أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما تبقّى من وردة















المزيد.....

ما تبقّى من وردة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 16:49
المحور: الادب والفن
    


في بعض البلاد، لا يكفي أن تحب.

عليك أولًا أن تسأل: من تحب؟ من أي عائلة جاء؟ كم يملك؟ وما الاسم الذي يحمله خلفه؟

هناك، قد تبدأ الحكاية بابتسامة، وتنتهي بصمتٍ طويل أمام قبر.

وقد تولد وردة في شقّ صخرة، فتقاوم وحدها، وتمنح المكان لونًا لا يستحقه، ثم تأتي يدٌ غليظة فتقطفها قبل أن يكتمل عطرها.

عرفتُ عليّ قبل أن يصبح الرجل الذي رأيته بعد سنوات.

كان يومها شابًا ممتلئًا بالحياة، يقرأ كثيرًا، يحلم أكثر، وتسبقه ضحكته إلى أي مكان يدخله.

ثم جاءت فريدة.

أو ربما كان الأدق أن أقول: جاءت الحياة التي لم يعرفها عليّ قبلها.

كانت فريدة قد فقدت أمها وهي لم تكمل عشرة أيام من عمرها. كبرت وفي داخلها فراغ لا تعرف كيف تسميه، وتعلمت مبكرًا أن تخفي حاجتها إلى الحنان خلف ابتسامة هادئة.

لم تكن تطلب كثيرًا.

ربما لهذا أحبها عليّ.

لم يرَ فيها الفتاة اليتيمة، ولا ابنة العائلة، ولا ما تملك وما لا تملك.

رآها هي.

فقط.

قال لها ذات مساء:

“أنتِ مختلفة.”

ضحكت وسألته:

“وهل هذا جيد؟”

قال:

“بالنسبة لي… نعم.”

احتفظت بالجملة في قلبها.

كانت أول مرة تشعر فيها أن اختلافها ليس عيبًا.

كان لهما مقهى صغير عند طرف المدينة.

طاولة قرب النافذة.

قهوة لعليّ، وشاي بالنعناع لفريدة.

لم يكن المكان جميلًا على نحو استثنائي، لكنهما كانا يصنعان منه عالمًا خاصًا بهما.

هناك، اعترف لها بحبه.

وهناك أيضًا، جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء.

وضعت فريدة هاتفها على الطاولة.

لاحظ عليّ ارتجاف أصابعها.

“ماذا حدث؟”

لم تجبه.

“فريدة؟”

رفعت عينيها.

قالت:

“أهلي عرفوا.”

سكت.

“وماذا قالوا؟”

“قالوا إنك لا تليق بي.”

ثم أضافت:

“قالوا إنك فقير… عامل… وإنني من عائلة لها اسم ومكانة.”

ترددت لحظة.

“يريدون أن يزوجوني من ابن عمي.”

ظل عليّ ينظر إليها.

“وماذا تريدين أنتِ؟”

أجابته دون تردد:

“أنت تعرف.”

مد يده فوق الطاولة.

كانت يدها باردة.

أمسكها.

“إذن لا تخافي.”

ابتسمت بحزن.

“أنا لا أخاف منك.”

سألها:

“ممن تخافين؟”

نظرت نحو النافذة.

قالت:

“منهم.”

في تلك الليلة، لم تنم فريدة.

سمعت أصواتًا في الغرفة المجاورة.

أبوابًا تُفتح وتُغلق.

خطوات.

همسات.

ثم صمتًا طويلًا.

وضعت يدها على صدرها.

كان قلبها يخفق بعنف.

لم تكن تريد الموت.

كانت تريد فقط أن تعيش.

أن تستيقظ صباحًا إلى جوار الرجل الذي اختارته.

أن تشرب قهوتها.

أن تضحك دون أن تفكر إن كان ضحكها يرضي أحدًا.

وقبل أن تنام، أرسلت إلى عليّ رسالة قصيرة:

“إذا لم آتِ غدًا، لا تكرهني.”

قرأها أكثر من مرة.

اتصل بها.

لم تجب.

أرسل:

“لن أكرهك. سأنتظرك.”

لم يكن يعرف أنها كانت آخر رسالة بينهما.

فريدة

كنت أعرف أن الطريق يضيق.

كل يوم كان يأخذ مني شيئًا.

حريتي.

صوتي.

وقدرتي على الاختيار.

لكنهم لم يستطيعوا أن يأخذوا قلبي.

حين كنت مع عليّ، لم أكن الفتاة اليتيمة.

لم أكن ابنة العائلة التي يجب أن تطيع.

كنت فريدة.

فقط فريدة.

وذلك كان كافيًا.

لو خُيّرت بين قصر لا أحب فيه أحدًا، وبيت صغير أسمع فيه ضحكته كل صباح، لاخترت البيت الصغير.

لم أكن أطلب كثيرًا.

كنت أطلب حياة تشبهني.

وفي تلك الليلة، كتبت له رسالة أخرى.

لم أرسلها.

كتبت:

“إذا حدث لي شيء، تذكر أنني لم أندم عليك.”

ثم مزقتها.

في اليوم التالي، لم تأتِ فريدة إلى المقهى.

انتظرها عليّ.

وصل قبل الموعد بربع ساعة.

طلب قهوتين.

مرت نصف ساعة.

ثم ساعة.

بردت القهوة.

اتصل بها.

لا جواب.

اتصل مرة أخرى.

ثم ثالثة.

هذه المرة كان الهاتف مغلقًا.

بدأ القلق يتسلل إلى صوته.

اتصل بي.

قال:

“هل تحدثتِ إليها؟”

قلت:

“لا.”

صمت قليلًا.

ثم قال:

“شيء ما حدث.”

كانت تلك أول مرة أسمع الخوف في صوته.

وصل الخبر بعد ساعات.

لم نعرف في البداية سوى جملة واحدة:

فريدة ماتت.

قيل إنها حادثة.

لم تكن هناك تفاصيل كثيرة.

كل شيء كان سريعًا.

أسرع مما ينبغي لموت إنسانة.

سأل عليّ:

“أين؟”

أعطوه المكان.

ذهب.

لكنه عاد دون إجابات.

كان وجهه شاحبًا.

لم يقل شيئًا.

في جيبه كانت رسالة فريدة الأخيرة التي لم ترسلها.

وجدها بين أشيائها.

ورقة صغيرة مطوية بعناية.

قرأها مرة.

ثم أعاد طيّها.

ومنذ ذلك اليوم، لم يفارقها.

في جنازتها، وقف عليّ بعيدًا.

لم يقترب.

كان النعش أمامه، والوجوه من حوله صامتة.

بدأ المطر ينهمر.

ظل واقفًا تحته، لا يتحرك.

للحظة، تخيل أنها ستفتح عينيها.

ستنزل من النعش.

ستنظر إليه وتقول:

“لقد صدقت كل هذا؟”

لكنه عرف أن بعض الأبواب، حين تُغلق، لا تُفتح مرة أخرى.

اقترب خطوة.

ثم توقف.

همس:

“سامحيني.”

لم أعرف إن كان يقصد أنه لم يستطع إنقاذها، أم أنه شعر بالذنب لأنه بقي حيًا.

بعد ذلك اليوم، بدأ عليّ يختفي.

اختفى من المقهى.

ثم من عمله.

ثم من أصدقائه.

وبعدها، اختفى من نفسه.

كان يمشي طويلًا بلا وجهة.

وفي كل مكان كان يرى فريدة.

في الحافلة.

عند إشارة المرور.

في انعكاس الزجاج.

وفي وجه امرأة تمر مسرعة ثم تختفي بين الناس.

ذات مساء عاد إلى المقهى القديم.

جلس إلى الطاولة نفسها.

طلب قهوتين.

نظر إلى النادل وقال:

“واحدة لي.”

توقف لحظة.

ثم أضاف:

“والأخرى لفريدة.”

لم يسأله النادل شيئًا.

وصلت القهوتان.

ظل عليّ ينظر إلى الفنجان المقابل.

كانت القهوة تبرد.

ومعه كان شيء آخر يبرد.

ثم جاءت المخدرات.

لم يبحث عنها بحثًا عن المتعة.

كان يبحث عن ساعة واحدة لا يتذكر فيها وجهها.

ساعة واحدة لا يسمع فيها صوتها.

ساعة واحدة يستطيع فيها أن ينام دون أن يستيقظ على الحقيقة.

لكن الساعة صارت يومًا.

واليوم صار عادة.

والعادة صارت قيدًا.

وحين حاول أن يخرج، اكتشف أن السجن لم يعد حوله.

كان في داخله.

بعد سنوات، وقفت أمامه.

لم أرَ الرجل الذي عرفته قبل فريدة.

رأيت بقاياه.

كان جالسًا وحده، ينظر إلى الشارع من خلف الزجاج.

قلت:

“عليّ.”

رفع رأسه.

“هل ما زلت تحبها؟”

ظل صامتًا.

ثم قال:

“أنا لا أعرف كيف أتوقف.”

سألته:

“عن المخدرات؟”

هز رأسه.

“عن انتظارها.”

نظر إلى الشارع.

ثم قال:

“أحيانًا أشعر أنها ستدخل من الباب.”

نظرت إلى الباب.

كان مغلقًا.

ولم تدخل فريدة.

في اليوم التالي، عدت إلى المقهى وحدي.

جلست إلى الطاولة التي اعتادا الجلوس إليها.

جاء النادل.

سألني:

“ماذا تطلبين؟”

نظرت إلى الكرسي المقابل.

قلت:

“شاي بالنعناع.”

وضع الكوب أمامي.

ظل الكرسي فارغًا.

بقيت أنظر إليه طويلًا.

وفكرت أن بعض الغياب لا يحتاج إلى قبر كي يصبح حاضرًا.

لم تكن فريدة مجرد فتاة ماتت لأنها أحبت.

ولم يكن عليّ مجرد رجل لم يحتمل الفقد.

كانا ابنين لعالم يطلب من الإنسان أحيانًا أن يتخلى عن قلبه كي يحافظ على صورة ترضي الآخرين.

لم تطلب فريدة قصرًا.

لم تطلب ثروة.

طلبت حقًا بسيطًا:

أن تختار.

وعليّ لم يكن يملك إلا قلبه.

وحين أعطاها إياه، لم يعرف أن عليه أن يدفع ثمنه إلى آخر العمر.

أما الحقيقة الكاملة عن موتها، فلم يعرفها أحد.

أو ربما عرفها بعضهم، واختار الصمت.

لكن شيئًا واحدًا بقي واضحًا:

لم تكن فريدة تخاف من الحب.

كانت تخاف ممن أرادوا أن يمنعوها منه.

بعد سنوات، مررت قرب بيت عائلة فريدة.

لم أتوقف.

كان الباب مغلقًا.

والنوافذ مغلقة.

وفوق الجدار، نبتت وردة برية صغيرة بين حجرين.

توقفت أنظر إليها.

لم أعرف من زرعها.

ولا كيف وصلت إلى هناك.

مددت يدي، ثم تراجعت.

تركتها مكانها.

كان يمكنني أن أقطفها.

لكنني، للمرة الأولى، فهمت أن بعض الزهور لا تحتاج إلى من ينقذها.

تحتاج فقط إلى أن يتركها الناس وشأنها.

ومضيت.

خلفي بقيت الوردة.

وحدها.

حية.

وربما كان هذا، أخيرًا، ما تبقّى من فريدة.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...
- لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال ...
- فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟
- فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
- حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
- لم يعد الوجع يعرف عنواني
- من كلِّ تجربة… تعلّمت
- بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: ‏ ‏📝 قراءة في كتاب:- “أ ...
- الكرسي المقابل
- ما تركته الغرفة
- بعد العبور
- حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
- بعدَ ورديةِ ليل
- جيولوجيا الروح
- جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...
- خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
- حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت ...


المزيد.....




- وفاة فنان مصري تثير جدلا واسعا
- حين زرنا رجلًا اختصر مؤسسة.. مشاهد من الزيارة الثقافية إلى ل ...
- من المطاعم إلى مراكز التسوق.. كيف تنظّم الإمارات استخدام الم ...
- في ذكرى تأسيسها الـ250.. كيريلوف تعرض كنوزا تاريخية تعود إلى ...
- معرض في بطرسبورغ يستعيد تاريخ دير يعود إلى القرن الثاني عشر ...
- جورج وسوف يعيد عقارب الصوت إلى زمن الحب في -طمني عالحبايب-
- فيلم -سوابد-.. ماذا لو اضطررت إلى رؤية العالم بعيني عدوك؟
- حمل نواتها في حجره داخل سيارة.. شهادة أحد صناع القنبلة الذري ...
- بتدوينة باللغة العبرية.. ملادينوف ينفي شائعات تمويل حماس عبر ...
- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - ما تبقّى من وردة