|
|
حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غيّرت عناوينها باكرًا» للشاعر أحمد الدمناتي
رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 00:13
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
ليست «العزلة غيّرت عناوينها باكرًا» مجموعةً من القصائد المتجاورة فحسب، بل تبدو، في بنيتها العميقة، محاولةً لكتابة رحلة الذات وهي تبحث عن صيغة ممكنة للإقامة في العالم. ومن هذه الزاوية لا تعود العزلة موضوعًا من موضوعات الديوان، بل تتحول إلى مبدأ ناظم تتفرع منه بقية التجربة: القصيدة، والمرأة، والطفولة، والبحر، والمنفى، والمدينة، والذاكرة، والوطن.
منذ العتبة الأولى، يضعنا أحمد الدمناتي أمام عنوان لا يستقر على معنى واحد: «العزلة غيّرت عناوينها باكرًا». إن العزلة، وفق هذا العنوان، ليست مكانًا ثابتًا ولا حالةً مكتملة؛ إنها تتحول، وتتخفى، وتعيد تسمية نفسها. وقد يكون هذا هو المفتاح الأجدى لقراءة الديوان كله: كلما تغير اسم العزلة، ظهرت القصيدة في هيئة جديدة.
ولذلك فإن السؤال الذي يقترحه الديوان ليس: ما العزلة؟ وإنما: إلى ماذا تتحول العزلة حين تمر عبر المخيلة؟
إنها تتحول إلى امرأة، وطفولة، وبحر، ومدينة، وذاكرة، ومنفى، ووطن، ثم تعود في النهاية إلى القصيدة.
القصيدة قبل الشاعر لعل أول ما يستوقف في الديوان أن الشاعر لا يمنح نفسه امتياز البداية؛ فالقصيدة هي التي تتقدم إلى الواجهة.
«تقول القصيدة لشاعر مشاكس» عنوان يضع القصيدة في موقع المتكلم، ويجعل الشاعر، للمفارقة، مستمعًا ومخاطَبًا.
وهذه ليست لعبة شكلية.
إنها إعلان مبكر عن طبيعة العلاقة بين الشاعر ونصه.
فالقصيدة عند الدمناتي ليست مادةً طيّعة بين يدي الشاعر، ولا حيزًا يودع فيه أفكاره، وإنما كائن له إرادته الخاصة: يطلب، ويعاتب، ويغوي، ويتمرّد، ويغادر.
ومن هنا تنشأ إحدى أكثر الظواهر حضورًا في الديوان: الوعي بالقصيدة من داخل القصيدة.
فالكتاب لا يكتب الحب فقط، ولا المنفى فقط، ولا الطفولة فقط؛ إنه يكتب أيضًا سؤالًا مستمرًا عن ماهية الشعر.
وهذه هي الميتاشعرية في أكثر صورها حيوية: أن تصبح القصيدة موضوعًا لنفسها، وأن يتورط الشاعر في مساءلة الأداة التي يكتب بها.
من «القصيدة» إلى «الحلم»: هندسة خفية للديوان إذا تأملنا مسار العناوين، بدا أن الديوان يتحرك في قوس داخلي من القصيدة إلى المكان، ومن المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوطن، قبل أن يصل إلى «طنجة حارسة الحلم». وتظهر بين هذه المحطات عناوين مثل «قلب القصيدة»، و«قصائد مائية»، و«العرائش وطن الشعراء»، و«كي تصبح الحديقة امرأة»، و«بيروت هي القصيدة»، و«مصحة الخيال»، و«من الجرح يبدأ الوطن».
هذه العناوين لا تبدو منفصلة؛ إنها أشبه بعلامات على طريق واحد.
فالقصيدة تفتح الباب.
والخيال يوسع المكان.
والمرأة تعيد تعريف الجسد.
والبحر يفتح سؤال المنفى.
والمنفى يستدعي الوطن.
والوطن لا يظهر إلا بعد الجرح.
ثم تأتي طنجة في النهاية لا باعتبارها مكانًا جغرافيًا فقط، بل بوصفها حارسةً للحلم.
وبذلك يمكن النظر إلى الديوان كله باعتباره رحلة عودة إلى مكان لا يمكن الوصول إليه إلا بالشعر.
حين تصبح القصيدة كائنًا حيًا في «قلب القصيدة» تبلغ هذه العلاقة بين الشاعر ونصه درجةً أكثر تعقيدًا؛ فالقصيدة تتحرك خارج سلطة صاحبها، وتذهب إلى «ناقد متمرّس» في حدائق اللغة كي تستحم في أبجديات القراءة.
هذه الصورة، في تقديري، من أكثر صور الديوان أهمية من الناحية النقدية؛ لأنها تنقل النص من سؤال الكتابة إلى سؤال التلقي.
فالقصيدة لا تكتمل حين يضع الشاعر نقطة النهاية.
إنها تبدأ حياة أخرى عندما تقع في يد القارئ.
والناقد، في هذا التصور، ليس شرطيًا على بوابة الشعر، ولا مترجمًا لمعنى جاهز، بل شريك في إنتاج الدلالة.
وهنا يبدو الديوان واعيًا، من داخله، بأن النص لا يملك معناه مرةً واحدة وإلى الأبد.
إنه يتركه مفتوحًا.
ولعل هذه إحدى نقاط قوة التجربة: أنها لا تمنح القارئ «مفتاحًا» واحدًا، بل تضع أمامه مجموعة مفاتيح لا تعمل جميعها في الباب نفسه.
اللغة: من وصف العالم إلى إعادة اختراعه لا يعتمد الدمناتي على اللغة بوصفها أداةً لنقل التجربة فقط، بل يجعلها جزءًا من التجربة نفسها.
فاللغة عنده تستدعي الدهشة إلى فضاء الخيال، والكلمة تتحرك داخل مخيلة لا تريد أن تكتفي بالمرئي والمألوف. ومن هنا تتكاثر الصور التي تعيد توزيع العلاقات بين الأشياء.
المرأة تدخل القصيدة.
البحر يصبح ذاكرة.
النورس يصير صورةً للشاعر.
الوطن يبدأ من الجرح.
والقصيدة نفسها تتحول إلى كائن قابل للعشق والخيانة والموت والولادة.
إننا أمام كتابة لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تخلخل أسماءها.
وهذا ما يمنح المجاز عند الدمناتي وظيفته الأساسية: ليس تزيين الواقع، وإنما تحريره من اعتياده.
قاموس يتكرر لكي يبني عالمًا تتكرر في الديوان مجموعة من المفردات والصور: البحر، النورس، الزرقة، الورد، القمر، الطفولة، المرأة، الجرح، الذاكرة، المنفى، الحلم، الغواية، القصيدة.
وقد يبدو هذا التكرار، في ظاهره، عودةً إلى العناصر نفسها.
غير أن التكرار هنا يؤدي وظيفة بنائية؛ إنه يصنع قاموس الديوان الخاص.
فالنورس لا يمكن فصله عن البحر، والبحر عن المرفأ، والمرفأ عن الرحيل، والرحيل عن المنفى، والمنفى عن الذاكرة، والذاكرة عن الطفولة، والطفولة عن القصيدة.
وهكذا تتشكل شبكة من العلامات يعود بعضها إلى بعض، حتى يصبح الديوان أشبه بجسد واحد تتكرر فيه الأعضاء دون أن تتكرر الوظائف.
وهذا أحد أسباب تماسك الكتاب على الرغم من تعدد أمكنته وأصواته وعناوينه.
البحر: وطن لا يمكن الإقامة فيه البحر أكثر من عنصر جمالي في هذا الديوان.
إنه إحدى أهم البنى الرمزية التي ينتظم حولها النص.
في «قصائد مائية» تظهر الموجة والنورس والطفل والقصيدة ضمن فضاء واحد، ويتحول البحر إلى مجال للذاكرة والحلم والرحيل.
البحر، بهذا المعنى، هو الوطن السائل.
لا يمكن امتلاكه.
لا يمكن الإقامة فيه.
لكنه يظل حاضرًا في الذاكرة حتى بعد الابتعاد عنه.
ولهذا يلتقي البحر بالمنفى في منطقة واحدة: كلاهما مسافة مفتوحة بلا جدار، لكن بلا استقرار أيضًا.
ومن هنا يمكن فهم كثافة النوارس والمرافئ والموج والزرقة في الديوان؛ فهذه ليست مفردات بحرية وحسب، وإنما علامات على ذات تبحث عن مكان لا تستطيع أن تقيم فيه إلا مؤقتًا.
النورس: صورة الشاعر حين يصير التحليق قدرًا النورس هو أحد أكثر الكائنات الشعرية ملاءمة لعالم الدمناتي.
إنه يحلق فوق البحر، لكنه لا ينتمي إليه.
يقطع المسافة، لكنه لا يملك أرضًا.
ولهذا يصبح قريبًا من صورة الشاعر نفسه.
وحين يقول الديوان إن النورس والقصيدة وجهان لاتساع براءة العالم، فإنه يربط الطائر بالشعر ربطًا مباشرًا.
النورس هنا ليس طائرًا فقط.
إنه استعارة للكتابة التي تحاول أن تتجاوز حدود الواقع دون أن تنفصل عنه.
ومن هنا تأتي قيمة التحليق: إنه ليس هروبًا من الأرض، بل محاولة لرؤيتها من علو مختلف.
المرأة: من موضوع للحب إلى شريكة في خلق المعنى المرأة في الديوان لا تستقر في صورة واحدة.
إنها الحبيبة، والطفلة، والحديقة، والذاكرة، والجسد، والقصيدة.
ومنذ البداية، حين «تتسلق القصيدة دون استئذان»، لا تظهر المرأة باعتبارها زينةً للنص، وإنما بوصفها قوة قادرة على إرباك اللغة وإيقاظ الشاعر والطفولة في آن واحد.
ثم يتسع هذا الحضور حتى يصبح الجسد نفسه مجالًا للمعنى.
في «شراسة الجسد» لا يعود الجسد مجرد موضوع غزلي؛ إنه قوة مواجهة، وطريقة أخرى للقول، واحتجاج على اللغة حين تضيق عن احتواء التجربة.
أما «رِميا»، في السلسلة التي تحمل اسمها، فتتجاوز وظيفة الحبيبة العابرة لتصبح ذاكرةً سرديةً تمتد عبر المنفى والبحر والعشق والقصيدة.
وهنا تبلغ المرأة أحد أعمق مستويات حضورها:
أن تصبح ذاكرةً للذات، لا مجرد موضوع في ذاكرتها.
الطفولة: استعادة العين الأولى الطفولة في هذا الديوان ليست استرجاعًا نوستالجيًا لماضٍ جميل.
إنها طريقة في النظر.
فالطفل الذي يستعيده الشاعر هو ذلك الكائن الذي لم تفقد الأشياء في عينيه قدرتها على الإدهاش.
ولهذا ترتبط الطفولة بالخيال واللغة والبحر والزهور والنوارس.
وفي «قصائد مائية» يظهر «الطفل الذي كنته» وهو يعانق صهيل الحلم لكي تبدو القصيدة أجمل من غوايتها.
إنها عبارة تلخص مشروعًا شعريًا كاملًا:
أن تنضج دون أن تفقد عين الطفل.
وهنا لا تصبح الطفولة ضد النضج، بل تصبح مقاومةً لشيخوخة المعنى.
المكان: حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة يكتب الدمناتي من مدن متعددة، مغربية وعربية وإسبانية، ويصرح الديوان بأن عددًا من القصائد كُتب في برشلونة وخيرونا وطنجة والعرائش وأصيلة ومكناس وبيروت وعمّان، في إطار متخيل مكاني يؤسس لبنية شعرية.
لكن أهمية المكان لا تكمن في تعدده وحده.
المكان عند الدمناتي لا يُوصف من الخارج؛ إنه يُستعاد من الداخل.
العرائش تصبح «وطن الشعراء».
بيروت تصبح قصيدة وذاكرة وجسدًا.
خيرونا تدخل في ذاكرة لوركا وبيكاسو ونيرودا.
وطنجة، في النهاية، تحرس الحلم.
إننا أمام جغرافيا لا تعمل بوصفها خريطة، بل بوصفها أرشيفًا عاطفيًا.
كل مدينة تحفظ نسخة من الشاعر.
ولهذا يمكن القول إن الديوان لا يسافر بين الأمكنة بقدر ما يجعل الأمكنة تسافر داخله.
المتوسط: جغرافيا الوصل لا جغرافيا الفصل هنا تبرز قيمة البحر مرة أخرى.
فالمتوسط في الديوان لا يفصل المغرب عن الضفة الأخرى بقدر ما يصل بينهما.
إنه طريق للرحيل، لكنه أيضًا طريق للذاكرة.
ولهذا يصبح استدعاء لوركا وبيكاسو ونيرودا وزرياب وشيخ المعرة جزءًا من بناء وطن ثقافي يتجاوز الحدود. وتكشف مقاطع خيرونا هذا التشابك بين المكان والفن والذاكرة الشعرية بوضوح.
إن الدمناتي لا يريد للهوية أن تكون قفصًا.
بل يجعلها مساحةً للحوار.
وهذا أحد أجمل الأبعاد الثقافية في الديوان.
من لوركا إلى زرياب: التراث بوصفه حاضرًا استدعاء الشخصيات والأسماء الثقافية في الديوان ليس تزيينًا ثقافيًا.
حين يحضر لوركا، يحضر معه الشعر والدم والحرية.
وحين يحضر بيكاسو، يحضر الفن وقدرته على إعادة تركيب العالم.
وحين يحضر زرياب، تستيقظ الأندلس بوصفها ذاكرة موسيقية وحضارية.
وحين يحضر شيخ المعرة، يدخل التراث العربي في حوار مع الحداثة الإنسانية.
وهكذا يصبح التراث مادة حية قابلة لإعادة التأويل، لا متحفًا مغلقًا.
الوطن: يبدأ من الجرح ربما تبلغ التجربة الوطنية أكثر مستوياتها اختزالًا في العبارة:
«من الجرح يبدأ الوطن».
هذه ليست جملة شعارية في سياق الديوان.
فقد سبقها البحر والمنفى والرحيل والذاكرة.
ولهذا يأتي الوطن بوصفه نتيجة، لا نقطة بداية.
الوطن هنا هو المكان الذي يصبح مؤلمًا لأنه غائب.
وكلما اتسعت المسافة، ازداد حضوره.
ومن ثم يمكن القول إن الديوان يبني مفهوم الوطن من الحنين لا من الجغرافيا وحدها.
الوطن هو ما يبقى حين يصبح المكان بعيدًا.
الشعر في مواجهة الخراب لا يكتفي الديوان بالغنائية.
فخلف الورد والبحر والمرأة والطفولة حضورٌ دائم للجرح، والمنفى، والحرب، والفقر، والرحيل، ورداءة العالم.
لكن الشاعر لا يواجه الخراب بخطاب مباشر.
إنه يواجهه بالمجاز.
وهنا تصبح القصيدة فعل مقاومة؛ لا لأنها تدعي القدرة على إصلاح العالم، وإنما لأنها ترفض أن يكون الخراب لغته الوحيدة.
إن تسمية الجرح شكل من أشكال مقاومته.
وتحويل الذاكرة إلى قصيدة شكل من أشكال إنقاذها.
وإبقاء الحلم حيًا شكل من أشكال رفض الهزيمة.
جماليات الصورة وحدودها هنا ينبغي أن تتوقف القراءة النقدية عند ما هو أجمل من المديح.
يمتلك أحمد الدمناتي طاقة تخييلية واضحة، وتقوم كثير من قصائده على المفاجأة الاستعارية وعلى نقل العناصر من وظائفها المألوفة إلى وظائف جديدة.
لكن هذه الطاقة نفسها تحمل مخاطرتها.
فكثافة المجاز، وتكرار بعض المفردات والصور — البحر، النورس، الورد، القمر، الزرقة، الطفولة، الحلم، الجرح — قد تجعل بعض المقاطع تتقارب في نبرتها التخيلية.
وهذا يعني أن بعض الصور، رغم جمالها، تحتاج أحيانًا إلى مساحة أكبر من الصمت حولها.
فالصورة لا تزداد قوةً بالضرورة كلما كثرت الصور.
أحيانًا تكون صورة واحدة، محاطة بقدر من الفراغ، أكثر قدرة على البقاء في الذاكرة من سلسلة طويلة من الاستعارات.
وهذه ليست ملاحظة تنتقص من التجربة، بل أراها علامة على المرحلة التي تقف عندها: شاعر يمتلك وفرةً تخييلية، وقد تكون الخطوة التالية في تطوره هي الاقتصاد داخل الوفرة.
أي الانتقال من كثافة المجاز إلى دقته.
الإيقاع: ذاكرة تُكتب على شكل ومضات لا تسير نصوص الديوان كلها بالوتيرة نفسها.
هناك مقاطع قصيرة، وأخرى أطول، وعناوين تتفرع إلى وحدات مرقمة، ونصوص تعتمد الومضة والاستدعاء أكثر مما تعتمد الحكاية المسترسلة.
وهذا الشكل ينسجم، بصورة لافتة، مع موضوع الذاكرة.
فالذاكرة لا تستعيد الماضي في خط مستقيم.
إنها تستعيده على هيئة:
صورة،
صوت،
وجه،
مدينة،
رائحة،
جملة،
ثم صمت.
ولذلك تبدو بعض نصوص الديوان كأنها آلية تذكّر مكتوبة.
إنها لا تحكي الماضي؛ إنها تستدعيه.
وهنا يصبح الشكل جزءًا من الدلالة.
«رِميا» والخيانة والمرآة: تحرير الهوية من ثباتها من أجمل المفارقات التي يكررها الديوان أن الأشياء لا تبقى وفية لصورتها الأولى.
المرأة تخون وجهها حين تتزوج بالمرآة.
والقصيدة تخون عشاقها.
والشاعر يخون جرحه حين تهب عاصفة الحزن.
هذه «الخيانة» ليست أخلاقية.
إنها شعرية.
إنها رفضٌ لأن تبقى الهوية أسيرةً لاسمها الأول.
فالمرأة ليست امرأة فقط.
والقصيدة ليست قصيدة فقط.
والشاعر ليس جرحه.
والوطن ليس خريطته.
وهنا تعود العبارة الأولى لتكتمل:
العزلة تغيّر عناوينها لأنها تغيّر هويات الأشياء التي تسكنها.
خاتمة: العزلة التي فتحت بابًا في النهاية، لا يبدو هذا الديوان كتابًا عن العزلة بقدر ما يبدو كتابًا عن الخروج منها عبر اللغة.
العزلة تبدأ حالةً، ثم تتحول إلى قصيدة.
والقصيدة تتحول إلى ذاكرة.
والذاكرة تستدعي المكان.
والمكان يستدعي الوطن.
والوطن لا يولد إلا من الجرح.
ثم يعود كل ذلك إلى الحلم.
ولهذا فإن نهاية الديوان، حين تصبح طنجة «حارسة الحلم»، تبدو منطقية من الناحية التأويلية: فبعد أن جاب الشاعر مدنًا مغربية وعربية وإسبانية، وبعد أن مر بالمرأة والبحر والمنفى والطفولة، يعود إلى مكان لا يحرس الجغرافيا فقط، بل يحرس إمكانية استمرار الحلم.
إن أحمد الدمناتي لا يهرب من الواقع إلى المجاز؛ إنه يحاول أن يعيد الواقع إلى دهشته الأولى بواسطة المجاز.
وهذه هي القيمة الأبرز في تجربته.
غير أن التجربة، في المقابل، تكشف عن وفرة تخييلية تحتاج أحيانًا إلى اقتصاد أكبر، لأن بعض الصور حين تتجاور بكثافة تفقد شيئًا من فرادتها. ولعل الرهان الجمالي المقبل لهذا الصوت هو أن يكتشف، إلى جانب طاقة القول، طاقة الحذف؛ أن يترك للصمت أحيانًا أن يكمل ما بدأته الاستعارة.
فالشعر لا يقاس بما يستطيع الشاعر أن يقوله فقط، بل بما يعرف متى لا يقوله.
ومع ذلك، يبقى الديوان، في مجمله، تجربة ذات شخصية واضحة؛ لأنه يملك قاموسه، ومخيلته، وجغرافيته، وأسئلته، والأهم أنه يملك وعيًا داخليًا بالقصيدة وهي تتشكل وتتمرد على صاحبها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في نهاية هذه القراءة أن الشاعر بدأ من العزلة، لكنه لم ينته إليها.
لقد حوّلها إلى لغة.
وحول اللغة إلى ذاكرة.
وحول الذاكرة إلى وطن.
وحول الوطن إلى حلم.
ثم ترك القصيدة مفتوحةً أمام قارئها.
وهكذا، حين غيّرت العزلة عناوينها، اكتشف الشاعر أن عنوانها الأخير لم يكن العزلة، بل القصيدة.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي
...
-
لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال
...
-
فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟
-
فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
-
حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
-
لم يعد الوجع يعرف عنواني
-
من كلِّ تجربة… تعلّمت
-
بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: 📝 قراءة في كتاب:- “أ
...
-
الكرسي المقابل
-
ما تركته الغرفة
-
بعد العبور
-
حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
-
بعدَ ورديةِ ليل
-
جيولوجيا الروح
-
جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
-
قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم
...
-
القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال
...
-
خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
-
حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت
...
-
بعد عامٍ ونصف
المزيد.....
-
من الطعام إلى الخدمات.. كيف تستعد مصر لـ-السياحة الحلال-؟
-
-المدينة البعيدة- يفوز بجائزة مسلسل العام في تركيا
-
اليونان توقف 281 شخصًا منذ بداية العام الجاري للاشتباه في تو
...
-
بينها إيطاليا وبريطانيا.. أربع دول مرشحة للمشاركة في آلية ال
...
-
-سفن شبحية- ـ ناقلات نفط سعودية تضطر لإيقاف نظام التتبع في ا
...
-
إسبانيا ترفض مناقشة السيادة على سبتة ومليلية والمغرب يحذر من
...
-
وفد عسكري عراقي رفيع المستوى يتوجه إلى السعودية
-
وزارة الدفاع الليبية: استهداف منشآت الزاوية النفطية والحيوية
...
-
مادة طبيعية تحمينا من فقدان الكتلة العضلية مع التقدم بالعمر
...
-
أطعمة يجب تجنبها بعد سن الأربعين
المزيد.....
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
المزيد.....
|