أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - اسعد عبدالله عبدعلي - حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش















المزيد.....

حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 11:09
المحور: المجتمع المدني
    


في زحام الشوارع ووسط صخب الأسواق، وفي تلك اللحظات الفاصلة بين رصيف وآخر، لم تعد الفتاة العراقية تمشي بخطوات آمنة بل أصبحت تسير وكأنها تعبر حقل ألغام مميت تتطاير حوله شظايا التبرير المجتمعي والانفلات الأخلاقي.
ان الشارع الذي كان يوماً مساحة رحبة للحياة والتفاعل الإنساني الدافئ, تحول بقدرة فوضى الضمائر, وغياب الردع, إلى غابة خرسانية موحشة, تترصد في زواياها نظرات الجوع والتهتك المقيت، وتتعالى في هوائها أصوات التحرش السخيفة والوقحة, كدليل صارخ وفاقع على انحدار قيمي مروع ومخيف, يعصف ببنية المجتمع ويضرب في عمق قيمه وأعرافه الأصيلة، لتجد ابنة هذا الوطن نفسها وحيدة في مواجهة هذا السعار اليومي, وهي تتجرع مرارة القهر والامتهان, بلا جريرة اقترفتها سوى أنها ولدت لتسير في وطن تنتهك فيه طمأنينتها علانية.
فهي ليست مجرد ظاهرة عابرة يمكن تجاوزها بابتسامة صفراء باهتة, أو نصيحة باردة تلقى عرضاً من عابر سبيل لا يبالي، بل هي ورم خبيث يتفشى بلا توقف في جسد الحياة, ليأكل ما تبقى من هيبة القانون والأعراف الاجتماعية، ويترك الفتيات رهينات للخوف المرير والابتزاز النفسي المستمر, الذي يسرق منهن بهجة العيش, ويحيل أبسط تفاصيل خروجهن إلى رحلة عذاب صامتة, تئن تحت وطأتها الضمائر الحية, وتصرخ من ظلمها جدران المدن المكلومة.


• ما الذي أشعل فتيل هذا السعار؟
حين نبحث عن الأسباب التي جعلت التحرش يتحول إلى هذا الوجه المستفحل، فإننا نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة من الانهيارات والدوافع؛
إذ يتصدر المشهد غياب الردع القانوني الفعلي, حيث تبدو القوانين الرادعة إما غائبة أو مهشمة أو حبيسة الأدراج، فان غياب العقوبات القاسية والعلنية ضد المتحرشين يمنحهم الضوء الأخضر لمواصلة أفعالهم بأمان تام من أي قصاص.
ولا ينفصل ذلك عن التفسخ الأخلاقي وتراجع منظومة التربية بعد أن تآكلت التقاليد الرصينة التي كانت تحترم الجار وابنة المنطقة، وحلت محلها ثقافة التفاخر بالانحلال وضعف وازع المراقبة الأسرية حيث يُترك الشباب والمراهقين من دون توجيه أو تربية تحترم إنسانية الآخر.
ويضاف إلى ذلك البطالة والانسداد النفسي, إذ أفرزت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة طوابير من الشباب العاطلين عن العمل, ممن يعانون من إحباط مزمن وانسداد أفق تام، فانعكس هذا الكبت بطرق مدمرة ومشوهة تتحول إلى عدوانية مجتمعية مفرطة تفرغ في الشوارع.
لتكتمل الحلقة بـثقافة اللوم المقلوب! حيث يميل المجتمع غالباً لحماية المعتدي وإلقاء اللوم على الضحية! متسائلاً لماذا خرجت وماذا كانت ترتدي، وهو ما يشكل مظلة حماية غير مباشرة للمتحرش, ويمنع الضحايا من رفع أصواتهن بالشكوى خوفاً من الفضيحة المجتمعية.


تحليل نفسي للمتحرش
حين نحاول الغوص في الأعماق النفسية المظلمة للمتحرش، فإننا لا نكتشف سوى كائن مهشم, يعاني من عجز عميق واضطراب في بنيته الشخصية.
فهو يمارس فعله المشين متعمداً وهو يعلم تماماً بقبحه، مستنداً في دوافعه الخفية إلى شعور دفين بالنقص, ويتم تعويضه عبر الهيمنة الوهمية وسرقة الأمان من الآخرين.
إن تكراره لهذا الفعل القبيح لا ينبع من مجرد رغبة عابرة، بل يمثل حلقة إدمانية من تفريغ الشحنات العدوانية، حيث يستمد متعة مريضة من إرباك الضحية ورؤيتها خائفة أو منكسرة، ليغذي بذلك غروره الزائف ويخفي هشاشته الداخلية.
وحين يتكرر السلوك بلا رادع ذاتي أو قانوني، يتحول المتحرش إلى أسير لدائرة مفرغة من السيكوباثية والتبلد العاطفي، غارقاً في تبريرات واهية تسقط مسؤوليته الأخلاقية، غير آبه بأن كل فعلة من أفعاله تهدم ما تبقى من إنسانيته, وتترك ندوباً عميقة في روح المجتمع.


الازمة النفسية للضحية
تعيش الفتاة ضحية التحرش أزمة نفسية عميقة وموجعة تزلزل أركان كيانها وتترك ندوباً غائرة في روحها، إذ تتقاذفها مشاعر الصدمة والإنكار فور تعرضها للاعتداء, وكأن العالم الآمن من حولها قد انهار فجأة ودون مقدمات.
ليتحول الخوف إلى رفيق دائم يتربص بخطواتها, ويجعلها تشعر بفقدان السيطرة على أبسط تفاصيل حياتها ومحيطها، ويتفاقم هذا العذاب الداخلي بفعل شعور ثقيل بالخزي والذنب غير المستحق, يتغذى على ثقافة مجتمعية ظالمة تلقي باللوم عليها وتحملها وزر جريمة لم تقترفها، مما يدفعها نحو العزلة القاتمة والانكفاء على الذات, خوفاً من نظرات الشك والشماتة أو الفضيحة.
ويهز ثقتها المطلقة بالآخرين, ويغرس في وجدانها شعوراً جارحاً بالعجز والمهانة تفقد معه القدرة على الشعور بالأمان والألفة في أكثر الأماكن اعتيادية، لتظل تحارب بصمت مرير مع قلق مزمن وكوابيس ليلية تلاحقها طويلاً، محاولة ترميم ما انكسر من ثقتها بنفسها وبإنسانية من حولها.


طوق النجاة: كيف نوقف هذا النزيف؟
الوقوف مكتوفي الأيدي لم يعد خياراً والسكوت على هذا الاستفحال يعني مشاركة صريحة في الجريمة، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه لا بد من قرارات صارمة وحلول عملية عاجلة تتمثل في تشريع وتفعيل قوانين صارمة جنائية واضحة تجرم التحرش اللفظي والجسدي والإلكتروني مع فرض عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية باهظة.
وتفعيل شرطة حماية الأسرة لتكون حاضرة بقوة في الأماكن العامة والأسواق، إلى جانب ربط الساحات العامة والجامعات وأطراف الأسواق بشبكة كاميرات مراقبة ذكية مرتبطة بغرف عمليات أمنية, لتوثيق حالات التحرش, وضبط الجناة بالجرم المشهود, ليكونوا عبرة لمن يعتبر.
فضلاً عن إطلاق حملات توعية إعلامية ومجتمعية عبر المنصات والقنوات الفضائية والمدارس والجامعات, تغيير الصورة النمطية وترسيخ ثقافة احترام الحريات الفردية وتجريم ثقافة لوم الضحية, ومعالجة الأسباب النفسية والاقتصادية عبر توفير فرص عمل للشباب واحتواء طاقاتهم, في مسارات بناءة.
وتفعيل دور المؤسسات الإرشادية والنفسية لعلاج الانحرافات السلوكية قبل أن يتحول أصحابها إلى مفترسين في الطرقات، فالشارع العراقي ملك لجميع أبنائه وبناته, ولا يمكن السماح لمجموعة من العابثين والمنفلتين أن يحولوه إلى سجن كبير للخائفات، وقد آن الأوان لتستفيق الضمائر وتتحرك الجهات الرسمية بيد من حديد لقطع دابر هذا الوباء.


ختاما:
إن معركة الشارع اليوم ليسَت معركة مساحةٍ أو عابر سبيل، بل هي معركة وجودٍ وهيبة وطن؛ فإما أن نظل أسرى لغابة خرسانية تنهش طمأنينة الأبرياء وتكسر ظلال الأمان، وإما أن نسترد شوارعنا وأزقتنا لتكون مرة أخرى منازل دافئةً لكل عابر وابنة.
إن بنات العراق لسن وحدهن في هذه المعركة، وحين تتطهر الارض من عبث العابثين, وتستفيق الدولة بقرارات صارمة لا تعرف الهوادة، سيعود النور ليغسل عتمة الأرصفة، وستسير الخطوات على هذه الأرض الحبيبة بخفة وثقة، وكأن شيئاً من وجع الخوف لم يكن.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة/ كابوس الحياة
- -انهيار الأخلاق الرقمية-/ ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب ...
- -رواتب الموظفين على صفيح ساخن- ستة حلول لازمة السيولة النقدي ...
- تحت لهيب تموز
- الاردن في قلب العاصفة - انكشاف العش السرّي
- اخطاء الزعيم عبدالكريم التي عجلت بسقوط حكمه
- كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟
- قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب
- شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من ...
- قصة قصيرة / فاتورة المحاولة
- زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب
- المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)
- قصة قصيرة / على رف الانتظار
- قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق
- قصة قصيرة / صك الحياة وطابور القيامة
- قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين
- خطر وصول تقنية الطائرات المسيرة إلى داعش والقاعدة


المزيد.....




- أفغانستان.. اعتقال موظفين أمميين في مدينة هرات
- -تحرم الضحايا من العدالة-.. منظمات حقوقية تقاضي ترامب بسبب ع ...
- القضاء السوري يصدر أحكاماً بالإعدام بحق بشار وماهر الأسد ومس ...
- الأمم المتحدة: الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلةتفاقم الاحتيا ...
- في سابقة بالشرق الأوسط.. البرلمان اللبناني يلغي عقوبة الإعدا ...
- النائب العام السوري: أحكام الإعدام بحق رموز ‏النظام البائد ي ...
- الأمم المتحدة تحذر: الضفة الغربية أمام -منعطف خطير- مع تصاعد ...
- حكم بإعدام الرئيس بشار الأسد وعدد من رموز النظام السوري المخ ...
- العفو الدولية تنتقد الحكم على الأسد وشقيقه ماهر وتدعو دمشق ل ...
- الجبل الأسود.. اعتقال 50 شخصا من أوكرانيا ومولدوفا وسلوفاكيا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - اسعد عبدالله عبدعلي - حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش