أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة / على رف الانتظار














المزيد.....

قصة قصيرة / على رف الانتظار


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 07:56
المحور: الادب والفن
    


على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان ينفث دخان سيجارته بشراهة وكأنه يحاول حجب الرؤية عن واقعٍ مرير؛ فراتبه الشحيح قد تبخر منذ أيام، وفي جيبه ترقد آخر ثلاثة آلاف دينار، كشاهد عيان على إفلاسٍ قسري.. الانتظار يأكله..

لم يكن الخوف من الغد ما يؤرقه، بل من "اليوم".. اليوم عيد ميلاد ابنته الصغيرة...التي تنتظره بلهفة.. تراءت أمامه صورة عينيها الواسعتين اللتين تترقبان عودته، والبهجة التي ستنطفئ في مهدها لتتحول إلى خيبة أمل مريرة تكسر قلبها الغض إذا ما عاد خالي الوفاض.
تملّكه القلق، فالتقط هاتفه بقلبٍ واجف، وهاتف صديقاً يرتجي منه ديناً يستر به بهجة العيد. وجاءه صوت الصديق مثقلاً بالاعتذار، فالرواتب الحكومية قد أُرجئت لأسبابٍ مبهمة، غارقة
في دهاليز لا يعلم سرّها إلا "الراسخون في العلم"... أغلقت كل الأبواب في وجهه.

فما كان منه إلا أن قادته قدماه المُتعبتان إلى دكان ألعابٍ قريب. جالت عيناه بين الدمى حتى استقرت على لعبةٍ جميلة، مدّ يده ليرى السعر: "عشرة آلاف دينار".

نظر إلى الدنانير الثلاثة في جيبه، ثم إلى اللعبة. وفي لحظة جنونٍ قادها حب أبويّ جارف وعجزٌ كاسر، دسّ اللعبة تحت سترته، واستدار يهمّ بالخروج مسرعاً، والنبضات تخترق ضلوعه.

وقبل أن يطأ عتبة الباب، شقّ سكون اللحظة صوت صاحب الدكان، رجل عجوز وقور، وهو يصيح بنبرة حازمة: " أستاذ.. انتظر! انتظر! "
تسمّر الأستاذ في مكانه كأن صاعقة ضربت الأرض تحت قدميه. دارت الدنيا به، واجتاحته موجة باردة من الرعب والمهانة، وقال في سريرته وهو يغمض عينيه ألما : "يا لعار هذه اللحظة.. لقد فُضِحت، وسقطت هيبتي أمام نفسي وأمام العالم".

التفت ببطء، منكس الرأس، مستعداً لسياط اللوم والمجاهرة، لكنه وجد العجوز يتقدم نحوه بابتسامة دافئة، ويمدّ يده قائلاً: "تفضل يا أستاذ.. هذا باقي المبلغ من ثمن شرائك اللعبة، لقد نسيتَ أن تأخذه".

تجمّد الكلمات في حنجرة الأستاذ، ووقعت المفاجأة عليه كالغيث في أرضٍ قاحلة. نظر إلى يد العجوز، ثم إلى وجهه الذي خطّت فيه السنون حكمة بالغة؛ لقد رأى العجوز انكساره، فقرر أن يشتري كرامته بفيضٍ من نبله، مغلّفاً صدقته بثوب "باقي المبلغ".

اغرورقت عينا الأستاذ بالدموع، وعجز لسانه عن مجاراة هذا النبل الخفي. شدّ على يد العجوز بامتنانٍ صامت لا تسعه الحروف، واحتضن اللعبة بقلبٍ يرقص فرحاً.

مضى في طريقه نحو البيت بخطواتٍ واسعة مبتهجة، يطوي الأرض طوياً، ولم يعد يرى أمامه سوى ملامح ابنته وهي تقفز فرحاً بهديتها، بعد أن تحولت خيبتها المؤجلة إلى عيدٍ حقيقي، بفضل شيخٍ عرَف كيف يجبر القلوب دون أن يكسر عزة النفس.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق
- قصة قصيرة / صك الحياة وطابور القيامة
- قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين
- خطر وصول تقنية الطائرات المسيرة إلى داعش والقاعدة
- الرافديني الثائر: غازي السعودي وحداثة الجدار
- قصص قصيرة/ خطوات معلقة بين زمنين
- غدير خم: الضربة القاضية لرهانات الثالوث الخبيث
- غدير خُم.. ميثاق حماية الرسالة
- قصتان قصيرتان// ملحمة الرغيف ونعيق في حزيران
- من هرمز إلى الجوع: السلاح الخفي الذي يهدد أمن الغذاء العالمي
- ثورة الطائرات المسيرة في العراق: معادلة الردع الذكي والاقتصا ...
- الحرب الإلكترونية: المعركة التي لا نراها
- قصص// من تحت ركام الذكريات
- من السقيفة إلى دمشق... // قصة الصراع بين الشرعية النبوية وال ...
- مطبخ السياسة الأموية: صناعة -الدين الهجين- وإعادة تدوير العق ...
- التجنيد الإلزامي: هل يغتال أحلام شباب العراق من جديد؟
- مضيق هرمز يبتلع ترامب... كيف دفع جنون ترامب باقتصاد العالم إ ...


المزيد.....




- فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة / على رف الانتظار