اسعد عبدالله عبدعلي
الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 07:51
المحور:
كتابات ساخرة
ما إن انكسرت حدّة الحرّ حتى هرعتُ صوب شارع المتنبي، أبحثُ بشغف عن كتاب «خبز الحكومة» للكاتب أدمون صبري، بعدما كُلّفتُ بكتابة مقالٍ نقديّ عنه.
كان لي صديقٌ مكتبيٌّ عتيق، أعرفه وتعرفني أرففه، كلّما استعصى عليّ كتابٌ نادرٌ وجدتُ ضالتي لديه. أقبلتُ ونظري شاخصٌ نحو دكانه، لكنّ الخطوات سمِرت في مكانها؛ تفاجأتُ بأن المكتبة قد امّحت معالمها وتحوّلت إلى محلٍّ لبيع المرطبات! سألتُ بذهولٍ ومرارةٍ عن الكتبيّ، فجاءني الردُّ الذي أثقل صدري: لقد غيّبه الموت، وأولاده باعوا المكان لمستثمر...
غمرني حزنٌ شفيف، حزنٌ على رحيل رجلٍ عاش بين الكتب، وعلى ضياع ركنٍ كان مأوى للذاكرة.
مشيتُ بخطى متعبة ونفسٍ مكسورة نحو مقهى الأسطورة، جلستُ هناك واستدعيتُ استراحة محارب مع فنجان شاي مُعطّر بالهيل علّه يرمم ما انكسر. وبينما كنتُ أسرحُ في بخار الشاي التصاعد، صادفتُ الشاعر أحمد عواد؛ صديق سنوات الدراسة والكلية. تسللت الابتسامة من جديد، وجلسنا نستذكر تلك الأيام الخوالي وأحلام الشباب.
وحين علم ببحثي المضني، ابتسم بثقة واقتادني نحو دربونةٍ ضيقة، مخبراً إياي عن مكتبةٍ متوارية في أزقتها تضمّ كنوزاً لا تُقدّر بثمن.
توغلنا في دهاليز تلك الدربونة البغدادية العتيقة حتى وصلنا إلى المكتبة. وما إن دخلنا حتى أشرقت ملامح صاحبها فرحاً وبهاةً بزيارتنا.
انغمستُ وصديقي أحمد بين أكوام الكتب والغبار المقدس، ننبش في بطون التواريخ والأدب، وبعد ساعةٍ من البحث الدؤوب، انبلج النور؛ وجدته! وجدتُ «خبز الحكومة» قابضاً عليه كمن عثر على جوهرة مفقودة. زاد فرحنا حين اقتنيته بسعرٍ زهيد، ثلاثة آلاف دينار لا غير!
ضحك أحمد وقال ناهضاً: «إيجاد هذا الكنز يستحق عزومةً مؤكدة!». قلتُ له ببهجةٍ لا تسعها الروح: «لك ما أردت، والعزومة عليّ فوراً!». أسرعنا بخطوات خفيفة ملؤها الفرح نحو محل فلافل أبي علي الحارة المخبأ في أحد الدرابين، لنحتفل بانتصارنا الأدبي الصغير بأبسط ملذات بغداد وأدفئها.
#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟