أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟














المزيد.....

فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 21:16
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


ليست البطولة، في رواية «فتى الأحراش» لشريف إبراهيم أحمد، نقطة البداية، بل النتيجة. فالرواية لا تذهب مباشرة إلى عز الدين القسام الذي استقر اسمه في الذاكرة، وإنما تعود إلى ما قبل الرمز؛ إلى البيت الذي احتضنه، والأرض التي عرفها، والكلمة التي تربى عليها، والمكان الذي تشكل فيه وعيه. ومن هذا الاختيار تحديدًا تنبع خصوصية العمل: البحث عن الجذور الخفية للبطولة قبل الاحتفاء بصورتها المكتملة.

وتعلن المقدمة مبكرًا هذا الانحياز، حين تستدعي القسام من التاريخ بوصفه اسمًا يتجاوز صاحبه إلى معنى جمعي مرتبط بالأمل والمقاومة والنهضة. غير أن الرواية، بدل أن تبدأ من هذا المجد المعروف، ترتد إلى الوراء، إلى التفاصيل الصغيرة التي سبقت التاريخ الكبير.

لهذا لا يتعجل الكاتب الوصول إلى بطله. تسبقه جبلة، والبيت، والجد، والأب، والطقوس اليومية. وكأن السرد يريد أن يقول إن الرجال الذين يدخلون التاريخ لا يدخلونه وحدهم؛ تحملهم إليـه أمكنة وأسر وذاكرات وقيم تراكمت قبلهم.

وتغدو جبلة، في هذا السياق، أكثر من مسرح للأحداث. يمنحها الكاتب تاريخًا وطبيعة وذاكرة، ويتوقف عند بحرها وجبالها وآثارها وأسواقها وحياتها، في محاولة لجعل الجغرافيا نفسها طرفًا في تكوين الشخصية.f وهذه إحدى السمات اللافتة في الرواية؛ فالمكان لا يحيط بالبطل من الخارج، بل يدخل في تفسيره.

لكن هذا الرهان يكشف، منذ البداية، عن مفارقته الفنية. فكلما اتسعت مساحة التأسيس التاريخي والجغرافي، تباطأت حركة الحكاية. ليست المشكلة في كثافة المعرفة، وإنما في طريقة حضورها؛ إذ يصل بعضها إلى القارئ مكتملًا على لسان السارد، بدل أن يتولد من داخل المشهد. وهنا يظهر الراوي العليم بوصفه سلطة لا تكتفي بأن تحكي، بل تميل أحيانًا إلى أن تفسر ما تحكيه.

ولعل الغرس هو الصورة الأشد قدرة على كشف المعنى العميق للرواية. ففي البيت تُشبَّه الكلمة بالبذرة التي تحتاج إلى التكرار والسقيا حتى تنبت، وفي الحاكورة تصبح الأرض درسًا في الصبر والرفق والوفاء، حتى يصل الأب إلى الربط بين زراعة الأرض وزراعة الكلمة في القلب.



هنا لا تعود الزراعة تفصيلًا من تفاصيل الحياة الريفية، بل تتحول إلى استعارة تكاد تختصر فلسفة النص:

ما تقوله الشخصيات عن الأرض، تقوله الرواية عن الإنسان.

فالقرآن غرس، والتربية غرس، والقيم غرس، وما سيصبحه عز الدين لاحقًا ليس، وفق هذا التصور، معجزة منفصلة عن مقدماتها، بل ثمرة زمن طويل من الرعاية. ولعل هذا هو أجمل ما تقترحه الرواية: أن التاريخ الذي نراه في لحظاته الكبرى تكون له، قبل ذلك بكثير، جذور صغيرة لا يراها أحد.

ومن هنا تتضح إحدى خصائص «فتى الأحراش»: إنها لا تبدأ من البطل حيث حفظه التاريخ، بل من الإنسان قبل أن يصير رمزًا؛ فتبحث في البيت والأرض والكلمة والذاكرة عن الجذور الخفية للحظة التي ستظهر لاحقًا باسم البطولة.

لكن هذا الاختيار نفسه يقود إلى السؤال الفني الأصعب: هل تسمح الرواية لهذا الإنسان بأن يظل إنسانًا بعدما عرفت مسبقًا أنه سيصبح رمزًا؟

منذ طفولة عز الدين تتكاثر العلامات التي تشير إلى استثنائيته: ذاكرته، ووقاره، وميله إلى العلم، ونظرة المحيطين إليه بوصفه طفلًا يتجاوز عمره. ويصل السرد إلى التصريح بأنه لم يُخلق ليكون عاديًا وأن رسالته أكبر من سنواته الصغيرة.



وهنا تتشكل المسافة الأكثر إثارة للاهتمام في الرواية: المسافة بين الإنسان والرمز.

فالسارد يعرف النهاية، والقارئ يعرفها أيضًا؛ ومن ثم تصبح طفولة القسام مهددة بأن تُقرأ من خلال مستقبله لا من خلال حاضرها. وهذا يمنح العمل نَفَسًا ملحميًا واضحًا، لكنه يقلل أحيانًا من مساحة الاحتمال التي تحتاج إليها الشخصية الروائية كي تفاجئ قارئها.

ولا يمثل ذلك عيبًا مطلقًا؛ فهو من طبيعة السيرة البطولية التي تقرأ البداية في ضوء النهاية. لكن الرواية تحتاج، إلى جانب ذلك، إلى المجهول: إلى لحظات التردد والخوف والسؤال والتحول. فالإنسان الروائي لا يكتسب عمقه مما نعرف أنه سيصبحه فقط، بل من الطريق التي قطعها ليصل إليه.

وتخدم اللغة هذا الميل الملحمي. فجملة الرواية طويلة ومتدفقة، تستثمر الإيقاع والصورة، وتستند إلى معجم ديني وتاريخي ينسجم مع عالمها. وتمنح هذه اللغة الحكاية وقارًا، لكنها حين تشتد في بعض المواضع تجعل العبارة أكثر حضورًا من الفعل، فيتراجع المشهد أمام وصفه. وليس السؤال هنا عن جمال اللغة، بل عن قدرتها على أن تبقى في خدمة الحركة الروائية.

ومع ذلك، فإن القيمة الأوضح لهذه البدايات تكمن في أنها لا تتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفًا للوقائع، وإنما بوصفه ذاكرة للقيم. فالأسرة، والقرآن، والأرض، والعمل، والمكان ليست زينة تحيط بسيرة القسام، وإنما مفاتيح تقترح الرواية من خلالها تفسير تكوينه.

ولهذا تبدو «فتى الأحراش»، في بداياتها، أقل انشغالًا بما فعله عز الدين القسام من انشغالها بالسؤال عن كيف أصبح قادرًا على الفعل. وهنا تكمن خصوصية مشروعها؛ فهي تعيد البطولة من صورتها النهائية إلى جذورها الأولى، ومن التاريخ العام إلى البيت، ومن الراية إلى البذرة.

لكن قوة هذا التصور هي أيضًا امتحانه الفني. فكلما اكتمل الرمز في الذاكرة، ازدادت حاجة الروائي إلى اكتشاف الإنسان المختبئ خلفه. وكلما عرف القارئ نهاية الشخصية، أصبح على الرواية أن تفاجئه بما لا يعرفه عنها.

تنجح «فتى الأحراش»، في بداياتها، في أن تجعل البطولة سؤالًا عن الإنسان الذي يسبق البطل، وعن الجذور التي تسبق الراية، وعن الكلمة الصغيرة التي قد تصبح يومًا موقفًا في التاريخ. غير أنها، وهي تنحاز إلى بناء الرمز، تضع نفسها أمام تحدٍّ أكثر صعوبة: أن تحافظ على الإنسان حيًا داخله. وبين الإنسان الذي يحاول السرد اكتشافه، والرمز الذي يعرفه التاريخ سلفًا، يقع الرهان الفني الحقيقي للرواية.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
- حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
- لم يعد الوجع يعرف عنواني
- من كلِّ تجربة… تعلّمت
- بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: ‏ ‏📝 قراءة في كتاب:- “أ ...
- الكرسي المقابل
- ما تركته الغرفة
- بعد العبور
- حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
- بعدَ ورديةِ ليل
- جيولوجيا الروح
- جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...
- خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
- حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت ...
- بعد عامٍ ونصف
- كي لا نورث الخراب
- صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من ...
- ✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- ‏ 🌟 للكات ...


المزيد.....




- 19 جثمانا.. انتهاء عمليات الانتشال من عمارة -كرم- بغزة (فيدي ...
- لبنان يوقف ضابطاً سورياً سابقاً.. ماذا جرى داخل سفارة دمشق ف ...
- رفض خليجي لمحاولات إيران تحويل مضيق هرمز إلى أداة للضغط والت ...
- مدفيديف: روسيا ستنتصر رغم كل ما تهذي به رئيسة المفوضية الأور ...
- خيام النزوح في غزة.. واقع إنساني قاس
- اجتماع ليبي مرتقب بين الرئاسات الثلاث
- -المصري- السيد يعلق ساخرا على وصف أطلقه ترامب بحقه (فيديو)
- فانس: الولايات المتحدة حققت تقدما في المفاوضات مع إيران خلال ...
- مصرع وإصابة العشرات في انقلاب صهريج بجمهورية إفريقيا الوسطى ...
- مصر.. مرتضى منصور يطالب السيسي بالثأر بعد هجوم دمياط


المزيد.....

- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟