أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في السياسة















المزيد.....

سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في السياسة


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 10:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين يتحول المشهد السياسي إلى مسرح مظلم، تبرز تلك الكائنـات التي أصابها مرض السلطة، حيث يتضخم الوهم في رأس المسؤول حتى يرى في ذاته محوراً للكون ومركزاً للوجود. إن أزمة "تضخم الأنا" هنا ليست مجرد انحراف نفسي عابر، بل هي حالة استبداد وجودي؛ فالقائد المصاب بهذا الداء السيكولوجي لا يدرك السياسية كعقد اجتماعي مؤقت أو كخدمة عامة تُؤدى بتواضع، بل يراها عرشاً مقدساً ومرآة يعبد من خلالها ظله المستبد.
في هذا الفضاء المشوه، ينغلق السياسي على ذاته المورمة، رافضاً لأي مرآة حقيقية أن تعكس عيوبه، وناظراً إلى كل نقد باعتباره كفراً مبكراً أو خيانة عظمى تستوجب الإقصاء. وحين تنفصل "الأنا" المتضخمة عن واقع الناس وأوجاعهم، يتحول الحقل السياسي برمته من صراع برامجي للأفكار وخطط البناء, إلى محرقة كبرى للولاء الشخصي، حيث لا يُطلَب من المواطن أن يكون شريكاً في الوطن، بل رعيّة خاضعة تجيد السجود على عتبات الأنا المتضخمة، وتصفق في وجه خرابها الظاهر.
إنها المأساة الكبرى حين يظن من جلس على كرسي الحكم أنه قد ملك الزمن، فإذا به، في ميزان التاريخ، مجرد عابر ضئيل سقط في فخ وهمه الأبدي.

• وهم العصمة والتمييز المطلق:
حين يتوغل الاستبداد في نفس المسؤول، يتسلل إلى وعيه وهم العصمة والتمييز المطلق، ليقنع ذاته بأنه لم يُخلق من طين البشر العاديين، بل هبط إلى سدة الحكم بنسخة أزلية من الحكمة المطلقة والقدرات الاستثنائية التي تقصر عنها عقول العالمين.
في هذا المدار المظلم، لا يعود يرى في أصله أو مسيرته مجرد صدفة تاريخية أو كفاح بشري، بل يحيلها إلى تفوق جوهرى ووراثي يمنحه حق الوصاية الأبدية على مقدرات الأمة.
إن الكرسي لديه لا يُفهم كتكليف مؤقت تفرضه قوانين اللعبة الديمقراطية والخدمة العامة، بل يتحول في مخيال طغيانه إلى "ضرورة وجودية" لا يستقيم الكون ولا تستمر الحياة بدونها، وكأن زواله عن السلطة هو نهاية العالم ذاته.
هكذا تنعزل الذات المتخمة بالأوهام عن منطق التاريخ وبشريته، متخندقة خلف أسوار من التقديس المصطنع، لتصبح مأساة المجتمع في محاولته الدائمة لإيقاظ هذا الحاكم من غفوته العميقة على أسطورة عصمته المزعومة.

• رفض النقد باعتباره "خيانة" أو "جهلاً":
حين يتجذر وهم العصمة في عقل القائد المستبد، يصبح النقد في نظره خطيئة لا تُغتفر وجريمة تُقاس بمقاييس الخيانة العظمى؛ فهو عاجز تماماً عن إدراك الفارق البسيط بين ذاته البشرية المعرضة للزلل, وبين الكيان العام الذي يديره.
في عقيدته المظلمة، لا وجود لنقاش حول سياسات فاشلة أو أداء إداري متصدع، بل يرى في كل صوت محاسبة هجوماً شخصياً مدفوعاً بالحسد أو مؤامرة كونية تحاك ضده.
وحين تلتحم "الأنا" المتضخمة بكرسي السلطة التحاماً تاماً، تتحول أي إشارة لخطأ عابر إلى طعن مباشر في قداسته ونزاهته المزعومة. هكذا يُغلق باب الحوار نهائياً، ويُحاصَر العقل العام، ليصبح الصمت طاعة والاعتراض خيانة، وكأن بالسياسي يقول للناس إن الوطن هو شخصه، وإن المساس بقراره هو هدم لأصل الوجود.

• امتلاك الحق المطلق:
حين تكتمل دائرة الاستبداد في عقل هذا السياسي، يستقر في وجدانه وهم امتلاك "الحق المطلق"، ليغلق بذلك باب النسبية الإنسانية ويُلغي فكرة الأغلبية والتعددية من أساسها. بالنسبة له، ما يصدر عن لسانه أو يمر عبر هواجسه ليس مجرد اجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب، بل هو الحقيقة الناجزة المنزلة التي لا تقبل الجدل أو التأويل، وما عداها من آراء أو رؤى لا يعدو أن يكون باطلاً مضللاً أو جهلاً مطبقاً يستوجب التقويم والتوبيخ. من هذا المنطلق، يفقد الحوار معناه الفلسفي والإنساني؛ فهو ليس أداة تشاركية للوصول إلى حلول وسط أو بناء توافق وطني، بل يتحول إلى منبر أحادي وعالٍ لإلقاء المحاضرات وتلقين الآخرين دروساً مجانية في الصواب والطاعة.
هكذا يسقط فضاء السياسة في فخ الجمود المطلق، حيث تُلغى المسافات بين فكر الحاكم وقانون الكون، ليصبح كل اختلاف في الرأي جريمة تُرتكب في حق الحقيقة المطلقة التي يتربع هو على عرشها وحده.

• شيطنة الخصوم وتجريم المعارضة:
حين يستشعر هذا السياسي المتضخم هشاشة عرشه المزعوم، يلجأ إلى السلاح الأقدم في حروب الطغاة: شيطنة الخصوم وتجريم المعارضة. لكي يحافظ على صورته الأحادية كرمزٍ مطلق للطهر والنقاء، فإنه يقيم عالمه على ثنائية حادة ومظلمة تقوم على قاعدة «أنا الشريف النزيه، والآخرون هم الفاسدون والمتآمرون».
إنه لا يطيق مجرد الاختلاف في الرأي أو تباين البرامج، لأن الاختلاف بذاته يهدد أسطورته، لذا يسعى باستماتة إلى نزع الشرعية الأخلاقية عن كل من يقف في وجهه. وحين يتحول الخلاف السياسي إلى حرب إبادة معنوية، يصبح المجال العام أشبه بمحاكم تفتيش مفتوحة تُحاكم فيها الذمم وتُغتال فيها النيات بلا دليل.
هكذا يُفرغ الفضاء الوطني من معناه التراجيدي الجميل، ليتحول إلى مسرح هزلي ينصب فيه الحاكم مقاصل الأخلاق المزيفة، طامحاً بأن تبقى صورته وحدها الناصعة فوق ركام الأبرياء.

• الجذور والانعكاسات
حين يُصاب الحقل السياسي بهشاشة البنيان وغياب ميزان المحاسبة الحقيقية، تتحول حاشية الحكم إلى تربة خصبة تنبت فيها أفاعي التملق والانتهازية. في هذا المناخ المشبع برائحة النفاق، لا يجد المسؤول المأزوم بأناه سوى جوقة من المصفقين والتابعين الذين يحيطونه بأسوار من الإطراء الزائف، معززين لديه كل وهمٍ بالألوهة المصغرة والعصمة المطلقة.
وحين تنعكس على مرآة عينيه طوال اليوم وجوه تنحني طاعةً وصفقات تُعقد مدحاً، ينفصل تماماً عن قسوة الواقع وأوجاع الناس الحقيقية في الشارع.
هكذا يغدو في عزلته الذهنية كمن يسكن فوق سحاب وهمي، يرى صدى صوته هو الحقيقة الوحيدة، ويظن أن ضجيج الطبالة حول عرشه هو نبض الأمة، ليعيش غريباً عن وطنه، مأخوذاً بسحر مرآة كاذبة توشك أن تنكسر على صخرة الحقيقة الآتية.

• ختاما: حين تستيقظ الأرض على حقيقة الزوال
وفي النهاية، وحين تتداعى عروش الأوهام وتهوي أسوار العصمة المزعومة على ركام التاريخ، يكتشف هذا الحاكم المستبد أن الزمن لا يُشترى بالألقاب، وأن الشعوب وحدها هي الباقية.
إن سيكولوجية التعالي السياسي ليست سوى فقاعة عابرة في سماء الأوطان، مهما طال أمد ليلها. وحدها الحقيقة تمشي على قدمين من طين وكرامة، لتثبت أن الكرسي حين ينفصل عن نبض الناس ووجعهم، لا يترك لصاحبه سوى خزي النسيان، ومرارة السقوط من أعلى وهمٍ إلى قاع الحقيقة الأبدية.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة/ عبيد الدينار
- حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش
- قصة قصيرة/ كابوس الحياة
- -انهيار الأخلاق الرقمية-/ ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب ...
- -رواتب الموظفين على صفيح ساخن- ستة حلول لازمة السيولة النقدي ...
- تحت لهيب تموز
- الاردن في قلب العاصفة - انكشاف العش السرّي
- اخطاء الزعيم عبدالكريم التي عجلت بسقوط حكمه
- كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟
- قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب
- شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من ...
- قصة قصيرة / فاتورة المحاولة
- زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب
- المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)
- قصة قصيرة / على رف الانتظار
- قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق
- قصة قصيرة / صك الحياة وطابور القيامة


المزيد.....




- مصر.. الداخلية تكشف حقيقة فيديو بتعدي أفراد شرطة على شخص بمس ...
- موبي ديك: رواية القرن التاسع عشر التي تحدت خوف الإنسان من ال ...
- سوريا تدين ضربة إسرائيلية قرب بيت جن وسط تصاعد التوتر بين إس ...
- محمد بن سلمان في باريس: شراكة تتجاوز العلاقات الثنائية في زم ...
- تقرير فرنسي: المغرب طلب مروحيات -كاراكال- وطلبياته الدفاعية ...
- فيليبو: وقف الدعم الفرنسي قد يعجل برحيل زيلينسكي
- مسلحون ينفذون أكثر من 30 هجوما في جنوب تايلاند (فيديو)
- مرشحة رئاسية أمريكية: زيارة أعضاء الكونغرس إلى روسيا ستساعد ...
- بيانات تكشف قفزة قياسية في الدين الخارجي لأوكرانيا منذ 2013 ...
- استخدام الهاتف واللاب توب لساعات طويلة.. 5 نصائح تحميك من آل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في السياسة