أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «الأحياء الأموات» لعامر عودة















المزيد.....

الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «الأحياء الأموات» لعامر عودة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 15:46
المحور: الادب والفن
    


ثمة قصص تنتهي بانتهاء حكايتها، وثمة قصص تبدأ حقيقتها بعد نهايتها. و**«الأحياء الأموات»** من النوع الثاني؛ لأنها لا تسأل فقط: من مات؟ بل تسأل: متى يبدأ الموت؟

في عالم القصة، الماء موجود لكنه غير صالح للشرب، والطعام حاضر لكنه غير صالح للأكل، والمدينة عامرة لكنها عاجزة عن إطعام سكانها. هنا لا يعود الموت لحظة توقف الجسد، بل يبدأ حين تفقد الحياة شروطها.

وهذه هي مفارقة العنوان: قد يكون الكائن حيًا في جسده، ميتًا في شروط وجوده.



مدينة تنتج صورة الحياة

تبدأ الحكاية من الجوع، لكن الجوع فيها ليس حاجة جسدية فقط؛ إنه أداة لكشف حقيقة العالم.

من بعيد تبدو المدينة وفرةً: ماء وطعام وألوان. ومن قريب ينكشف الوهم: بلاستيك بدل الغذاء، وتلوث بدل الماء.

المشكلة إذن ليست غياب الأشياء، بل فقدانها وظيفتها الحيوية.

الطعام موجود في الصورة، غائب في الجوهر.
والماء موجود في المكان، غائب في الحياة.
والمدينة موجودة كعمران، غائبة كمأوى.

وهنا يصبح البلاستيك أكثر من تفصيل بيئي؛ إنه علامة على حضارة أتقنت صناعة صورة الشيء بعد أن فقدت الشيء نفسه.

العين تنخدع، لكن الجسد لا يكذب. الرائحة تفضح، والطعم يتذكر. ولذلك يصبح الحنين في النهاية إلى الطعام الطبيعي حنينًا إلى عالم كانت الأشياء فيه تؤدي معناها الحقيقي.



المستعمرة: حياةٌ تعرف حدودها

في مقابل المدينة، تظهر المستعمرة.

مكان صغير، لكنه يعرف معنى الجماعة: تشاور، توزيع أدوار، بحث عن الغذاء، حماية للصغار، ودفاع عن المكان.

إنها لا تملك وفرة المدينة، لكنها تملك ما فقدته المدينة: وعيًا بأن البقاء جماعي.

وهنا تنقلب المقاييس:

المكان الأصغر أكثر حياة لأنه يعرف حدوده، والمكان الأكبر أكثر موتًا لأنه يتصرف كما لو أن موارده بلا نهاية.

لذلك لا تصبح المستعمرة مجرد مكان للكائنات، بل صورة للبيت والبيئة والكوكب: مساحة محدودة لا تستمر إلا إذا عرف سكانها أن مواردها ليست بلا نهاية.

والدفاع عنها ليس دفاعًا عن مساحة فحسب، بل عن إمكان الحياة.



حين تتحول الحاجة إلى عنف

الرجلان ليسا شريرين بالمعنى البسيط؛ إنهما جائعان ويريدان إطعام عائلتيهما. لكن الحاجة تنزلق إلى الطمع، والطمع إلى الاعتداء.

وهنا تزداد القصة قسوة: الخراب البيئي لا يهدد الأجساد فقط، بل يهدد الأخلاق أيضًا.

الجوع واحد، لكن الاستجابة له مختلفة.

الكائنات تتعاون وتبحث، والرجلان يقتحمان ويسلبان.

ومن هنا تتشكل الدائرة:

جوع → حاجة → رغبة → طمع → اعتداء → موت.

أما «ثعبان الإغراء»، فليس مجرد رمز للشر؛ إنه صورة للرغبة حين تعيد تسمية الطمع باسم الحاجة.

وهنا يضع الكاتب الإنسان أمام امتحانه الأصعب: حين تضيق شروط الحياة، هل يتضامن أم يفترس؟



المستقبل يموت أيضًا

وجود الصغار يمنح الجوع بعدًا يتجاوز الحاضر.

فالبحث عن الغذاء ليس من أجل الجائعين وحدهم؛ إنه من أجل من ينتظرونهم. لذلك لا تتمثل الكارثة في أن الحاضر جائع، بل في أن المستقبل نفسه أصبح مهددًا.

ومن هنا يتحول السؤال البيئي إلى سؤال أخلاقي:

أي حق لنا في استهلاك شروط حياة من سيأتي بعدنا؟

فما يُستنزف اليوم لا يختفي؛ يعود غدًا في صورة نقص وخراب.



رجال الفضاء: مستقبل بلا أرض

عودة الرجلين بملابس تشبه ملابس رجال الفضاء من أذكى صور القصة.

فهما يبدوان كأنهما من المستقبل، لكنهما يبحثان عن أبسط ما يحتاجه الإنسان: الطعام.

كأن النص يسأل:

ما قيمة أن يصل الإنسان إلى الفضاء إذا عجز عن الحفاظ على الأرض؟

ملابس الفضاء هنا ليست احتفاءً بالتقدم، بل علامة على اغتراب الإنسان عن الكوكب. لقد طوّر وسائل تحميه من بيئة أفسدها، بدل أن يحافظ على البيئة نفسها.

وهذه مفارقة التقدم في القصة:

أن نصبح أكثر قدرة على التعايش مع الخراب، وأقل قدرة على منعه.



الموت الذي يسبق الموت

الموت في «الأحياء الأموات» لا يحدث فجأة.

ينفد الغذاء، يشتد الجوع، يتلوث الماء، تضعف الأجساد، ثم تأتي الجثث.

وهذا ما يجعل الموت عملية لا لحظة.

الكوارث الكبرى تبدأ حين يصبح النقص عاديًا، والتلوث مألوفًا، والخلل جزءًا من الحياة. وحين يتحول الاستثناء إلى نظام، يصبح الموت ممكنًا دون أن نراه وهو يقترب.

ولهذا فإن أخطر ما في القصة ليس الجثث، بل العالم الذي جعل وصولها ممكنًا.

فالأحياء الأموات هم الذين ما زالوا يتحركون داخل نظام فقد شروط الحياة.



النهاية: حين يصبح الحنين معرفة

لا تنتهي القصة بانتصار أو خلاص. المستعمرة تموت، والرجلان لا يحصلان على ما أرادا، والمدينة لا تستعيد عافيتها.

ما يبقى هو الحنين.

يشتاق الرجلان إلى طعام طبيعي لم يتذوقاه منذ سنوات. وليس هذا حنينًا إلى طعم فحسب، بل إلى عالم كانت فيه الأشياء طبيعية، وكانت الحياة تؤدي معناها بلا بدائل.

هنا يصبح الحنين اعترافًا متأخرًا بقيمة ما فُقد.

وتصبح عبارة «مدينتهنَّ الحيّة الميّتة» خلاصة التجربة:

المدينة حيّة لأن البشر ما زالوا فيها، وميتة لأنها فقدت ما يجعل وجودهم قابلًا للاستمرار.



من يملك حق تسمية نفسه حيًا؟

في أوسع مستوياتها، لا تتحدث القصة عن مستعمرة فقط، بل عن الكوكب.

موارد محدودة، استهلاك متزايد، غذاء ينفد، ماء يتلوث، أجيال تنتظر، وأفراد يرون في المكان فرصة للاستغلال.

فالإنسان لا يعيش خارج الطبيعة كي يفسدها ثم ينجو من نتائج فساده.

إذا مات المكان، مات من يعتمد عليه.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتصر الإنسان على الطبيعة؟

بل:

هل هزم الإنسان شروط بقائه بيده؟

بعد انتهاء القصة، لا يبقى السؤال: ماذا حدث للكائنات؟

يبقى السؤال الأشد إلحاحًا:

ما معنى أن نكون أحياء؟

أن نتحرك؟ أن نبني؟ أن ننتج ونستهلك؟

أم أن يكون لدينا ماء نشربه، وغذاء نأكله، وهواء نتنفسه، ومكان نعيش فيه، ومستقبل نورثه؟

إذا كانت هذه هي الحياة، فقد تكون المدينة مضيئة وعامرة وميتة في الوقت نفسه.

وقد تكون المستعمرة الصغيرة أكثر حياة من مدينة كاملة؛ لأنها تعرف أن بقاء الفرد مشروط ببقاء الجماعة، وأن بقاء الجماعة مشروط ببقاء المكان.

وهنا تنقلب القصة على قارئها.

كم من الأشياء في عالمنا تشبه الطعام ولا تطعم؟
وكم من المياه تشبه الحياة ولا تروي؟
وكم من المدن تبدو حيّة وهي تستنزف أسباب الحياة؟

ربما لا تبدأ المأساة حين يموت الكائن.

ربما تبدأ يوم تصبح الحياة مرئية، لكن شروطها غائبة.

وعندها نفهم العنوان في أقصى دلالاته:

«الأحياء الأموات» ليسوا الذين ماتوا داخل المستعمرة وحدهم، بل كل من يواصل العيش في عالم يستنزف أسباب حياته، ثم يكتشف متأخرًا أن ما ظنه وفرةً لم يكن إلا صورةً جميلة للموت.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- افتحوا لهم المسارح… عمو روني روك وذاكرة لا يجوز أن تموت
- حين يعانق الهلالُ الصليب
- الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويل ...
- جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...
- مَهْلًا، فَإِنَّكَ لا تَرَى كُلَّ الحِكَايَة
- حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
- حين ترضى عن نفسك… يبدأ نجاحك الحقيقي
- سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة
- عماد فرو… صديقي الذي علّمني أن أجمل العطاء ما لا يُرى
- لن أشفى من موت أمي
- من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
- ما تركناه لله
- على أبواب الذكرى: سميح القاسم… حين يصبح البقاء قصيدة
- إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب
- ما تبقّى مني
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...


المزيد.....




- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)
- التعليم العالي: السينما والفنون والتراث تواصل إثراء فعاليات ...
- التعليم العالي: اليوم الموعد النهائي لتسجيل رغبات طلاب الشها ...
- أفلام الحروب تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينمائ ...
- يروي الإبادة بعيون طفلة.. فيلم -غزة 13- في مهرجان تورنتو الس ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - الأحياء الأموات: حين تصبح الحياة صورةً للموت قراءة في قصة «الأحياء الأموات» لعامر عودة