أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما تبقّى مني














المزيد.....

ما تبقّى مني


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 00:11
المحور: الادب والفن
    


تعبتُ…
وتعبُ التعبِ منّي،
حتى صار في صدري
شيءٌ لا أعرف له اسمًا.

ليس حزنًا؛
فالحزنُ يبكي.

وليس فراغًا؛
فالفراغُ يمكن أن يُملأ.

إنه شيءٌ بينهما…
شيءٌ يشبه أن تحملَ نفسك
ولا تجد في الطريق
موضعًا تضعها فيه.

أستيقظ،
وفي داخلي ليلٌ
نسيَ أن ينتهي.

يدخل الضوء إلى غرفتي،
وأدخل أنا إلى يومي
كمن يعبر بيتًا مهجورًا،
يعرف أن الأشياء كلها في مكانها
إلا هو.

أرتدي وجهي،
وأخرج.

أبتسم حين ينبغي،
وأجيب حين يُسأل عني،
وأقول: «أنا بخير»
بالسهولة نفسها
التي يُقال بها كذبٌ صغير
لا يريد صاحبه
أن يؤذي أحدًا.

لكنني أعرف…

أن في داخلي إنسانًا
يجلس منذ زمن
على حافة نفسه،
ينظر إلى المسافة
كأنه ينتظر شيئًا
نسيَ اسمه.

تعبتُ من أن أكون قويًا
في الأماكن التي كان يكفيني فيها
أن أكون إنسانًا.

تعبتُ من جمع أجزائي
كل مساء،
ومن إخفاء الشقوق
قبل أن يراها أحد،
ومن ترميم روحي
باليد نفسها
التي أتعبتها الحياة.

وتعبتُ من عقلي…

ذلك الذي لا يعرف
كيف يتركني أنام.

كلما أغلقتُ بابًا
فتح سؤالًا،
وكلما عثرتُ على جواب
أنجب لي سؤالًا آخر.

حتى صار التفكير
نوعًا آخر من الألم:

أفكر في سبب تعبي،
ثم أتعب من التفكير،
ثم أفكر لماذا تعبتُ
من التفكير في تعبي.

يا لهذا العقل
حين يتحول من نافذة
إلى متاهة.

وأحيانًا أسأل:

ما الذي يجعل الإنسان
يمضي إلى الغد
وهو لا يملك يقينًا
أن الغد سيمنحه
سببًا واحدًا ليستمر؟

هل نعيش
لأننا نحب الحياة،
أم لأننا اعتدناها؟

هل الصبر فضيلة دائمًا،
أم أن بعض الصبر
مجرد تأجيلٍ طويل
لانهيارٍ مؤجل؟

وهل النجاة
أن نصل إلى مكانٍ أفضل،
أم أن نتعلم
كيف لا نفقد أنفسنا
في الطريق؟

ثم أفهم،
بعد كل هذا الدوران،
أنني كنت أطلب من الحياة
ما لم تعدني به.

كنت أريد معنىً
يبرر كل وجع،
وعدالةً
تفسر كل خسارة،
ونهايةً جميلة
لكل ما بدأته بقلبٍ طيب.

لكن الحياة
لم تعدني بشيء.

ربما نحن الذين
نحمّلها وعودًا
لم تقلها.

وربما لا يوجد
معنى جاهز
ينتظرنا في آخر الطريق.

ربما المعنى
شيءٌ نصنعه ونحن نمشي؛
من فتات الأيام،
من يدٍ امتدت إلينا،
من صباحٍ عبرناه بصعوبة،
من قلبٍ انكسر
ثم اختار، رغم ذلك،
أن يبقى مفتوحًا.

ولهذا…

لن أطلب من نفسي
أن تكون بخير طوال الوقت.

لن أوبّخ قلبي
لأنه تعب،
ولن أعتبر ضعفي
خيانةً للقوة.

سأسمح لنفسي
أن أجلس قليلًا
دون أن أصلح شيئًا.

أن أحزن
دون أن أبحث فورًا
عن حكمةٍ في حزني.

أن أصمت
دون أن أعتذر عن صمتي.

أن أقول:

«لا أعرف.»

وأكتفي.

فليس كل ما يؤلمنا
يحتاج إلى تفسير.

بعض الأشياء
تحتاج فقط
إلى أن نعبرها
دون أن نفقد أنفسنا فيها.

وربما هذا هو النضج:

أن تعرف أن في داخلك
أبوابًا لن تُفتح اليوم،
وأسئلةً لن تجد جوابًا،
وأيامًا ستبدو أثقل من قدرتك،
ومع ذلك…

لا تحوّل عجزك عن فهم الحياة
إلى حكمٍ عليها.

ولا تحوّل تعبك
إلى كراهيةٍ لنفسك.

أنا متعب، نعم.

لكنني ما زلت هنا.

وهذه الـ«هنا»
التي كنت أستخف بها،
أكتشف الآن
أنها قد تكون
أعمق أشكال المقاومة.

فالبقاء ليس دائمًا
أن تقف منتصبًا.

أحيانًا
أن تبقى
يعني فقط
ألا تصدّق الظلام
حين يقنعك
أنه الحقيقة الوحيدة.

لذلك لن أركض غدًا.

سأمشي.

ولو ببطء.

ولو توقفتُ كثيرًا.

ولو جلستُ على جانب الطريق
ألتقط أنفاسي
وأراقب العالم يمر.

لن ألوم نفسي
لأنني لم أصل سريعًا.

فبعض الطرق
لا تُقاس بالمسافة،
بل بما بقي منك
وأنت تعبرها.

وبعض النجاة
ليست أن تعود الشخص
الذي كنت عليه،

بل أن تلتقي،
بعد كل هذا الضياع،
بذلك الجزء الصغير منك
الذي ظلّ ينتظرك
دون ضجيج.

ذلك الجزء
الذي لم يمت،
ولم يطلب الكثير…

كان يريد فقط
أن تتوقف عن معاملته
كعدو.

تعبتُ…

وتعبُ التعبِ منّي.

لكنني هذه المرة
لن أحارب التعب.

سأجلس إلى جواره
كمن يجلس إلى جوار صديقٍ قديم،
وأقول له:

لقد أثقلتَ عليّ كثيرًا…

لكنني تعلّمتُ منك
أن الإنسان لا يحتاج دائمًا
إلى أن يكون قويًا
كي يستمر.

يكفي أحيانًا
أن يكون صادقًا.

وصادقًا مع نفسي الآن:

أنا لا أعرف
ماذا ينتظرني غدًا.

لكنني سأترك للغد
حقَّ أن يفاجئني.

وسأترك في نافذة روحي
شقًا صغيرًا للضوء.

فليس مطلوبًا من الليل
أن يَعِدَ بالفجر.

يكفي
أن الفجر
يعرف طريقه
حتى إلى النوافذ المغلقة.

وفي آخر الأمر،
حين ألتفت إلى كل ما عبرت،
لن أسأل:

لماذا تعبتُ كل هذا؟

سأسأل سؤالًا آخر:

ماذا تبقّى مني
بعد كل هذا التعب؟

وأصغي…

فربما كان الجواب
ذلك الصوت الخافت
الذي لم يتوقف يومًا
عن مناداتي:

أنا هنا.

وما دام في داخلي
شيءٌ يقول: «أنا هنا»…

فلم ينتهِ الطريق بعد.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...
- لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال ...
- فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟
- فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
- حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
- لم يعد الوجع يعرف عنواني
- من كلِّ تجربة… تعلّمت
- بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: ‏ ‏📝 قراءة في كتاب:- “أ ...
- الكرسي المقابل
- ما تركته الغرفة
- بعد العبور
- حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
- بعدَ ورديةِ ليل
- جيولوجيا الروح
- جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...
- خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية


المزيد.....




- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى
- الشرطة البرازيلية تستعيد 8 لوحات نادرة مسروقة للفنان هنري ما ...
- غزة إلى سباق الأوسكار 2027.. سويسرا تختار وثائقي -من لا يزال ...
- جولي أندروز تعلن اعتزال التمثيل وتغيب عن -يوميات الأميرة 3- ...
- وزراء ثقافة بريكس يتفقون على إعادة الممتلكات الثقافية ووضع م ...
- من كيانو ريفز إلى جاكي شان.. نجوم هوليوود الذين حوّلوا الشهر ...
- تكريم نادين لبكي بجائزة ليبراتوم للرواد عن مسيرة جمعت السينم ...
- أحضان بالمجّان وسط الركام.. فنان كولومبي يواسي متضرري زلزال ...
- قلاع جبل عامل.. حين يطارد الخطر ألف عام من تاريخ الجنوب اللب ...
- البرازيل: الشرطة تستعيد ثماني لوحات مسروقة للفنان الفرنسي هن ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما تبقّى مني