أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين















المزيد.....

قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 10:20
المحور: الادب والفن
    


(1)
جلاد في محراب الفضيلة

في شتاء عام 1997، كانت بلدة "الطواويس" قرب الجبل ترزح تحت وطأة برد قارس وركود اجتماعي يشبه البرك الآسنة، حيث تلوذ البيوت الرمادية ببعضها خوفاً من زمن يتسارع في الخارج ويدور في حلقة مفرغة في الداخل.
وفي أروقة جامعة الطواويس، لم يكن الخوف ينبع من جفاف المناهج أو صرامة القوانين، بل كان يتجسد في ممراتها المعتمة على هيئة خمسيني يُدعى الأستاذ الجرية، هكذا يلقبه الطلاب سرّاً بـ "الجرية"؛ تشبيهاً له بتلك السمكة النهرية التي تقطن وحل القاع، لشاربه الكث المنسدل بغرابة على جانبي فمه متهادياً مع كل نأمة ينطقها.

هناك، كان "الجرية" يدرّس مادة صعبة، العلم الذي طوّعه ببراعة واقتدار، محولاً إياه من منارة تضيء العقول إلى فخّ هندسي محكم، لا يعبره أحد إلا بمشيئته وبثمن يرتضيه.
لم يكن "الجرية" يكره الغباء، بل كان يمقت النباهة التي قد تفكك شفرات تجارته الخفية وتعرّي سلطته... لقد تغلغل مبكراً في أعماق السيكولوجية الهشة لمجتمع "الطواويس" المحافظ، مستغلاً حقيقة مريرة: أن رسوب الفتاة ليس مجرد إخفاق أكاديمي، بل هو حكم بالإعدام الاجتماعي يعيدها قسراً إلى ظلمات الحبس المنزلي أو الزواج المفتقر للخيارات.

من هذا الشرخ النفسي، كان يصيغ اختباراته كفخاخ تعجيزية، متعشعشاً في قلقهن، ومحولاً أوراق الإجابة إلى ساحات مستباحة باللون الأحمر لكسر كبريائهن. وخلف الباب المغلق لمكتبه المثقل برائحة التبغ الرخيص، كان ينفتح جحيم "المفاوضات"؛ حيث يقتات على رعبهن من الفضيحة، مقايضاً صك النجاح بتنازلات تمزق ذواتهن وتشوه أرواحهن. لم يكن يرى نفسه مجرماً، بل نرجسياً يتلفع برداء الفلسفة، مؤمناً بأن الأخلاق ليست سوى حيلة اخترعها الضعفاء ليتدثروا بها، وأن العدالة الحقيقية هي قدرة القوي على صياغة المصائر وإخضاع النفوس.

لم يكن "الجرية" يمارس ساديته من موقع القوة المطلقة، بل من غياهب عاهة نفسية غائرة، ونكاية بجرح قديم تشكّل في بواكير عمره؛ حادثة منسية في ركام الماضي وضعت روحه في أسر شعور أبدي بالدونية والعجز.

لقد تحولت تلك الصدمة المبكرة في أعماقه إلى تشوه بنيوي في إدراكه لذاته، فصار يرى في كبرياء كل فتاة وجهاً لجلاده القديم، وفرصة سانحة للثأر من ضعف الماضي الذي لا يزال يسكنه. كان الابتزاز بالنسبة له ليس مجرد رغبة عابرة، بل آلية دفاعية نفسية يحاول من خلالها ترميم نرجسيته الجريحة؛ فكلما أخضع نفساً بريئة، شَعَرَ وهمياً بأنه يسترد جزءاً من رجولته المهدورة. وخلف الأبواب الموصدة، إنها الجدلية الفلسفية البائسة للمهزوم الذي لا يجد معبراً لإثبات وجوده إلا بتحويل الآخرين إلى مساحيق يطمس بها عاره الشخصي، محاولاً عبثاً غسل وساخته الداخلية بدموع الضحايا.

حين تجرأت بعض الطالبات وكسرن جدار الصمت بتقديم شكوى رسمية ضد "الجرية"، لم تكن المعركة بين حق وباطل، بل بين ضحايا عزل ومنظومة متماسكة تحمي عوراتها.
أدرك الجمع أن سقوط الجرية يعني تصدع السد الذي يداري مخازيهم، فتحولت إلى محكمة تفتيش مقلوبة، انتهت بإدانة الضحايا ومعاقبتهن بتهمة التشهير، ليتجلى الظلم بابشع صورة, حين يصبح الفساد هو القاعدة، والطهر يغدو الجريمة التي تستحق العقاب.




(2)
موعد خطير

في "مول الحارثية"، كان "زيد" يسير كطاووسٍ يظن أنه امتلك أطراف المجد. اليوم هو الموعد الأول، اللقاء الذي خطط له كاستراتيجي عسكري يرجو ودّ خارطة قلبها. كانت "سارة" تمشي إلى جانبه، وفي عينيها بريق يشي برغبة عارمة في... البيتزا.
دلفا الصالة، واستقرا أمام طاولتهما كملكين في مأدبة ملكية. تصفحت سارة القائمة بعيون صقر، ثم أشارت بسبابتها الرقيقة:
— "بيتزا بالجبن.. غارقة بالجبن، مع كوبِ ببسي يضجّ بالفقاعات المنعشة."

ابتسم زيد ابتسامة وُجهاء القوم، وأومأ للنادل بإيماءةٍ أرسطية تنمّ عن كرمٍ حاتمي مدفون في جيناته العريقة. وقف أمام المحاسب، ممسكاً بزمام المبادرة، ومدّ يده إلى جيبه الخلفي ليخرج "سيد الموقف" وعماد الكرامة.. المحفظة.
وهنا.. توقفت الأرض عن الدوران!

لمست أصابعه فراغاً سحيقاً، فراغاً يشبه الثقوب السوداء في الفضاء الخارجي. تذكّر فجأة، وبوضوحٍ قاتل، محفظته الجلدية السوداء وهي تنام وادعةً مسترخية على "ميز المراية" في غرفته بالبيت. انخفض ضغط دمه إلى مستويات لم يسبق لها ميل في تاريخ الطب، وشعر ببرودة تجري في عروقه. سأل نفسه سؤلاً وجودياً عميقاً: هل يمكن للمرء أن يتبخر خجلاً ويتحول إلى غاز النيتروجين؟

التفت يميناً ويساراً، باحثاً عن ثقب في السقف يبتلعه، أو معجزة تنشق عنها أرض المول. تقدمت سارة، مستشعرةً هذا الصمت الجنائزي المفاجئ، ونظرت إلى وجهه الذي تحول إلى اللون الليموني.

قالت بابتسامةٍ خطفت ما تبقى من وقاره، وضحكةٍ ودودة كسرَت جمود الموقف الكارثي:
— "لا تهتم.. المحفظة بالبيت، صح؟ أنا سأدفع."

في تلك اللحظة، شعر زيد بأن "البيتزا بالجبن" ليست مجرد طعام، بل هي رمز للمصير البشري الساخر. طأطأ رأسه إلى الأسفل، حتى كادت جبهته تلامس البلاط اللامع للمول، ودخل في مرحلة "السبات الشتوي العاطفي". سكت سكوتاً أعمق من دجلة في مواسم الجفاف، مفكراً في أن الرجولة في بعض الأحيان، لا تقاس بالشهامة.. بل تقاس بمدى قدرتك على ابتلاع إهانتك بجرعة ببسي باردة, دفعت ثمنها صديقتك في الموعد الأول! كان يفكر بعمق: إن الحب في زماننا لا يحتاج إلى فرسان يمتطون خيولاً بيضاء، بل يحتاج فقط إلى شخصٍ يتذكر أين وضع محفظته قبل الخروج.




(3)
اتصال بعد منتصف الليل

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً حين رنّ هاتفه. لم يكن بحاجة للنظر إلى الشاشة ليعرف الهوية؛ ففي هذا الوقت المتأخر، لا يتصل به سوى "الماضي" الذي يحاول الهروب منه.
تجاهل الرنين في البداية، ثم نهص واشعل سيكارته التي يتصاعد دخانها ببطء ليرسم في الهواء ملامح ذكريات قديمة.

تحرك ليجلس على كرسيه الخشبي المتهالك، جسده منبسط برخاوة تعكس تعباً نفسياً عميقاً أكثر منه جسدياً. كوب القهوة البارد بجانبه، وأعقاب السجائر المتناثرة حوله، كانت شهوداً صامتة على ليلة أخرى من الأرق والتفكير.

رنّ الهاتف مجدداً، وبإصرار أكبر.
أخذ نفساً عميقاً، وأغمض عينيه مستسلماً. كان يعلم أن بعض الاتصالات لا يمكن حظرها، لأنها لا تأتي من شبكات الهاتف...
بل تأتي من داخلنا. سحب نفساً أخيراً من سيجارته، واستعد لمواجهة الصوت الذي سيغير هدوء ليلته إلى الأبد.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطر وصول تقنية الطائرات المسيرة إلى داعش والقاعدة
- الرافديني الثائر: غازي السعودي وحداثة الجدار
- قصص قصيرة/ خطوات معلقة بين زمنين
- غدير خم: الضربة القاضية لرهانات الثالوث الخبيث
- غدير خُم.. ميثاق حماية الرسالة
- قصتان قصيرتان// ملحمة الرغيف ونعيق في حزيران
- من هرمز إلى الجوع: السلاح الخفي الذي يهدد أمن الغذاء العالمي
- ثورة الطائرات المسيرة في العراق: معادلة الردع الذكي والاقتصا ...
- الحرب الإلكترونية: المعركة التي لا نراها
- قصص// من تحت ركام الذكريات
- من السقيفة إلى دمشق... // قصة الصراع بين الشرعية النبوية وال ...
- مطبخ السياسة الأموية: صناعة -الدين الهجين- وإعادة تدوير العق ...
- التجنيد الإلزامي: هل يغتال أحلام شباب العراق من جديد؟
- مضيق هرمز يبتلع ترامب... كيف دفع جنون ترامب باقتصاد العالم إ ...
- ايران تنتصر كيف صاغت طهران نظاماً عالمياً جديداً على أنقاض ا ...
- هوليوود في صحراء أصفهان: -رامبو- الأمريكي يستنجد بمسدسه.. وا ...
- أدب الموت المأجور: كيف يُباع العراق في سوق النخاسة الأدبية؟
- كيف حولَت طهران ليالي المملكة إلى كوابيس باليستية
- من ناطحات السحاب الى الملاجئ هل يدفع -خنجر أبوظبي- ثمن خيانة ...
- مضيق هرمز -برميل البارود- الذي هز أركان الاقتصاد العالمي


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين