أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يعانق الهلالُ الصليب














المزيد.....

حين يعانق الهلالُ الصليب


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 15:49
المحور: الادب والفن
    


عكّا…

يا ملحَ بحرٍ
لم يتعلّمِ الغياب،
يا مدينةً كلّما حاولَ الزمنُ
أن يطويَ صفحتَكِ،
خرجتِ من بينِ أصابعِه
أكثرَ وضوحًا،
وقلتِ للريح:
مرّي…
فلي مع البقاء
موعدٌ آخر.

من الميناءِ
تبدأُ الحكاية.

قواربُ الصيادين
تعودُ مثقلةً بالملح،
والفجرُ يفتحُ عينيه
على صفحةِ البحر،
والنوارسُ تحومُ
كأنها تحفظُ الطريقَ
إلى البيت.

وعلى السورِ البحري
يجلسُ الحجرُ
كحارسٍ قديم.

فهذا الحجرُ
ليس حجرًا.

إنّه كتفُ بحّار،
وظلُّ امرأةٍ انتظرت،
وخطوةُ طفلٍ كبر،
ودمعةُ أمٍّ
خبّأها منديل،
وذاكرةُ مدينةٍ
رفضتْ أن تصبحَ متحفًا.

وفي خانِ العمدان
تنامُ خطى الذين مرّوا،
وتبقى في الأقواسِ
رائحةُ سفرٍ قديم.

ما مرَّ هنا
لم يذهبْ كلُّه.

فبعضُ الذين عبروا
تركوا أسماءَهم
في الحجر،
وبعضُ الذين رحلوا
تركوا ظلالَهم
على الجدران.

وفي جامعِ الجزّار
يصعدُ الأذانُ من المئذنة،
هادئًا،
عميقًا،
كأنّه لا ينادي الناسَ فقط،
بل يُوقظُ في المدينة
ذاكرتها.

وعلى مقربةٍ منه
يرنُّ جرسُ كنيسةِ القديس يوحنا،
فيعبرُ صوتهُ الهواءَ
مثلَ موجةٍ أخرى.

وهنا…

لا يقفُ الهلالُ
في وجهِ الصليب،
ولا يرفعُ الصليبُ
جدارًا في وجهِ الهلال.

هنا…
يميلُ الهلالُ نحوَ الصليب،
ويميلُ الصليبُ نحوَ الهلال،
كأنَّ بينهما
موعدًا قديمًا
على شرفةِ البحر.

ليس لأنهما واحد،
بل لأنَّ عكّا تعرفُ
أنَّ المحبّةَ
لا تحتاجُ إلى التشابه.

يكفي
أن نكونَ بشرًا.

وفي سوقِ عكّا
تستيقظُ المدينةُ
على صوتِ الحياة.

رائحةُ الخبز،
لمعانُ النحاس،
بهاراتٌ تفوحُ
من الدكاكين،
وأصواتُ الباعة
تتشابكُ مع خطى العابرين.

ومن أحدِ البيوت
يأتي صوتُ أمّ:

تعالَ…
الغداءُ جاهز.

فأبسطُ الأشياء
هي التي تحفظُ المدنَ
من الموت.

وفي نفقِ عكّا
يمشي التاريخُ
تحتَ الأرض.

لا تحتاجُ إلى كتابٍ
كي تعرفَ ما حدث.

يكفي
أن تضعَ يدَك
على حجر…

فتسمعَ القرون.

لكنَّ عكّا
ليست تاريخًا فقط.

عكّا
هي الإنسان.

هي الصيادُ
الذي يعرفُ البحرَ
أكثرَ مما يعرفُ الخرائط،
والخبّازُ
الذي يبدأُ يومَهُ
قبلَ أن يستيقظَ الضوء،
والبائعُ
الذي يفتحُ دكّانَهُ
كأنّه يفتحُ نافذةً
في وجهِ العالم.

هي الطفلُ
الذي يركضُ في زقاقٍ ضيّق،
ثم يرفعُ رأسَهُ
نحوَ البحر
ولا يسألُ
كم عمرُ هذه المدينة.

فإنَّ صمودَ عكّا
ليس سورًا مرتفعًا.

الصمودُ هنا
أن يستيقظَ الصباح.
أن تُفتحَ الأبواب.
أن يعودَ المركب.
أن يُعجنَ الخبز.
أن يرنَّ الجرس.
أن يرتفعَ الأذان.
أن يظلَّ الطفلُ قادرًا
على رسمِ البحر
دون أن يخافَ منه.

الصمودُ…

أن تبقى الحياةُ
حين يحاولُ الزمنُ
أن يحوّلَها إلى ذكرى.

وعكّا
لم تقبلْ
أن تكونَ ذكرى.

وعند الغروب،
حين يضعُ البحرُ
آخرَ خيوطِ الضوء
على كتفِ السور،
تبدو عكّا
كأنها قصيدةٌ
كتبتْها قرونٌ متعاقبة.

كلُّ قرنٍ
أضافَ سطرًا،
ثم تركَ القلمَ
لمن بعده.

والسطرُ الأخير…
لم يُكتبْ بعد.

لأنَّ المدينةَ
ما زالت تكتبُ نفسها.

وفي سمائها
يبقى الهلالُ
والصليب.

لا كعلامتينِ تفصلانِ الناس،
بل كذراعينِ
تلتقيانِ فوقَ مدينةٍ
اختارتْ أن يكونَ قلبُها
أوسعَ من الخلاف.

هنا
يصبحُ العناقُ لغة،
ويصبحُ الاختلافُ جمالًا،
ويصبحُ السلامُ
شيئًا يمكنُ أن تراه:

نافذةً تُفتح،
ويدًا تمتدّ،
وصوتينِ يعلوانِ معًا
ولا يلغي أحدُهما الآخر.

يا عكّا…

لو كانَ للبحرِ ذاكرةٌ
لكتبَ اسمَكِ
على موجِه.

ولو كانَ للحجرِ لسانٌ
لروى ما رأى.

ولو كانَ للزمنِ قلبٌ
لاختارَ أن يشيخَ
بينَ أزقّتِكِ.

أما أنا…

فلمّا أردتُ أن أكتبَكِ،
اكتشفتُ أنَّ الحبرَ
أقلُّ من بحرِكِ،
والكلماتِ
أضيقُ من أسوارِكِ،
والقصيدةَ
أقصرُ من تاريخِكِ.

فأخذتُ من الميناءِ موجة،
ومن السوقِ رائحة،
ومن الخانِ ظلًّا،
ومن المئذنةِ دعاءً،
ومن الجرسِ رجفة،
ومن الحجرِ صبرًا،
ومن أهلِكِ قلبًا…

وكتبتُ.

ثم بقيَ اسمٌ واحد.

لا أريدهُ
أن يكونَ مجرّدَ توقيع.

أريدهُ
مثلَ آخرِ ضوءٍ
يبقى على البحر
بعدَ أن تغيبَ الشمس.

اسمٌ يمشي مع عكّا
من الميناءِ إلى السور،
ومن السوقِ إلى المئذنة،
ومن الجرسِ إلى البحر،
ثم يقفُ هناك…

حيثُ يلتقي الهلالُ
بالصليب.

وعندما يعودُ الليل،
وتغلقُ الأسواقُ أبوابَها،
وتنامُ الأزقّةُ
في حضنِ الأسوار،
وتعودُ المراكبُ
إلى سكونِ الميناء…

يبقى في السماءِ
هلالٌ يفتحُ ذراعَهُ للصليب.

ويبقى في البحرِ
صوتٌ خافتٌ
يشبهُ الدعاء.

ويبقى في الحجرِ
قلبٌ لا يشيخ.

وتبقى عكّا…

لا تنحني.
لا تنسى.
لا تغلقُ بابَها.

فمن دخلَها
دخلَ حكاية.

ومن أحبَّها
حملَها معه.

ومن كتبَها
اكتشفَ، في النهاية،
أنَّ عكّا
لا تُكتب.

عكّا تُعاش.

وعلى آخرِ صفحةٍ
من هذه الحكاية،
لا أكتبُ كلمةَ النهاية.

أكتبُ اسمًا واحدًا:



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرية الحمراء: حين يصبح الغياب شكلًا آخر للحضور قراءة تأويل ...
- جعفر فرح.. حين تصبح العدالة أصعب من الاصطفاف
- الأب عبد المسيح فهيم خمسون عامًا من «نعم»… حين يتحول الكهنوت ...
- «مِلحَةٌ وذابَت»… حين لا يكون الغياب نهاية الحكاية قراءة تأو ...
- الذاكرة حين تصير سنبلة قراءة تأويلية في قصيدة «اكتبني ذكرى ل ...
- مَهْلًا، فَإِنَّكَ لا تَرَى كُلَّ الحِكَايَة
- حين تصبح فلسطين أزمةً قابلة للإدارة
- حين ترضى عن نفسك… يبدأ نجاحك الحقيقي
- سليمان منصور… حين يضع حاملو البلاد أحمالهم الأخيرة
- عماد فرو… صديقي الذي علّمني أن أجمل العطاء ما لا يُرى
- لن أشفى من موت أمي
- من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
- ما تركناه لله
- على أبواب الذكرى: سميح القاسم… حين يصبح البقاء قصيدة
- إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب
- ما تبقّى مني
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...
- لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال ...


المزيد.....




- طارق الشناوي يكشف لـRT حقيقة تصريحاته عن محمود عبد المغني
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يفتتح أعمال ال ...
- أفلام فلسطينية نالت جوائز عالمية كبرى
- للرجال والنساء بتعاون فرنسي.. محمد رمضان يدخل سوق العطور الع ...
- ليدي غاغا ترزق بمولودها الأول (صور)
- المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه ...
- فنانون من أجل وقف إطلاق النار.. تجمع يطالب بإنهاء حرب غزة
- شاهد.. 25 دقيقة من التصفيق الحار لفيلم عن غزة في مهرجان البن ...
- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - حين يعانق الهلالُ الصليب