أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرج الحطاب - أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (2) عبد الأمير جرص – قراءة في قصيدة -خبز-















المزيد.....

أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (2) عبد الأمير جرص – قراءة في قصيدة -خبز-


فرج الحطاب
كاتب وباحث

(Faraj Hattab Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 10:01
المحور: الادب والفن
    


ينتمي عبد الأمير جرص (1965–2003) إلى جيل التسعينات الشعري في العراق، ويُعد من أبرز شعراء قصيدة النثر العراقية في ذلك العقد. بدأ كتابة الشعر في وقت مبكر، وكتب القصيدة العمودية والشعر الحر قبل أن تستقر تجربته بصورة أوضح في قصيدة النثر. صدرت مجموعته "قصائد ضد الريح" في بغداد مطلع التسعينات، ثم "أحزان وطنية" سنة 1997، فيما ظهرت بعد رحيله أعمال ضمت جانباً أوسع من تجربته الشعرية. عاش جرص السنوات الأخيرة من حياته متنقلاً خارج العراق، فأقام في ليبيا وعمّان قبل أن ينتقل إلى كندا، حيث توفي في إدمونتون سنة 2003 إثر حادث سقوط من دراجة هوائية.

ولقد تقاطعت تجربة جرص الشعرية مع سنوات الحرب والحصار وما تركته من فقر وجوع وموت وقلق يومي، وهي موضوعات حضرت في قصائده من خلال تفاصيل قريبة من حياة الإنسان العراقي أكثر مما حضرت بوصفها شعارات أو موضوعات سياسية مباشرة. وتكشف قصيدته "خبز" جانباً واضحاً من هذه التجربة. فالقصيدة تبدأ من أكثر حاجات الحياة بساطة، رغيف الخبز، ثم تتسع تدريجياً لتصل إلى الأسرة والمدرسة والعلم والتربية الوطنية. ومن هذه الحركة القصيرة يرسم جرص صورة لعالم انخفض فيه سقف الحلم، خلال سنوات الحصار، إلى الحد الذي أصبح فيه الحصول على الخبز أمنية وسبباً كافياً للطمأنينة إلى يوم آخر.

خبز*

لدينا خُبز
سننامُ الليلة وتحت وسادة كل منّا..
رغيفان مِن الخُبز..
الخُبز الذي صار أسود..
الخبز الذي لم يعد أبيض
نامي
يا ابنتي
- تُصبحين على خُبز
- تُصبح على خُبز...أبي
- تُصبحون على خُبز..
جميعاً
غداً يا ابنتي
حين تذهبين الى المدرسة
وحقيبتُكِ ملأى بالإفلاس
غداً..
حين تقفين في رفعة العلم
لا تُمزّقي العلم
ولا تبصقي على معلمة التربية الوطنيّة
أرجوكِ
يا ابنتي
حافظي
على بشاعة مدرستك

تبدأ القصيدة بجملة قصيرة تبدو أقرب إلى إعلان عائلي عن حدث سعيد "لدينا خبز". هذه البداية تمنح الرغيف قيمة استثنائية منذ السطر الأول. شيء يومي شديد العادية يستحق الإعلان، ثم يستحق أن يوضع تحت الوسادة، رغيفان لكل فرد، كي تستطيع الأسرة أن تنام مطمئنة. ومن هذه المفارقة الهادئة يدخل جرص إلى عالم الحصار وسنوات التسعينات في العراق تحديداً، من دون وصف الأسواق أو الأسعار أو مشاهد الجوع. يكفي أن يصبح وجود الخبز خبراً حتى نعرف مقدار ما تغير في حياة هذه الأسرة.
ويؤدي التكرار دوراً أساسياً في تثبيت الخبز في مركز القصيدة. تتردد الكلمة منذ البداية مرات متقاربة، كأن اللغة نفسها لم تعد قادرة على الابتعاد عنها. "لدينا خبز"، "رغيفان من الخبز"، "الخبز الذي صار أسود"، ثم تنتقل الكلمة إلى الحوار بين الأب وابنته. هذا الإلحاح ليس زخرفة إيقاعية، فالتكرار يحاكي استحواذ الحاجة على التفكير، ويجعل المفردة البسيطة مركزاً تدور حوله حياة البيت.

ويبلغ هذا الاستخدام للغة لحظة جميلة وقاسية حين تتحول العبارة المألوفة "تصبح على خير" إلى "تصبح على خبز". يحتفظ جرص ببنية التحية ويحذف منها الكلمة التي تحمل معناها المفتوح، ثم يضع الخبز مكانها. ترد الابنة "تصبح على خبز... أبي"، وتتسع التحية بعد ذلك لتشمل الجميع. هكذا تصنع القصيدة معجمها الخاص من كلام الحياة اليومية نفسها. لم يحتج الشاعر إلى استعارة بعيدة كي يصور الجوع، فقد أجرى تغييراً صغيراً في جملة يقولها الناس كل ليلة، وكان هذا التغيير كافياً للكشف عن عالم أصبح فيه الرغيف مرادفاً للأمنية.

والحوار القصير بين الأب والابنة يمنح القصيدة صوتاً حميماً يحميها من التحول إلى خطاب عام عن الحصار. نحن نسمع شخصين داخل بيت، قبل النوم، يتبادلان عبارة كان ينبغي أن تكون عادية جداً. لذلك يأتي الألم من داخل الألفة نفسها. وحتى "الخبز الذي صار أسود.. / الخبز الذي لم يعد أبيض" يرد بلغة تقريرية بسيطة، تكاد تخلو من الانفعال. هذه النبرة المتقشفة تلائم عالماً اعتاد النقص إلى درجة لم يعد معها يحتاج إلى الصراخ كي يصفه.

ثم تحدث القصيدة انعطافتها الأساسية بكلمة واحدة "غداً". في القسم الأول كان الزمن هو "الليلة"، والمكان هو البيت، والمشكلة هي الخبز. مع "غداً يا ابنتي" نخرج إلى المدرسة، ويتسع المشهد من الأسرة إلى العالم الذي ستواجهه الطفلة في الصباح. هذا البناء بين ليل البيت وغد المدرسة يمنح القصيدة حركتها الداخلية. الرغيف يؤمن قدراً من الطمأنينة لليلة، أما الغد فيظل مفتوحاً على أزمة أكبر. وتظهر براعة جرص في منح الأشياء العادية دلالات تتجاوز وظائفها المألوفة. فالوسادة تخبئ الخبز، والحقيبة المدرسية تصبح "ملأى بالإفلاس". ويكفي وضع هذه الكلمة داخل الحقيبة لتكشف ما يحيط بالطفلة من عوز، ومن غير حاجة إلى تفصيله. فالحقيبة التي تقترن عادة بالكتب والتعلّم والمستقبل تحمل الآن عجز الحاضر معهاً. تذهب الابنة إلى المدرسة حاملة حقيبتها، ويحضر الإفلاس معها بوصفه جزءاً من عالمها اليومي.

عند رفعة العلم تتغير نبرة الأب. تظهر للمرة الأولى أفعال عنيفة محتملة "لا تمزقي العلم / ولا تبصقي على معلمة التربية الوطنية". القصيدة لا تقول إن الابنة فعلت ذلك، ولا تحولها إلى شخصية متمردة. الأب هو الذي يتخيل الاحتمال ويستبق حدوثه. وفي هذا الاستباق تظهر الفجوة بين ما حملته الطفلة من البيت وما ستسمعه في المدرسة. حقيبة الإفلاس تقف أمام العلم والتربية الوطنية، وتترك القصيدة هذه العناصر متجاورة كي تنتج المفارقة من تلقاء نفسها.

وتصل المفارقة إلى أقصى تكثيفها في السطرين الأخيرين:
"حافظي
على بشاعة مدرستك."

الجملة مبنية على اصطدام كلمتين يصعب اجتماعهما. "حافظي" تفترض شيئاً جديراً بالحماية، ثم تأتي "البشاعة" لتقلب توقع الجملة. قوة النهاية تنبع من هذا الاقتصاد الشديد. لا يشرح الأب موقفه من المدرسة، ولا يلقي الشاعر حكماً طويلاً على المؤسسة أو الواقع. فعل واحد واسم واحد يتركان القارئ أمام عالم يطلب من الإنسان المحافظة على شيء يعرف بشاعته.

ومن اللافت أيضاً أن القصيدة تتحرك كلها تقريباً بمفردات عادية جداً (خبز، وسادة، ابنة، حقيبة، مدرسة، علم، معلمة). لا تبحث لغتها عن الغرابة، وتأتي شعريتها من العلاقات الجديدة التي تقيمها بين هذه الكلمات. الخبز يدخل في تحية المساء، والإفلاس يدخل الحقيبة، والبشاعة تصبح شيئاً ينبغي الحفاظ عليه. هذه الانزياحات الصغيرة تناسب التجربة التي تكتبها القصيدة، لأن الحصار نفسه دخل الحياة عبر الأشياء الصغيرة وغيّر وظائفها وقيمتها ومعناها.

ويخدم شكل القصيدة هذه البساطة أيضاً. الأسطر قصيرة، والحوار مقتصد، والبياض بين المقاطع يترك للجمل القليلة مساحة أكبر على الصفحة. ويتكرر النداء "يا ابنتي" فيربط قسمي النص ويعيد كل ما يحدث إلى العلاقة بين الأب والطفلة. حتى حين يصل النص إلى العلم والتربية الوطنية يبقى صوت الأب حاضراً، فلا تفقد القصيدة طابعها الشخصي لصالح خطاب سياسي مباشر.

بين "لدينا خبز" و"حافظي على بشاعة مدرستك" مسافة قصيرة في عدد الأسطر، لكنها واسعة في التجربة. تبدأ القصيدة بحاجة الجسد وتنتهي بعلاقة الطفلة بالمدرسة والقيم التي تتلقاها فيها. وبين الطرفين نرى كيف يستطيع العوز أن ينتقل من الطعام إلى اللغة، ومن اللغة إلى الحلم، ومن البيت إلى المؤسسة التي يفترض أن تمثل المستقبل.

لهذا تبدو قصيدة "خبز" نموذجاً مميزاً من قصائد الحصار التي أنتجتها قصيدة النثر التسعينية في العراق. تمسك القصيدة بتجربة الحصار من أكثر تفاصيلها قرباً إلى الحياة اليومية، رغيفان تحت وسادة، أب يودع ابنته قبل النوم، حقيبة مدرسية، ورفعة علم في صباح اليوم التالي. أشياء ومشاهد مألوفة يعيد عبد الأمير جرص ترتيب العلاقات بينها، فتتغير اللغة معها ويتسع أثر الجوع من البيت إلى المدرسة ومن الحاجة إلى الحلم. وفي قصيدة قصيرة، ساخرة ومرة، يصبح الخراب محسوساً في الكلمات والأشياء والعلاقات التي بدّل الحصار معانيها في حياة الناس.

* عبد الأمير جرص، "خبز"، ديوان أحزان وطنية، إصدار شخصي (استنساخ)، بغداد، 1997.



#فرج_الحطاب (هاشتاغ)       Faraj_Hattab_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا أصبحت إيران وجهة للدراسات العليا العراقية؟
- هل ما زال تأليف كتاب يستحق العناء؟
- مئة عام من العزلة: ماكوندو من الرواية إلى الشاشة
- متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟
- أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (1) ...
- القمح مقابل الكتب
- الانتخابات العراقية… بين مهرجان السخرية وجدية الأمل
- من هو المثقف العراقي الوطني؟
- كتاب -في اليُتْم الوجودي-: جمال علي الحلاق يتأمل الكتابة كنا ...
- البحث عن الذات المحضة في مجموعة (النوم في محطة الباص) لعبد ا ...
- أسلوب المناجاة في مجموعة (مرد روحي) للشاعر عباس اليوسفي
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ...
- داعش ودولة الخلافة الإسلامية :آخر نتاجات الحرب الباردة
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (3)
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (2)
- النظريات والمناهج الحديثة لدراسة علم الأديان (1)
- الهوية المحلية في شعر بدر شاكر السياب


المزيد.....




- أصالة تعود إلى سوريا.. وصول أشعل الترند وبروفات تسبق ليلة دم ...
- سيلين ديون تعود إلى المسرح الباريسي
- تايلاند تهدي المكتبة الوطنية الروسية في بطرسبورغ نسخة من -تي ...
- راستوغويف يستبعد أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الملحنين
- كشف أثري تاريخي في مصر يحل لغز حماية الحدود الغربية
- مصر تنجح في استرداد قناع ذهبي أثري من سويسرا
- التعليم العالي: فتح باب تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الفنية ...
- روسيا.. مديرة معرض تريتياكوف تعلن إحياء المجلة الفنية
- 95 عاما من سحر العرائس.. مسرح أوبرازتسوف وصاحب العرض القياسي ...
- فنانون ينسحبون من جولة المغني إد شيران احتجاجا على استبعاد م ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرج الحطاب - أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (2) عبد الأمير جرص – قراءة في قصيدة -خبز-