أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب














المزيد.....

قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 09:54
المحور: الادب والفن
    


في تلك الغرفة الضيقة المعبأة برائحة التبغ العتيق، كان الحب صراعاً مكتوماً بين قلبين يقتسمان النبض وينفصلان في الرؤية.

هو، الشاب المعجون بوعي الفلسفة ومرارة الواقع، يرى في "الرئيس" مجرد أحمق عابر سطا على مقدرات بلد عريق، ممسكاً بزمام السلطة بعقلية بدوية جلفة، لم تجلب للبلاد سوى الحروب العبثية، وصور الديكتاتور المعلّقة في كل زاوية كأنها تمائم شؤم تطرد البركة وتستدعي الموت.

وهي، الفتاة التي أُشربت في قلبها تقديس البزة العسكرية، كانت ترى في الطاغية مشروعاً قومياً، وبطلاً أسطورياً يحمي الحمى؛ فكانت كلماتها تتدفق دفاعاً عن منجزاته الموهومة، مدفوعة بوعي معلب غسلته الماكنة الإعلامية للحزب.

كثيراً ما كانت لقاءاتهما تتحول من همس العشاق إلى جحيم من السجال السياسي. كان يحاول انتشالها من وهم "صنم الأمة"، بينما كانت هي تتهمه بـ "السوداوية" وعدم الولاء لـ "رمز الوطن".

وفي ليلة عاصفة بالجدل، انكسر حاجز الحذر في صدره. لم يعد يحتمل هذا التمجيد الأعمى للموت. فتح حقيبته، وأخرج وثائق، وأرقاماً، وبيانات تاريخية واقتصادية لا تقبل الشك؛ كشف لها بالأدلة الدامغة كيف أن حروب الطاغية لم تكن سوى مغامرات صبيانية لترسيخ مجده الشخصي، وأراها صور المجازر، والقرى التي دُمرت، والديون الخانقة التي كبلت الأجيال، ليؤكد لها في ختام حديثه أن هذا الرمز ليس إلا كياناً متعفناً يعتاش على دماء الأبرياء.

ساد الصمت. كان ذكاؤه وثقافته الموسوعية يسحقان أوهامها واحداً تلو الآخر. شعرت بالعجز، وبدلاً من أن يحررها الوعي، تملكها كبرياء أيديولوجي جريح. لم تحتمل أن ترى صنمها يتهاوى أمام منطق حبيبها. تداخلت في عقلها مشاعر الحب بالخيانة الحزبية، فاعتبرت أن انتصار عقيدتها على قلبه هو الواجب الأسمى.

في الصباح التالي، قادتها أقدامها إلى مقر "الفرقة الحزبية". وقفت أمام الرفيق الحزبي، وبصوت ترتجف فيه الكرامة الحزبية المزعومة، وشَت بقلبها. قدمت تقريراً مفصلاً يتهم الشاب بـ "ازدراء رمز الوطن وبث أفكار مسمومة تعادي الثورة".

لم تمر سوى ساعات حتى حوصرت حارته برجال الأمن. اقتيد من سريره مكبلاً، دون أن تتاح له فرصة لتوديع كتبه أو التطلع إلى السماء الأخيرة. في أقبية التحقيق، لم يكن هناك متسع للكلام؛ فالتهمة جاهزة، والحكم مُعد سلفاً لكل من يتجرأ على تشريح جسد الطاغية بالمنطق.

أُخذ إلى ساحة الإعدام السرية، وهناك، في الغرفة التي تفوح منها رائحة الموت الكيميائي، أُلقي بجسده النحيل في حوض "التيزاب" (الأسيد)، ليذوب لحمه وعظمه في سائل الغدر، متلاشياً في العدم المادي، لكنه ظل في فضاء الفلسفة فكرة حرة لا تقبل الذوبان.

أما هي، فقد بقيت واقفة في طابور التمجيد، تبحث عن وجهها في مرايا الحزب، حاملة في أعماقها ذنب أزلي: أنها قتلت حباً حقيقياً من أجل صنم انطفأ، ليظل عواء الصمت يذكرها في كل ليلة بأنها باعت من أحبها بعلكة من تملق السلطان.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق
- قصة قصيرة / صك الحياة وطابور القيامة
- قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين
- خطر وصول تقنية الطائرات المسيرة إلى داعش والقاعدة
- الرافديني الثائر: غازي السعودي وحداثة الجدار
- قصص قصيرة/ خطوات معلقة بين زمنين
- غدير خم: الضربة القاضية لرهانات الثالوث الخبيث
- غدير خُم.. ميثاق حماية الرسالة
- قصتان قصيرتان// ملحمة الرغيف ونعيق في حزيران
- من هرمز إلى الجوع: السلاح الخفي الذي يهدد أمن الغذاء العالمي
- ثورة الطائرات المسيرة في العراق: معادلة الردع الذكي والاقتصا ...
- الحرب الإلكترونية: المعركة التي لا نراها
- قصص// من تحت ركام الذكريات
- من السقيفة إلى دمشق... // قصة الصراع بين الشرعية النبوية وال ...
- مطبخ السياسة الأموية: صناعة -الدين الهجين- وإعادة تدوير العق ...
- التجنيد الإلزامي: هل يغتال أحلام شباب العراق من جديد؟
- مضيق هرمز يبتلع ترامب... كيف دفع جنون ترامب باقتصاد العالم إ ...
- ايران تنتصر كيف صاغت طهران نظاماً عالمياً جديداً على أنقاض ا ...


المزيد.....




- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...
- مسؤول أمريكي يكشف لـCNN وضع المحادثات الفنية بين واشنطن وطهر ...
- عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حم ...
- فلسطين والسينما المصرية.. من الخلفية الرومانسية إلى هاجس الأ ...
- -بروفة يوم الحساب-... المسرح السوري يختبر الذاكرة قبل أن يطا ...
- من -الأوديسة- إلى -سبايدر مان-.. أبرز الأفلام المنتظرة في صي ...
- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب