أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟















المزيد.....

كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 09:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


على مدار العقود الماضية، ظلت هذه المواجهة محكومة بمد وجزر من الضغوط، إلى أن انزلقت السنوات الأخيرة نحو مرحلة تاريخية مغايرة تماماً، تلاشت فيها ضبابية المواقف وحلت محلها معادلة "فرض قواعد الاشتباك"، فلم يعد الجدار الإيراني مستباحاً، ولم تعد الاعتداءات الأمريكية تمر خلف جدار الصمت, أو في أروقة الإدانة الدبلوماسية، بل باتت تُقابل بردود ميدانية حاسمة وموجعة، تعمدت بالحديد والنار تفتيت الهيبة العسكرية والأمنية التي تباهت بها واشنطن طويلاً أمام العالم.
هذا التحول الجذري في ميزان القوى لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاجاً طبيعياً لاستراتيجية "الدفاع النشط" والردع الشامل التي تبنتها الجمهورية الإسلامية كخيار لا تحيد عنه؛ حيث تحولت العقلية الدفاعية من مجرد تلقي الضربات إلى المبادرة بقطع اليد التي تمتد بالأذى. فكلما حاولت الإدارات المتعاقبة في البيت الأبيض حياكة مؤامرة جديدة لتطويق إيران، أو إحكام الخناق على أنفاس شعبها عبر ما يُعرف بالإرهاب الاقتصادي والعقوبات الجائرة، كانت الجبهة المقابلة تزداد تماسكاً وتنسيقاً.
لقد نجحت طهران في نسج خيوط جبهة مقاومة موحدة ومتكاملة، تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح قوة إقليمية ضاربة قادرة على قراءة لغة الميدان بامتياز، ونقل المعركة في لمح البصر من عمق الحصار إلى قلب القواعد والمصالح الأمريكية الحيوية المنتشرة في مفاصل المنطقة، لتتحول تلك الحصون التي ظنتها واشنطن دروعاً لحلفائها, إلى بنك أهداف مكشوف ينتظر إشارة الرد مع كل حماقة ترتكبها قوى الاستكبار.


• جبهة سوريا: سحق الغطرسة في معاقل الاحتلال الأمريكي
تُمثل الساحة السورية النموذج الأبرز لكسر الهيمنة الأمريكية في المنطقة، حيث يتحول الوجود العسكري الأمريكي في شرق سوريا، وتحديداً في منطقة التنف وحقول النفط، من أداة ضغط سياسي واستراتيجي إلى عبء عسكري واقتصادي كبير. وينطلق محور المقاومة، وفي مقدمته إيران، من رؤية تعتبر هذا الوجود احتلالاً غير شرعي وسرقة علنية للثروات الوطنية السورية، مما شرعن استهدافه بشكل مباشر.
وقد شهدت طبيعة المواجهة تحولاً جذرياً وممنهجاً منذ اغتيال القائد قاسم سليماني، وتصاعدت حدتها مع التوترات الإقليمية الأخيرة، حيث انتقل الرد من إطار الرسائل السياسية والتحذيرية إلى مرحلة الاستنزاف العسكري الفعلي والمباشر عبر استخدام سلاح الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ الدقيقة. واستهدفت هذه الضربات النوعية والمتكررة قواعد حيوية مثل "التنف" و"حقل العمر النفطي"، محققةً إصابات مباشرة أدت إلى خسائر مادية وبشرية حقيقية في صفوف القوات الأمريكية.
هذا الواقع الميداني الجديد أثبت بشكل ملموس فشل وتراجع كفاءة منظومات الدفاع الجوي الأمريكية المتطورة في التصدي لهذه الأسلحة غير التقليدية وحماية الجنود، مما أسقط أسطورة التفوق التقني المطلق ليعزز حقيقة استراتيجية واحدة، وهي أن البقاء الأمريكي على الأرض السورية بات يواجه بيئة طاردة، وأصبح مكلفاً للغاية من الناحيتين البشرية والعسكرية، وغير آمن على الإطلاق.


• الساحة الخليجية (الكويت، البحرين، والإمارات):
تعتبر طهران الانتشار العسكري الأمريكي المكثف في محيطها الجغرافي المباشر مهدداً وجودياً لأمنها القومي، لا سيما وأن دول الخليج تحتضن أضخم القواعد العسكرية لواشنطن في المنطقة، بدءاً من قاعدة عريفجان في الكويت التي تمثل شريان الدعم اللوجستي، مروراً بقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، وصولاً إلى المقر المركزي للأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
ومن هذا المنطلق، صاغت إيران استراتيجية ردع عسكرية هجومية، نجحت من خلالها في تحويل هذه القواعد من مصادر تهديد وضغط عليها إلى رهائن عسكرية تقع مباشرة تحت رحمة بنك أهدافها وأهداف حلفائها في محور المقاومة، لتصبح أي خطوة أمريكية معادية محكومة بكلفة تدميرية باهظة تطال هذه المنشآت.
ويسير هذا الردع جنباً إلى جنب مع عمل ممنهج لتقويض هيبة الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وهو الرمز الأبرز للنفوذ البحري الأمريكي في المنطقة؛ إذ يتعمد الحرس الثوري الإيراني استعراض قوته البحرية وسيطرته العملياتية في مياه الخليج ومضيق هرمز عبر تسيير الزوارق السريعة، واعتراض واحتجاز السفن والناقلات المخالفة للأنظمة البحرية في تحدٍ علني للإرادة الأمريكية.
هذا الاحتكاك المستمر والمناورات الجريئة فرضت واقعاً ميدانياً معقداً يضع القوات البحرية الأمريكية في حالة استنفار دائم وقلق مستمر من اندلاع مواجهات بحرية خاطفة وغير تقليدية، مما أدى في نهاية المطاف إلى تآكل المظلة الأمنية التي توفرها واشنطن، وظهورها بمظهر العاجز عن حماية نفوذها أو تأمين حركة الملاحة بشكل مطلق أمام القدرات البحرية والصاروخية الإيرانية المتصاعدة.


• مكاسب ايران من ضرب قواعد امريكا العسكرية
تحقق إيران من خلال استراتيجية استهداف وتهديد القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول المنطقة (مثل الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، والأردن) حزمة من المكاسب الجيوسياسية والعسكرية الفادحة، لعل أبرزها:
1- تثبيت ميزان ردع استراتيجي يحمي العمق الإيراني؛ فوضع هذه المنشآت الحيوية في مرمى النيران يرفع كلفة أي حماقة أو هجوم أمريكي مباشر ضد طهران إلى مستوى لا يمكن لواشنطن تحمله سياسياً وبشرياً.
2- يساهم هذا الواقع بشكل مباشر في تقويض المظلة الأمنية الأمريكية وتآكل هيبتها، حيث يبعث برسالة عملية قاطعة للدول الحليفة والمضيفة بأن القوة العظمى عاجزة عن حماية جنودها، فكيف بحماية حلفائها، مما يدفع تلك الدول تدريجياً نحو انتهاج سياسة التهدئة والبحث عن تسويات دبلوماسية مباشرة مع طهران, بدلاً من الاصطفاف في محاور معادية لها.
3- تسعى إيران إلى تحويل بيئة المنطقة إلى بيئة طاردة للوجود الأجنبي عبر فرض حالة استنزاف واستنفار دائم تقيد حركة الأساطيل والطائرات الأمريكية وتجعل بقاءها عبئاً مكلفاً، بالتوازي مع تخفيف الضغط العسكري والاستخباري عن كاهل حلفائها في محور المقاومة في ساحات سوريا والعراق واليمن ولبنان، مما يكرس في نهاية المطاف مكانة إيران كقوة إقليمية أولى قادرة على كسر الهيمنة وتغيير قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.


• ختاما:
في الختام يتضح جلياً أن المعادلة التي أرستها الجمهورية الإسلامية طوال العقود الماضية قد تجاوزت مرحلة الصمود السلبي إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، تآكلت فيه أسطورة الهيمنة الأمريكية المطلقة على أرض الواقع ومياهه.
إن تحول القواعد العسكرية من حصون ردع إلى بنك أهداف مكشوف ومستنزف في سوريا والخليج والأردن، لم يكن مجرد انتصار عسكري عابر، بل هو إعادة صياغة كاملة لخرائط النفوذ وقواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.
لقد أثبتت لغة النيران والمسيرات الدقيقة أن المظلة الأمنية لواشنطن لم تعد قادرة على حماية نفسها، فضلاً عن تأمين حلفائها، مما وضع الإدارات الأمريكية أمام معضلة تاريخية غير مسبوقة توازن فيها بين كلفة البقاء الباهظة ومرارة الانسحاب الحتمي.
وفي المحصلة، فإن كبرياء الاستكبار الذي تفتت عند أسوار "الدفاع النشط" الإيراني، يؤسس لعهد جديد تملك فيه شعوب المنطقة وقواها الحية قرارها وسيادتها، لتظل الساحة الإقليمية شاهدة على أن زمن الإملاءات الأحادية قد ولى إلى غير رجعة، وأن فجر التوازن الجديد قد بزغ بالحديد والنار وصمود المحور.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب
- شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من ...
- قصة قصيرة / فاتورة المحاولة
- زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب
- المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)
- قصة قصيرة / على رف الانتظار
- قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق
- قصة قصيرة / صك الحياة وطابور القيامة
- قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين
- خطر وصول تقنية الطائرات المسيرة إلى داعش والقاعدة
- الرافديني الثائر: غازي السعودي وحداثة الجدار
- قصص قصيرة/ خطوات معلقة بين زمنين
- غدير خم: الضربة القاضية لرهانات الثالوث الخبيث
- غدير خُم.. ميثاق حماية الرسالة
- قصتان قصيرتان// ملحمة الرغيف ونعيق في حزيران
- من هرمز إلى الجوع: السلاح الخفي الذي يهدد أمن الغذاء العالمي
- ثورة الطائرات المسيرة في العراق: معادلة الردع الذكي والاقتصا ...


المزيد.....




- شاهد.. رجال الإطفاء يواجهون ألسنة اللهب من قلب حريق غابات في ...
- مقتل 20 طالباً على الأقل في حادث حافلة مروع بأوغندا
- مقر خاتم الأنبياء بإيران يهدد أمريكا مبينا ما سيفعله بالمنطق ...
- رواج تدوينة قرقاش عن دور مجلس التعاون الخليجي و-عدم تكريس ال ...
- اليمن يرحب بمبادرة الأردن لتشغيل مطار صنعاء ويطالب الحوثيين ...
- -28 عاما ليست كافية-.. محكمة استئناف أمريكية تلغي حكم -إرهاب ...
- موسكو تعلن إسقاط وتدمير أكثر من 370 طائرة مسيرة أوكرانية الل ...
- بينها السعودية والبحرين.. تحذير أمريكي عاجل من السفر إلى 15 ...
- تطوير طائرة مسيّرة -شبحية- يصعب رصدها بصريا
- عالمة مناخ تحدد متى تبلغ ظاهرة النينيو ذروتها


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟