تصنيع صارو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - فرج الحطاب - متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟