أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي














المزيد.....

كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 09:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صحوتُ مذعوراً.. القلب يخفق بعنف، والأنفاس تتسارع كأنني أفر من هاوية. لم يكن سوى كابوسٍ مرعب، لكن مرارته تملّكت حلقي وأنا أستحضر مشهد البداية: ها قد أقبل الشهر من نهايته، والراتب الحكومي حبيسُ الأدراج لم يُصرف بعد! التزاماتي لا تعرف الرحمة، ولا تقبل التأجيل قطرةً واحدة؛ إيجار البيت ينتظر، أجور المولدَة الكهربائية تتكدس، أجور الإنترنت، ثم فاتورة دواء المرض المزمن التي لا محيد عنها، وصولاً إلى تلك الديون المتراكمة التي تثقل الكاهل.
أسرعتُ باحثاً عن الهاتف لأتأكد من التاريخ بلهفة وخوف.. يا لليقين المرّ! إنه الخامس والعشرون من الشهر تماماً، حيث يبدأ العد التنازلي للإنهاك العصبي.
معادلة العدل المقلوب في بلادنا تبدو واضحة تماماً؛ فالمواطن يُغرم إن تأخر عن سداد التزاماته، بينما تتقاعس الحكومة عن صرف الراتب في موعده فلا يُحاسبها أحد.. لو طُبق المنطق السليم، لفرضنا غرامات تأخير سيادية على الخزينة المتخلفة عن موعدها (الـ 25 من الشهر)، لتُقتطع من نثرياتهم وتُرد للمواطن الذي يُحاصرهم الجوع، وتراكم الديون، وفواتير المولدات، لكنه العدل الذي لا يُطبق إلا على الضعفاء.

وما إن صحوتُ على هذه الصدمة، حتى أعلنت الكهرباء الوطنية عن وفاتها المعتادة، فانطفأت المصابيح مع بزوغ الصباح. نهضتُ متعثراً نحو الثلاجة بحثاً عن ماء بارد وأي رمق طعام، ففتحت بابها البارد لأجده خاوياً على عروشِهِ؛ فقد نسيتُ تماماً أن أتسوّق شيئاً للفطور ليلة البارحة من فرط التعب والهموم... تناولتُ هاتفي شاقاً بصري في الاخبار، فإذا بخبرٍ عاجل يتصدر الواجهة: "رئيس الوزراء سيوزع مليون قطعة أرض".. همستُ بمرارةٍ وتساؤل ساخر: امممم.. من جديد! قطعة أرض أخرى تُضاف إلى سيل الوعود بقطع الأراضي التي وعد بها السابقون, كمن يبيع السراب للظمآن.

ضاقت بي الدار، عندها قررت الخروج نحو الفرن لأجلب بعض "الصمون", علّه يسدّ رمق الصباح. وهناك، بدأت رحلة العقبات؛ فما إن خطوتُ خطواتي الأولى حتى صادفني قطيعٌ من ثلاثة كلاب سائبة، نباحها الوحشي أيقظ في ذاكرتي شبح رجال الأمن في الزمن القبيح، وكيف كانوا يلاحقون الناس بلا رحمة. أزحْتُ الخوف عن قدمي ومضيت، لأصطدم بالعقبة الثانية: عبور الشارع الذي بات ممراً محفوفاً بالموت! بفضل عجلات "التكتوك" المسرعة بتهور جنوني لا يبالي بأرواح العابرين.

عُدتُ إلى البيت بسلام، محموماً برغبة عابرة لصنع فطور دافئ أستفتح به يوماً أتوسل فيه وميضاً من أمل. أوقدتُ النار، وضعتُ المقلاة، وشرعتُ في قلي البيض وتسخين إبريق الشاي.. وما هي إلا لحظات حتى تفاجأتُ بقنينة الغاز وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بصوتٍ متقطع ومخنوق، قبل أن يكتمل قلي البيض، وقبل أن يسخن الشاي حتى نصف سخونته!
رميتُ قداحتي بيأسٍ على الطاولة، وأطلقتُ زفرةً مريرة اختلطت فيها رائحة الغاز الخاوي بمرارة الصباح الموصد. نظرتُ إلى المقلاة حيث البيض النصف ناضج، وإلى الشاي الفاتر الذي يرفض أن يغلي، فقلت لنفسي بسخريةٍ سوداء: "ها هو الوطن يختصر في قنينة غازٍ تفرغ تماماً قبل أن ينضج إفطارك.. فكيف بنضج أمة؟"

لكن، وقبل أن يُطبق عليّ صمتُ اليأس، لمعت بريقٌ غير مألوف على شاشة الهاتف الملقى بجانبي.. هاتفٌ ظل لدهرٍ طويل مقبرةً للوعود والأصفار... بأصابع مرتعشة، فتحتُ تطبيق المصرف.. وللمرة الأولى في تاريخ هذا التقويم الملعون، لم يكن الحساب فارغاً.. لم يكن مجرد الراتب المنتظر، بل وُضعت في حسابي مبالغ طائلة دُوّن أمامها بندٌ غريب ومذهل: "تعويضات أضرار الروح، غرامات التأخير السيادية، وبدل ضغط الدم الصباحي". لقد قررت الخزينة، في لفتةٍ سوريالية تشبه المعجزات، أن تعترف بكل ما مررتُ به؛ فدفعت ثمن الصمون، وعوضتني عن نباح الكلاب، بل وحتى عن أنفاس قنينة الغاز الميتة!.. جلستُ بذهولٍ مطبق، أطالع الأرقام وهي تضيء في وجه العتمة، وأنا أتساءل بلا تصديق: "أهي عدالة الحكومة التي أشرقت أخيرًا من حيث لا ندري؟".

فجأةً.. صحوتُ على صرخاتِ جاري المدوّية، لأدرك أنني ما زلتُ سجيناً في كابوسٍ يتناسخ! فقد كان الجار يعوي في جوف الشارع شاتماً إبليسَ وصدامَ والماسونيةَ معاً، باعتبارهم العصابةَ السريةَ التي تعمدت تعطيلَ مركبته العجوز التي أبت أن تدور.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيكولوجية الاستعلاء السياسي تقديس الذات وشيطنة الاختلاف في ا ...
- قصة قصيرة/ عبيد الدينار
- حين يُحاصر الخوف خطى الفتيات: ثورة ضمير بوجه التحرش
- قصة قصيرة/ كابوس الحياة
- -انهيار الأخلاق الرقمية-/ ظاهرة الشتائم والطعن بالأعراض بسبب ...
- -رواتب الموظفين على صفيح ساخن- ستة حلول لازمة السيولة النقدي ...
- تحت لهيب تموز
- الاردن في قلب العاصفة - انكشاف العش السرّي
- اخطاء الزعيم عبدالكريم التي عجلت بسقوط حكمه
- كيف تحولت القواعد الامريكية إلى عبء استراتيجي؟
- قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب
- شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من ...
- قصة قصيرة / فاتورة المحاولة
- زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب
- المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)
- قصة قصيرة / على رف الانتظار
- قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق


المزيد.....




- -لم يبقَ لدى جيهان رحمة-.. إعلان جديد لمسلسل -المدينة البعيد ...
- أمريكا.. أسعار الديزل تسجل مستويات غير مسبوقة بسبب حرب إيران ...
- فانس يكشف سر فقدانه -الكثير من الوزن-.. شاهد ما قاله
- عارضة أزياء تخطف الأنظار بفستان مستوحى من صفحات الجرائد في ا ...
- الإمارات.. عفو رئاسي عن عبدالرحمن نجل يوسف القرضاوي
- فانس يرفض وصف القتال مع إيران بالحرب وسيول تبحث المشاركة في ...
- عراقجي يرد على نظيره الأردني: كم يجب أن ننتظر للرد على من ان ...
- عضو برلماني كوري جنوبي يوثق تعلمه للغة الروسية خلال جلسة رسم ...
- لافروف: معبر بولشوي أوسوريسكي نموذج لمنظومة العلاقات الحدودي ...
- وزير الخارجية الليتواني يدعو إلى فرض قيود على دخول وحركة الر ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - كابوس تأخر الراتب, وبيض نصف مقلي