اسعد عبدالله عبدعلي
الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تعد فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم (1958–1963) واحدة من أكثر المراحل جدلاً في تاريخ العراق الحديث؛ ورغم الآمال العريضة والإنجازات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي حققها، إلا أن تجربته السياسية شابتها أخطاء استراتيجية وبنيوية قاتلة مهدت سريعاً للإطاحة بنظامه وبداية حقبة طويلة من عدم الاستقرار.
فبالرغم من الزخم الشعبي التأسيسي للعهد الجمهوري الأول، إلا أن ارتهان مصير بلد كامل برغبات وشخص الزعيم الواحد، وتنامي نزعة الفردية والاستئثار المطلق بالسلطة على حساب إرساء نظام مؤسساتي ودستوري متين، جعل الدولة برمتها هشّة وسريعة التهاوي أمام أول هزة عسكرية واجهتها.
لقد تضافرت الإخفاقات السياسية والإدارية، بدءاً من تفكيك حلقة رفاقه من الضباط الأحرار وعزل المرجعيات الدينية والمجتمعية، مروراً بالارتجال في القرارات الاقتصادية والعسكرية الخارجيّة التي جرّت البلاد نحو عزلة إقليمية ودولية خانقة، ووصولاً إلى تسييس الأجهزة الاستخبارية وإهمال التحذيرات الأمنية المهنية.
هذه السلسلة المتشابكة من سوء التقدير والتردد القاتل في الحسم، أدت في نهاية المطاف إلى تجفيف الاستثمار المحلي وفقدان العمق الريفي الموازن، ليرفع الشارع والنخب غطاءهم الجماعي عن النظام في أحرج لحظاته التاريخية، مما جعل من أخطاء الزعيم الذاتية وإدارته الفردية السبب الرئيس والمباشر في انطواء صفحته السياسية مبكراً, واختصار عمر نظامه محاصراً بين جدران وزارة الدفاع.
• الإشكالية البنيوية التي قصمت ظهر الجمهورية الأولى
لخّصت تجربة عبد الكريم قاسم إشكالية بنيوية قاسية في تاريخ العراق الحديث؛ إذ سرعان ما تبددت آمال التغيير الديمقراطي لعام 1958 أمام نزعة الاستئثار المطلق وصناعة هالة "الزعيم الأوحد". فقد أُديرت البلاد بلا مؤسسات تشريعية وفي ظل دستور مؤقت، بالتزامن مع دمج السلطات في شخص الزعيم الذي اتكأ على عاطفة الشارع المندفعة ليحجب عن نفسه آليات المساءلة الدستورية والواقعية السياسية.
ولم يقف هذا الاستنزاف عند حدود الداخل المعزول بالمحسوبية وتزوير الإرادات؛ بل تعداه إلى مواجهات شاملة بدأت بالتراجع عن وعود الشراكة الوطنية، مما فجّر الحرب في الشمال عام 1961 ليُنهك الجيش ويُعزل عن رصد التحركات الانقلابية.
وتعمقت هذه العزلة إقليمياً ودولياً بإثارة أزمة المطالبة بضم الكويت، والدخول في صراع مرير مع المد القومي بزعامة جمال عبد الناصر، فضلاً عن صدامه مع القوى الغربية إثر إقرار القانون رقم 80 لـتأميم الأراضي النفطية دون امتلاك بدائل تسويقية أو تكنولوجية فورية تعود بالنفع على الاقتصاد.
حريٌّ بالذكر أن الخطط الارتجالية قادت أيضاً إلى تغيير ديموغرافي عشوائي حول العاصمة؛ فاستحالت أحزمة الإسكان الإنسانية حزام فقر بائس وكتلة بشرية مشحونة قابلة للانفجار. وفي نهاية المطاف، وبينما كانت ظاهرة عبادة الفرد والتمجيد المطلق تعزل الزعيم عن واقعه المتردي وتآكل شعبيته، تغلغل البرود في تعاطيه مع التحذيرات الاستخباراتية الدقيقة ليلة انقلاب 8 شباط 1963، ليرفض تسليح المقاومة الاستباقية ويقع في حصارٍ محكم عجل بنهايته ونهاية نظامه الهش.
• تشريح السقوط السريع لجمهورية الزعيم
تجلّت مأساة العهد الجمهوري الأول في العراق بنشوء معضلاتٍ بنيوية هزّت أركان الاستقرار الاجتماعي والسياسي للبلاد؛ إذ تحوّل القضاء مع تأسيس "المحكمة العسكرية الخاصة" من ملاذٍ للعدالة إلى منبرٍ سياسي, يُدار بالخصومة الإيديولوجية والخطابات المتلفزة، مما أفقد السُّلطة القضائية هيبتها وحيادها العريق.
ولم يلبث هذا الشرخ أن تعمّق في جسد الدولة حين انفرطت "أخوة السلاح" التي قامت عليها ثورة 1958، إثر إعدام قادة الضباط الأحرار ورموز ثورة الشواف، مما خلّف صدمةً بالغة وغضباً عارماً في صفوف المؤسسة العسكرية.
وعلى الصعيد الداخلي والتنموي، اندفعت السلطة في قراراتٍ ارتجالية افتقرت لتهيئة البدائل؛ فجاء تطبيق قانون الإصلاح الزراعي عشوائياً متسرعاً لينتزع الأراضي دون توفير مقومات الإنتاج والري، مُحركاً عجلة الاقتصاد إلى الخلف ليتحول العراق من مصدّرٍ للحبوب إلى مستوردٍ لها.
وتزامن هذا الإخفاق الاقتصادي مع عجزٍ حاد في احتواء مجازر الموصل وكركوك عام 1959، والتي ارتكبتها عناصر مسلحة غير منضبطة، ليرسخ الصمت والتأخر في الحسم انقساماً طائفياً وعرقياً غائراً في مجتمع الشمال، امتدت آثاره لتخرّب البنية التعليمية بعد أن تغلغل الصراع الحزبي في المدارس والجامعات ليحيلها إلى ساحاتٍ للشحن والتحريض.
وفي غمرة هذا التخبط، اتخذت البلاد مساراً نقدياً غير مدروس بالخروج الفوري من منطقة الجنيه الإسترليني دون حماية كافية للاحتياطيات، مما أربك التجارة الخارجية، رافقه انكفاءٌ دبلوماسي حاد تمثّل بمقاطعة اجتماعات جامعة الدول العربية، مما جرّد العراق من عمقه الإقليمي وجعله ينظر بريبةٍ إلى محيطه.
ولعل المفارقة الوجودية للنظام تمثّلت في رفض تأسيس تنظيم سياسي أو حزب منظّم يذود عن هرم السُّلطة، والاعتماد بدلاً من ذلك على تسليح الشارع عشوائياً عبر مليشيا "المقاومة الشعبية" ثم الانقلاب عليها وتجريدها من السلاح، ليخسر النظام ظهيره الوحيد. وأمام هذا الفراغ التنظيمي والتهاون الأمني الصارخ في حماية المقر العسكري وإهمال تدابير التحصين والاتصال، تهاوى النظام سريعاً في شباط 1963 حين تحركت دبابات الخصوم، فلم يجد الزعيم في ساعاته الأخيرة أي قوة شعبية منظمة تتصدى للانقلاب، لينتهي عهده محاصراً في مكتبه بوزارة الدفاع.
• اخطاء الزعيم الكارثية
شهدت الحقبة التي تلت نجاح ثورة 14 تموز 1958 انفراداً واضحاً بالقرار من قِبل عبد الكريم قاسم، الذي سارع إلى تفكيك وتهميش "اللجنة العليا للضباط الأحرار"؛ فتحوّل رفاق السلاح الأمس إلى بؤرة معارضة وضباط ناقمين يتحينون فرصة الإطاحة بنظامه بعد أن جُرِّدوا من أدوارهم. ولم تقتصر العزلة على الجانب العسكري، بل امتدت اجتماعياً وروحياً عقب إقرار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 عام 1959 دون تنسيقٍ مع المؤسسات الدينية؛ الأمر الذي دفع المرجعيات العليا إلى إعلان موقفها المساند للشريعة ضد مشروع الاحوال الشخصية, وإصدار فتاوى ضد المد المرتبط به، ليخسر النظام غطاءً مجتمعياً مهما.
وفي مسعاه للتحرر من النفوذ البريطاني، اندفع النظام نحو صفقات تسليح سوفيتية ضخمة أثارت رعب العقيدة التقليدية للجيش وخلقت أزمة لوجستية، واضعةً العراق في عين عاصفة الحرب الباردة كحليفٍ للكتلة الشرقية. وتزامن هذا الاختلال مع إخفاقٍ في إدارة ملف "المطالب الترابية" مع إيران، حيث أعلن قاسم من طرف واحد السيادة على شط العرب دون جهوزية عسكرية أو بحرية، مما دفع الشاه للرد عبر تمويل التمرد الكردي بالسلاح.
وعلى الصعيد الإداري والتنموي، فكك النظام خطط "مجلس الإعمار الملكي" الاستراتيجية بدافع سياسي لتطهير آثار العهد البائد، فبعثر الكفاءات وعرقل المشاريع الكبرى خلف بيروقراطية وزارة التخطيط الجديدة، بالتوازي مع تدخلٍ فج في شؤون النقابات العمالية والمهنية حوّلها إلى ساحات تصفية حسابات مزورة. ولم يكن التعامل مع الأطراف بأفضل حال؛ إذ قمعت القبائل الحدودية في خانقين بالقوة الخشنة لتتحول تلك المناطق إلى معاقل آمنة للمنشقين.
وفي الساعات الأخيرة، تداخل التردد الإداري القاتل وبطء الحسم المصيري الذي شلّ مفاصل الدولة، مع اعتماد قاسم الكلي على تقارير "المرافقين الشخصيين" الانطباعية، متجاهلاً التحذيرات المهنية للاستخبارات الرسمية التي نبهت إلى اختراق الوحدات المدرعة، لتكتمل بذلك فصول عزلة الزعيم الفردية التي جعلت نظامه هشاً أمام رياح السقوط.
• الزعيم وقع في الفخ
اندفعت الدولة العراقية في عهد عبد الكريم قاسم نحو مساراتٍ رسّخت العزلة وهزّت أركان الاستقرار الإداري والمجتمعي؛ إذ باشرت السُّلطة بحملةٍ واسعة تحت مسمى "تطهير جهاز الدولة"، أفضت إلى إقصاء مئات القضاة والدبلوماسيين والمديرين ذوي الخبرة، وإسناد مفاصل الإدارة الحساسة لشخصياتٍ تفتقر للخبرة بناءً على الولاء السياسي وحده، ممّا تسبب في تراجع كفاءة المؤسسات الحكومية بشكلٍ حاد.
ولم يقف هذا الاضطراب عند حدود الإدارة، بل تجاوزه إلى الأمن السياسي؛ حيث أُضعِفت منظومة الاستخبارات العسكرية بعد تحويلها من رصد التهديدات الخارجية إلى أداةٍ لمراقبة الضباط وتتبع الولاءات الشخصية للزعيم، ممّا شلّ قدرتها المهنية عن كشف الخطط الانقلابية الحقيقية، بالتزامن مع سياسة فتح الحدود وتجاهل أمنها عبر منح اللجوء لعناصر مسلحة أجنبية دون رقابة، لتتحول بغداد إلى ساحةٍ للصراعات المخابراتية الإقليمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، غابت الرؤية المستدامة بالتركيز على صناعاتٍ استهلاكية وتجميعية خفيفة أخفقت في بناء بنية اقتصادية متينة، رافقها خطابٌ مشحون بنبرة اشتراكية وإجراءات مصادرة وقوانين إصلاح خشنة، أثارت رعب "البورجوازية الوطنية" ودَفعت برؤوس الأموال المحلية إلى الهروب نحو الخارج، ليتوقف القطاع الخاص عن الاستثمار وتتضاعف الأعباء المالية للدولة.
وفي الوقت ذاته، صِيغت قوانين مصادرة أملاك رجالات العهد الملكي دون آليات قانونية عادلة للتعويض، ممّا خلّف شريحةً واسعة من العوائل العريقة الناقمة التي تولّت دعم الحركات المناهضة سراً.
وفي عمق المجتمع، انحسر الغطاء الروحي والمحلي عن النظام؛ فبينما كان قاسم يفرط في الخطابة المباشرة والارتجال لساعاتٍ طويلة كاشفاً دون قصدٍ عن نقاط ضعفه وخلافاته الداخلية أمام خصومه والمخابرات الأجنبية.
• ختاما:
في المحصلة لم تكن نهاية العهد القاسمي مجرد سقوط عسكري لنظام جمهوري فتي، بل كانت تجسيداً للمفارقة الوجودية التي تلازم الثورات حين تختزل المؤسسة في الكاريزما، والوطن في شخّص "الزعيم الأوحد".
لقد كشفت هذه التجربة أن النوايا الإنسانية والشعارات التقدمية تعجز عن الصمود كبديل للبناء الدستوري والشرعية المؤسساتية الفاعلة. وعندما اختار النظام الانكفاء على ذاته؛ عازلاً نفسه عن رفاق السلاح، ومصادماً للعمق الروحي والمجتمعي، ومفرطاً بكفاءات الدولة لحساب الولاءات الضيقة، كان في الواقع يجفف منابع شرعيته ويبدد أسباب بقائه.
إن محاصرة عبد الكريم قاسم في أروقة وزارة الدفاع ليلة الثامن من شباط لم تكن إلا النتيجة الحتمية لعزلة فكرية وإدارية صنعها بنفسه؛ ليظل السقوط السريع لنظامه درساً بليغاً يؤكد أن سلطة الفرد مهما تدثرت بعاطفة الشارع وجموح الارتجال تبقى كياناً هشاً تذروه رياح الأزمات، ما لم تجد لها جذوراً راسخة في أرض التخطيط الحصيف والمؤسسات الدستورية المستدامة.
#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟