|
|
الخطاب المعاكس- الذي يخدم عدالة قضية أو شخصية وطنية
ربحان رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 02:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أستغرب من بعض الذين يتفاعلون مباشرة مع أي حدث يجري حولهم دون أن يدرسوا نتائج انفعالاتهم وردود أفعالهم التي قد تكون مؤذية لقضايا شعوبهم وأوطانهم.
مثالي اليوم هو الفنانة الرائعة أصالة نصري، التي كتب عنها البعض متهمين إياها بأنها كانت مع النظام البائد، في الوقت الذي تناسوا فيه الكثير من الفنانين الذين خدموا النظام وجنود أمنه بين الجماهير، وعلى رأسهم الممثل زهير رمضان المعروف بعلاقاته الأمنية ضد زملائه الفنانين، متناسين أيضاً الكثير ممن طبلوا للنظام البائد ورفعوا "حذاء" العسكر فوق رؤوسهم كي يبتسم المهبول الهارب.
في البدء كان الأثر.. والظهور ومقبرة الصمت ، وفي هذا المجال أقترح على مثقفينا السوريين عدم ذكر أسماء أولئك المتملقين الرخيصين أبداً كي لا نسهل لهم تلميع أسمائهم والاعتزاز بسبلهم سيئة الصيت لأن شتمهم سيجعل اسمهم "ترينداً" يتردد بين الناس ، فيشتهرون بسبب الهجوم عليهم.
ففي أدبيات العمل السياسي والصحفي التي عاصرت مخاضاتها منذ سبعينيات القرن الماضي، تعلمتُ أن المعركة الإعلامية الحقيقية لأي شعب أو مجموعة أو حالة فردية تسعى نحو التحرر وتقرير المصير ليست مع "الخصوم وصوتهم المرتفع"، بل هي مع "جدار الصمت والتغييب الممنهج". أنا مثال على ذلك ، حيث تعرضتُ لهجوم من جهات مخابراتية أطلقت على نفسها أسماء عدة، منها : "منظمة الأمن الوقائي الكردستاني" (غير الموجودة أساساً)، و"الحزب الليبرالي السوري" (الذي لم يكن له وجود خلال الثورة السورية ضد النظام البائد). تغاضيت واستبعدت رد الفعل ضد كل من كتب كتابات سخيفة كشخصياتهم، ولم يعد أحد يذكرهم أبداً. فالقضايا العادلة لا تموت بسبب النقد أو الهجوم الإعلامي المفبرك مهما كان مجحفاً، بل تموت عندما يُفرض عليها التعتيم التام وتُساق إلى مقابر النسيان.
اليوم، وفي ظل الفضاء الرقمي ومنصات الإنترنت متعددة الاتجاهات، كثيراً ما ألاحظ ردود أفعال الشارع الثقافي والشبابي الوطني والكردي بشكل خاص تجاه ما يُنشر حول قضيتهم الوطنية العادلة، حيث يسود أحياناً عتاب مشوب بالتشنج أو الغضب ، سواء ضد فنان قصّر في التعبير عن تضامنه، أو ضد منصات إعلامية ومجموعات شوفينية تشن حملات تشويه وشتائم ضد الحقوق المشروعة للشعب الكردي بصفات بعيدة كل البعد عن الصفة الوطنية التي يتحلوا بها ، وعن أحلامهم في وطن متعدد القوميات معترف بهم فيه دستورياً. إزاء هذا، أرى أن القراءة المتأنية وفك الشفرات الإعلامية يقوداننا إلى استنتاج مغاير تماماً لما يفعله أعداء القضية الكردية ، إذ إن الوجود في المشهد الإعلامي " حتى لو جاء عبر بوابة السجال أو الهجوم المعاكس" يحمل في طياته فائدة عظيمة تفوق بكثير ركون القضية في زوايا الصمت العاقر. أصالة نصري وجدل "المرة الواحدة" لنأخذ مثالاً واقعياً ظهر أخيراً على صفحات الإنترنت والتواصل الاجتماعي وأثار سجالاً واسعاً، حيث صبّ بعض الإخوة الكرد والعرب جام غضبهم وعتابهم على الفنانة الرائعة أصالة نصري !! إنه موقف سخيف فعلاً أقدم عليه كتّاب ظهروا مؤخراً بفعل الذكاء الاصطناعي ليهاجموا أي فعل وأي شخصية وأي تنظيم لمجرد حبهم في إظهار أنفسهم ككُتّاب ونقاد كبار، حتى وإن كان الهجوم ضد فنانة كبيرة ومحترمة وقفت مع الثورة السورية ضد النظام البائد وغنت لسوريا. وخاصة أولئك المدّعين التزامهم الديني السلفي مظهرين أنفسهم حريصين على سوريا وأخلاق السوريين، وأيضاً بعض الشباب الكردي الذين برروا موقفهم هذا بأنه لم تغنِّ للكرد سوى مرة واحدة طوال مسيرتها الفنية.
ماذا يعني لو أنها لم تغنِّ إلا مرة واحدة؟!
السلفيون حاربوا وجودها ونعتوها بأقذر الصفات رغم صفائها ووطنيتها، وحاربوا عودتها إلى وطنها المشتاق لها "سوريا"، محتجين بأن "صوت المرأة عورة". طار صوابهم فصعدوا المنابر وراحوا يشتمون ليس أصالة وحسب، بل كل النساء، حيث اعتبروا صوت المرأة (الأم والأخت والزوجة والحبيبة) عورة!
أما بعض الشباب الكردي الذي غمزوا ولمزوا على الفنانة أصالة أريد أن أسألهم: لماذا لم يقولوا هذا الكلام عن الفنان الرائع سميح شقير الذي غنى لكردستانلمرة واحدة ؟ لماذا لم يكتبوا ضد شعراء كتبوا قصائد لمرة واحدة ولم يكرروها مرة أخرى كالشاعر محمود درويش في قصيدته "كردستان"، وكذلك الجواهري أو بدر شاكر السياب ابن بغداد (الكردي الأصل)؟ كل منهم كتب قصيدة أو قصيدتين افتخر بها المثقفون الكرد وكرروا كتابتها وجعلوها أغاني، ومنها أغنية الفنانة السورية ميادة الحناوي عندما غنت لكردستان!
لو نظرنا إلى المسألة بعين الإعلام التحليلي، سنجد أن هذه "المرة الواحدة" وما رافقها من عتاب وجدل متبادل قد أحدثت أثراً إيجابياً غير مباشر لم يكن ليتحقق لو مرّ الموقف بالصمت الروتيني ، إذ أصبحت الفنانة أصالة نصري أكثر حضوراً وشهرة، وليضرب المهاجمون رؤوسهم بالحائط .. تماماً كما يحدث مع الخطاب القومجي المعاكس للقضية الكردية ، فهذا الجدل أعاد تدوير اسم "الكرد" في منصات وصحف عربية وإقليمية واسعة الانتشار، وتحول التهجم على الكرد من شأن شخصي لبعض المتطفلين على السياسة إلى مادة صحفية دسمة. هذا الصخب الإعلامي تحديداً هو ما يوقظ فضول المتلقي المحايد أو "القارئ البعيد" الذي لا يمتلك خلفية تاريخية عن المنطقة ، فيبدأ بطرح أسئلة جوهرية وعفوية : "من هم الكرد؟ ما هي طبيعة علاقتهم بالعمق العربي والفني؟ ولماذا يثير موقف فنان أو فنانة كل هذا الاهتمام؟".
هنا يتجاوز الإعلام وظيفته الآنية ليتحول إلى "مثير معرفي" فالأغنية ذاتها قد تنتهي مدتها في دقائق، لكن الجدل الذي يتركه ذكر الشعب الكردي يستمر ويفتح نوافذ للبحث، ويجبر الآخرين على الاعتراف بوجود هذا الشعب المهضوم حقه التاريخي ، والالتفات إلى ثقافته وإرثه الإنساني والسياسي.
السهم الشوفيني يرتد على صاحبه
لا يقتصر الأثر الإعلامي العكسي على المواقف الفنية أو السجالات الثقافية فحسب، بل يمتد إلى المساحات الأكثر حدة: خطاب الكراهية والشتيمة السياسية الممنهجة.
ففي كثير من الأحيان، تجند المنصات الموجهة والمجموعات الشوفينية (القومجية والإقصائية) ترسانتها الإعلامية لشيطنة الشعب الكردي أو النيل من تطلعاته المشروعة عبر سيل من الاتهامات الجاهزة والشتائم السياسية المعلبة.
بيد أن القراءة العميقة لتاريخ وصيرورة الإعلام تؤكد أن "السهم الشوفيني غالباً ما يرتد ليصيب نحر صاحبه"، والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة المتلقي في عصر تدفق المعلومات. عندما يرى القارئ أو المشاهد المنصف والباحث عن الحقيقة هذا الهجوم الحاد والشرس ضد شعب بأكمله، فإن الخطاب المتطرف يعري أصحابه أولاً، ويفقد مصداقيته بسبب نبرته الإقصائية الفجة ثانياً.
هنا، وبشكل غير إرادي، تتحول "الشتيمة السياسية" من أداة تشويه إلى مُحفز معرفي خارق يدفع المتلقي العربي أو الإقليمي أو الدولي الغافل عن تفاصيل القضية إلى التساؤل: لماذا يُحارب هذا الشخص أو المجموعة أو الشعب بكل هذه الشراسة؟ ما الذي يطالب به الكرد تاريخياً ويجعل هذه الأنظمة أو التيار الشوفيني في حالة ذعر دائم؟
إن هذا التساؤل هو بداية التنوير ، فالشتيمة تفتح الباب المغلق ، والباحث الذي قاده الفضول جراء الهجوم الشوفيني سيكتشف فوراً حجم المظلومية التاريخية ، وسيقرأ عن شعب عريق جُرّد من أرضه وهويته الوطنية بمراسيم عنصرية ، وقُسمت جغرافيته، وعانى من سياسات التذويب والإنكار، ورغم ذلك ما زال متمسكاً بحقه الإنساني والتاريخي في التحرر وتقرير المصير.
بذلك، يكون الإعلام المضاد قد قدم " من حيث لا يدري " خدمة جليلة للقضية الكردية بنقلها من دائرة التغييب إلى الصدارة، وجعلها مادة للبحث والدراسة والتعاطف الإنساني والسياسي.
ختاماً ، وللمثقفين أتوجه بالقول : يتضح لنا أن المشهد الرقمي المعاصر قد أسقط إلى الأبد قدرة الأنظمة الشمولية والتيارات الشوفينية على فرض "التعتيم المطلق" الذي كنا نواجهه بصعوبة بالغة في إعلامنا الحزبي السري إبان سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
اليوم، لم يعد الخطاب المعاكس أو الهجوم الشرس قادراً على خنق الحقيقة، بل بات يمنح القضية الكردية أبعاداً تعزز حضورها الدولي والإقليمي وتخرجها من عتمة التغييب.
ومن هنا، توجهتُ بهذه الرسالة التوجيهية النابعة من عقود من التجربة في بلاط الصحافة والسياسة ، إلى جيل الشباب الكردي ، وإلى النخب والمثقفين وصناع المحتوى أن :
تجاوزوا مربع التشنج ورد الفعل الفوري: إن الغضب العاطفي والتشنج في مواجهة نقد الفنانين أو شتائم التيارات الإقصائية غالباً ما يحرق الطاقات في معارك جانبية. البديل هو الهدوء واستثمار هذا الزخم؛ فكل وسْم (هاشتاغ) أو سجال يتردد فيه اسم الكرد هو منصة مجانية يجب ملؤها بالحقائق لا بالصراخ.
حوّلوا المنصات إلى بوابات معرفية : عندما يثير خطاب معاكس فضول القارئ العربي أو العالمي ويبدأ بالسؤال عن الكرد ، يجب أن يجد أمامه ثراءً فكرياً ومعلوماتياً جاهزاً. اكتبوا عن التاريخ، الثقافة، المظلومية العادلة، وعن الحق التاريخي في تقرير المصير بلغة إنسانية، عقلانية، وقريبة من وعي العصر.
احتضنوا الرأي المعاكس وفنّدوه بالحجة : حيث إن غياب الصوت الآخر يصيب الخطاب الإعلامي بالترهل . إن وجود "الضد" هو فرصة حقيقية لتقوية وتطوير الإعلام الكردي المعاصر ودب الدماء في عروقه، ليتعلم الشباب كيفية إدارة المناظرات السياسية والفكرية بالبرهان والمنطق الذي لا يقبل الدحض.
إن عدالة القضية الكردية حقيقة راسخة في وجدان التاريخ، والشتائم أو محاولات التشويه لن تزيدها إلا بريقاً لمن يبحث عن الحقيقة. فلنستثمر كل صوت " حتى لو كان ضداً ومعاكساً " لنقول للعالم بأعلى درجات الوعي والمسؤولية: نحن هنا، وأصحاب حق تاريخي وإنساني لا يموت.
#ربحان_رمضان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الخامس من آب يوم انطلاقة اليسار الكردي في سوريا مناسبة ثورية
...
-
شعلة الخامس من آب لن تنطفئ ما دامت على الأرض حياة
-
كردستان بين الاستقلال والاحتلال – قراءة في كتاب
-
من نادل حلب إلى الإيطالي في لينز
-
الف مبروك يا بطل ياعكيد .. افرحتني وافرحت الكرد بفوزك وبطولت
...
-
جدلية الشارع والتنظيم مأزق -اللاتحزب- والاندماج السلبي في ال
...
-
موطن الشمس... قراءة في ديوان الشاعر سمكو بوتاني
-
سمكو عمر لعلي في كتابه يوميات معتقل على ذمة التحقيق
-
أوراق البلوط من بارزان إلى واشنطن .. قراءة في رواية -آخر معا
...
-
يوم جلاء الفرنسيين عن سوريا ودور الكرد في الثورة السورية
-
في حضرة الخامسة والسبعين
-
يوم المرأة العالمي.. ذكرى حوّلها البعثيون إلى مناسبة لانقلاب
...
-
خبر وصلني متأخراً.. اختناق -حسن كيف- غرقاً
-
توضيح من الهيئة المرحلية - للحركة الوطنية الكردية -
-
صباح النحس
-
المرسوم رقم 13: خطوة تاريخية لتعزيز الوحدة الوطنية السورية
-
رهان خاسر.. لماذا لن تفيد الأنظمة -المعادية للوطن- الحراك ال
...
-
ليلة رأس السنة في الأحياء القديمة
-
الأسد أسدٌ.. امرأة كان أم رجل كتاب يوثق نضال المرأة الكردية
...
-
- عريضة مقدمة من بنات وابناء حي الأكراد بدمشق -
المزيد.....
-
تركيا تعلق بعد هجمات الحوثيين على السعودية وتوضح موقف -تحالف
...
-
من الرفض إلى الشروط: إيران تضع خارطة طريقها للمفاوضات الأمري
...
-
سلاح العقوبات.. استراتيجية غربية فاشلة
-
التحالف العربي يعلن إحباط هجمات حوثية على الرياض ومدن سعودية
...
-
زاخاروفا: نظام كييف والناتو يحاولان تعطيل انتخابات مجلس الدو
...
-
قضية أثارت انقساما داخل إسرائيل.. العفو الرئاسي يعيد عزريا إ
...
-
-أسطول الصمود- يشعل احتجاجات في تونس
-
رئيس مجلس الشيوخ من بكين: نثمن دعم الصين لحقوق مصر المائية و
...
-
فيدان: نعمل مع واشنطن على -أفكار إبداعية- لرفع العقوبات عنا
...
-
إيران مباشر.. طهران تضع شروطا للتفاوض وترمب يتوقع انتهاء الح
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|