أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - المرجعية الصالحة وأعداء الظل















المزيد.....

المرجعية الصالحة وأعداء الظل


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 10:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ صخرة النجف امام طنين الذباب وأبواقٌ للبيع وعُقدٌ لا تُشفى

في أزقة النجف القديمة، حيث يفوح عبق التاريخ من بين جدرانها المتهالكة، يقع بيت صغير متواضع لا تتجاوز مساحته أمتاراً قليلة، لكنه ظل لعقود يمثل العقل المدبر والقلب النابض لاستقرار أمة بأكملها. من هذا الأزهر المتواضع، أطلت قامة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني كأب حنون, ومظلة جامعة للعراقيين جميعاً, دون تمييز بين طائفة أو عرق؛ فحين تعثرت الخطى ووقفت البلاد على شفا حفرة من الحرب الأهلية عقب سقوط النظام السابق، جاءت حكمة المرجعية لتلجم الفتنة وترسخ حرمة الدم العراقي.
وعندما اجتاحت خفافيش "داعش" ثلث مساحة العراق عام 2014 وشخصت الأبصار نحو المجهول، أنقذت فتوى الجهاد الكفائي الشهيرة كرامة الوطن وهويته، وأعادت الأمل لأفئدة ملايين العراقيين الذين وجدوا في هذا الرجل صمام أمان حقيقي ومدافعاً استثنائياً عن حياض الأمة.
ورغم هذه المواقف التاريخية المشهودة بواقع ملموس عاشه الصغير والكبير، يستغرب الكثيرون من تجرؤ بعض الأقلام والمنابر الإعلامية على مهاجمة هذا الرمز الجامع، ومحاولة النيل من هيبته الوطنية والإنسانية. إن هذا التناقض الصارخ بين عظمة العطاء الشاخص وبين حملات التشويه المنظمة، يدفعنا للتساؤل عن المحركات الفعلية والدافع الحقيقية التي تقف خلف هذه الهجمات:


• أقلامٌ للبيع.. وأبواقٌ تحت الطلب
ثمّة مأساة ساخرة حدّ البكاء تتجلّى حين ترى قلماً أُجِره بضع دنانير! أو خُلق ليقعد على أرصفة التمويل المشبوه، وهو يتطاول على قامةٍ صلبة لم تهزّها عواصف السنين. إنّ هؤلاء المرتزقة الجدد لا يكتبون بحبرٍ، بل بفتات الشيكات التي تفرغها سفارات الاستقطاب وأجهزة المخابرات الإقليمية والدولية, كلّما ضاق الخناق على مشاريعها في المنطقة رمت بالعظم لكلابها كي تنبح؛ إذ كيف لمشروعٍ يقتات على الفوضى, أن يطيق وجود صمام أمانٍ حقيقيّ كسر بأمرٍ واحد كل أحلامهم في تقسيم هذا الوطن؟
إنها تجارة مسمومة بالكلمات، يمارسها كتاب الشاشات المأجورة وأبواق المنصات المائعة التي يُراد لها أن تزعزع ثقة الناس برمزٍ وقف يوم شَخَصَت الأبصار، وحقن بدعائه وفتاواه دماء أمة كانت على شفا جرفٍ هار، بينما كان أدعياء الوطنية هؤلاء يمارسون السباحة في فنادق الخارج ويزايدون على جراح العراق.
يسخر المرء حقاً من هذه السذاجة المفضوحة؛ إذ يتوهم أرباب هذا التمويل أن شاشاتهم المزوقة وأقلامهم المستأجرة قادرة على غسل أدمغة العراقيين أو النيل من جبلٍ أشم، متناسين أن من أنقذ البلاد من مخالب الإرهاب وأطفأ جمر الفتنة الكبيرة لم يكن بحاجة لإذنٍ من منصاتهم، وأن كل أورامهم الإعلامية تلك لن تتعدى كونها زبداً يذهب جفاءً أمام صخرة الحقيقة والوفاء.


• أيتام الدكتاتورية وغبار الأيديولوجيا
من مضحكات الدهر المبكيات، أن تطلّ علينا بين الحين والآخر أشباحٌ نفضت عن كاهلها غبار العهود المظلمة، لتمارس علينا أدوار البطولة الفكرية والنقد الشريف! إنهم أولئك الذين أورثتهم الهزيمة مرارةً لا تندمل، وبقيت في أرواحهم ترسبات حزب البعث المنحل. وأيديولوجياته الفاشية التي لا تُجيد سوى تصنيع الأعداء؛ فأفاقوا من صدمة سقوطهم ليجدوا المرجعية الدينية واقفةً كالسد المنيع، تحطّم على صخرتها كل وهمٍ كانوا يسعون لإعادته إلى الحياة.
يسخر المرء حتى الثمالة حين يرى هذه العقول المنغلقة، التي عاشت دهراً تقتات على التملق للطغاة وترديد شعارات الحزب الواحد، تبكيك اليوم حرية الرأي وتتطاول على قمة المرجعية، متناسين أن عقدتهم الحقيقية مع هذا الصرح لم تكن يوماً وليدة اللحظة، بل هي خصومة تاريخية متأصلة.
إنهم ينظرون إلى المرجعية بصفتها الخصم الأعتى والأشرس الذي كشف زيف مشروعهم، والعقبة الكبيرة التي تحول بينهم وبين استعادة حضورهم الإعلامي المفقود أو تسويق سمومهم مجدداً. وهكذا، يتحول عجزهم الأيديولوجي وفشلهم التاريخي إلى صراخٍ كاره وهجومٍ حاقد، يظنون به أنهم يمسون هيبة من انتصر للعراق يوم خانوه، وما هم في حقيقتهم إلا كمن ينفخ في الشمس ليطفئ نورها!


• عقدة القزامة وشهوة "خالف تُعرف"
أما أشد الهزليات إثارة للشفقة والضحك في آن واحد، فهي تلك المهرجانات الإعلامية التي يقيمها بعض أدعياء الكتابة ونشطاء "الترند" الفارين من طيات النسيان! كائنات مجهولة، تزن ثقافة أحدهم بضع كلمات فارغة، يصحو فجأة من غيبوبة عدميته ليكتشف أن أسرع طريق ليكون "مشهوراً" ليس تقديم فكرٍ أو إنجاز، بل التطاول على جبل شامخ بحجم المرجعية الدينية. إنها القاعدة الذهبية لمن يعانون قحطاً في الموهبة: "خالف تُعرف".
هؤلاء المصابون بمرض النرجسية العرجاء والعقد النفسية المركبة، يرتعدون رعباً أمام كل سلطة رمزية أو قامة جامعة، محاولين إفراغ أحقادهم وعجزهم الذاتي في هجومٍ كسيح يغلفونه بعبارات "التنوير" و"التمرد".
يتغابون بوقاحة عن أدوار تاريخية خلّدت بها هذه القامة أمة بأكملها، وحمت بصلابتها كل أطياف هذا الشعب يوم كانت الدماء تسيل في الشوارع. يسخر المرء حين يراهم يظنون أن تجرؤهم على الهامات العالية يجعلهم كباراً، متناسين أن الذبابة حين تقع على ظهر جبلٍ أشم لا تشعر به ولا هو يشعر بها، وأن التطاول على الأكابر لا يرفع من شأن القزَم، بل يضاعف حجم قزامته ويجعله أضحوكة في عين التاريخ والناس.


• أوثان المدنية الزائفة وتطرف الأدعياء
ثم نصل إلى الفصل الأكثر خفة وضياعاً في هذه (الكوميديا المبكية)؛ حين يتنطح بعض "تنويريّي المقاهي" وأدعياء "العلمانية المتطرفة" ليتحفونا بصلفهم الأيديولوجي المعهود. أولئك الذين يصابون بالحكة وحمّى التشنج لمجرد سماع اسم عمامة أو مرجعية، وكأنهم وجدوا في الرفض المطلق للدين حلاً ساحراً لكل أزمات المجرات! يستوردون قوالب جاهزة من أرشيف الصراعات الأوروبية الغابرة، ليطبقوها بعماء مطلق على واقع لا يفهمونه، متوهمين أن النهضة لن تطرق أبوابنا إلا إذا هدمنا كل رمز ديني وطني، حتى وإن كان هذا الرمز هو الحصن الأخير الذي منع انهيار سقف الوطن على رؤوسهم جميعاً.
يسخر المرء حتى الوجع من هذا العمى الطفولي الذي يرفض حتى نصيحة أبناء الوطن؛ فيرون في الرعاية الاجتماعية وحقن الدماء والتوجيه الوطني الإنساني الصادر عن المرجعية "تدخلاً سافراً" يهدد دولة مدنية لا توجد إلا في خيالاتهم الحالمة! يتغاضون بوقاحة عن حقيقة أن هذه العمامة لم تتصارع يوماً على كرسي، ولم تفرض سلطة، بل كانت ملجأً ومظلة أمان, حين عجزت كل النظريات المدنية والعلمانية عن حماية إنسان هذا الوطن من الساطور.
إنه تطرف فكري عقيم، ينزع عن صاحبه العقل والإنصاف، ليجعله يفضل الغرق في طوفان الفوضى والدم، على أن يعترف بفضل يدٍ حكيمة أنقذت الجميع, دون أن تسأل أحداً عن دينه أو معتقده!

• ختاما: الصخرة التي تتكسر عليها نِبال الصغار
أمام هذا السيل العارم من السفاهة المستأجرة والعقد المستعصية، ينجلي الغبار عن حقيقة ساطعة كالشمس لا يغطيها غربال الأحقاد: أن هذا الجبل الأشم الجالس في أزقة النجف القديمة لم ولن تهزه طنين الذباب ولا صراخ المرتزقة. فبينما يذهب هؤلاء الأدعياء وأموال مواليهم إلى مزبلة التاريخ، ملاحَقين بلعنات الأجيال وعار الخيانة، يبقى اسم المرجع الأعلى حياً في ضمير كل عراقي شريف، شاهداً على أمة كادت أن تلتهمها المحن لولا يدٌ حكيمة امتدت لتنتشلها من قعر الفتنة.
فلينبح من يشاء، وليبع دينه وقلمه من يشاء؛ فالحقيقة الثابتة التي كتبتها دماء الشهداء وحكمة السنين هي أن المرجعية الصالحة متمثلة بالسيد السيستاني ستظل الحصن المنيع وصمام الأمان، وأن كل هذه الزوابع الإعلامية الهزيلة لن تكون سوى هباء يذروه الريح, أمام قامةٍ تجاوزت حدود الأشخاص لتصبح هي الوطن ذاته!



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو هريرة بين ظلال الصفة وبلاط الأمويين: قراءة في مهنة وضع ا ...
- شغف تحت سقف الورق: كيف تبتكر بغداد ضوءها؟ -معرض بغداد الدولي ...
- قصة قصيرة / صك من زفر
- كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي
- سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في ا ...
- قصة قصيرة/ عبيد الدينار
- حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش
- قصة قصيرة/ كابوس الحياة
- -انهيار الأخلاق الرقمية-/ ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب ...
- -رواتب الموظفين على صفيح ساخن- ستة حلول لازمة السيولة النقدي ...
- تحت لهيب تموز
- الاردن في قلب العاصفة - انكشاف العش السرّي
- اخطاء الزعيم عبدالكريم التي عجلت بسقوط حكمه
- كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟
- قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب
- شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من ...
- قصة قصيرة / فاتورة المحاولة
- زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب
- المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)
- قصة قصيرة / على رف الانتظار


المزيد.....




- مصر.. منشور في صفحة مدرسة يثير جدلًا بشأن ارتداء الطالبات ال ...
- في لبنان والضفة وغزة.. نتنياهو يربك ترامب
- وسط غضب إسرائيلي.. بريطانيا تتجه غداً لحظر التجارة مع المستو ...
- واشنطن تتحدث عن -تقدم جوهري- نحو محادثات ثلاثية.. وزيلينسكي: ...
- النمسا تبدأ بتطبيق حظر -غطاء الرأس الإسلامي- بالمدارس وسط طع ...
- مطار صدام .. خيال ام سلاح غامض ؟
- الاستخبارات الإيرانية تعلن تفكيك خلية إرهابية تابعة للموساد ...
- علامة في الوجه قد تكشف خطرا يهدد القلب والدماغ
- أوروبا.. نوايا الحرب ورغبة بمقعد تفاوضي
- الدوحة تكشف عن وساطة لصياغة اتفاق بين طهران وواشنطن يرضي الط ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - المرجعية الصالحة وأعداء الظل