أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب














المزيد.....

إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 03:28
المحور: الادب والفن
    


منذُ رحيلكِ،
وأنا أكتشفُ ببطء
أن بعضَ الغياب
ليس فراغًا في المكان،
بل ثقبٌ في معنى الأشياء.

البيتُ كما هو؛
النافذةُ في مكانها،
والكرسيُّ يعرفُ موضعه،
والفنجانُ ما زال يحتفظُ
بأثرِ أصابعكِ...

لكن شيئًا واحدًا
لم يعد كما كان:

أنا.

كنتِ تقولين:
«انتبهي لنفسكِ.»

وكنتُ أسمعها
كجملةٍ عابرة.

الآن، كلما تعبتُ
أسمعُ صوتكِ في داخلي،
كأنكِ لم تتركي كلماتكِ خلفكِ،
بل تركتِها
في دمي.

يا أمّي،
لم أفهم إلا بعدكِ
أن الأمَّ لا تسكنُ البيت؛
الأمُّ هي التي
تمنحُ البيتَ معنى البيت.

لهذا حين رحلتِ
لم تصبحْ غرفةٌ فارغة...

أصبحتُ أنا
غريبةً في المكان الذي ربّاني.

أحيانًا
أفتحُ هاتفي لأكتب لكِ:

«أمّي، حدثَ لي شيءٌ جميل.»

ثم أتوقف.

لا لأنني نسيتُ موتكِ،
بل لأن قلبي
نسيه للحظة.

وهذه أقسى لحظات الفقد:

أن يعيشَ القلبُ ثانيةً واحدة
على عادته القديمة،
ثم تأتي الحقيقة
فتأخذه من يده
وتعيده إلى الغياب.

يا أمّي،
من قال إن الموتَ لحظة؟

الموتُ ليس يومًا واحدًا؛
الموتُ أن يموتَ الغائبُ فينا
مراتٍ لا تُحصى،
كلما حدث شيءٌ
كنا نريدُ أن نحكيه له.

أفتقدكِ في الأشياء
التي لا ينتبه لها أحد:

في رائحةٍ عابرة
تفتحُ بابَ طفولتي.

في امرأةٍ تمرُّ
وفي مشيتها شيءٌ منكِ.

في يدي
حين أرتّبُ الأشياء
بالطريقة التي علمتِني إياها
دون أن أشعر.

وفي الدعاء...

كلما قلتُ:

«يا رب...»

كان اسمكِ
أولَ ما يخرجُ من قلبي.

كنتِ أمّي...

وكانت هذه الكلمة
تكفي وحدها
لأشعر أن العالم
أقلُّ قسوة.

كنتُ أستطيع أن أفشل،
لأن هناك قلبًا
لا يقيسُ قيمتي بفشلي.

وأستطيع أن أخاف،
لأن هناك يدًا
تربّتُ على خوفي
حتى يصغر.

وأستطيع أن أعودَ مكسورةً
من الحياة،
فأجدُ في حضنكِ
مكانًا لا يطلبُ مني
أن أكون قوية.

ثم رحلتِ.

وفجأةً
صارت الحياةُ تطلبُ مني
أن أكون قويةً
في كل شيء.

لكنني، حتى الآن،
أشتاقُ إلى أن أكون
طفلةً لا تعرف
كيف تدافعُ عن قلبها.

أتعلمين ما الذي يؤلمني؟

أن أصلَ إلى شيءٍ
كنتِ تتمنينه لي،
ثم ألتفتُ
فلا أجدُ عينيكِ
كي أرى فرحتي فيهما.

أن يحدثَ لي شيءٌ جميل
فأبحثُ عنكِ
قبل أن أبحثَ عن أيِّ أحد.

أن أضحكَ من قلبي
ثم أتذكر
أن المرأة التي علّمتني الضحك
لن تسمعني.

لهذا صرتُ
أخبّئ أخباري الجميلة
في الدعاء.

أقول:

يا رب،
إن كان الحبُّ يصلُ إلى الغائبين،
فاجعلها تعرف.

يا أمّي...

لا أريدُ أن أنساكِ،
ولا أريدُ أن أتعافى منكِ
كما يتعافى الإنسانُ من جرح.

أريدُ فقط
أن أتعلم كيف أحملُ حبكِ
دون أن أنكسر.

أن أفرحَ
دون أن أشعرَ أن فرحي خيانة.

أن أضحكَ
دون أن أعتذرَ للغياب.

أن أعيشَ
دون أن أشعرَ أنني أترككِ خلفي.

ثم فهمتُ شيئًا:

استمرارُ الحياة
ليس خيانةً للموتى؛
ربما يكون
أجملَ وفاءٍ لهم.

لذلك سأعيش.

سأعيشُ بالطريقة التي
لو كنتِ هنا
لأردتِها لي.

سأحاول أن أتركَ في الناس
شيئًا من الحنان
الذي تركتِه في قلبي.

وكلما فعلتُ خيرًا
سأقول في سرّي:

هذا لكِ.

وفي الليل،
حين يهدأ كلُّ شيء،
أرفعُ يدي إلى الله.

لا أطلبُ أن يعيدكِ؛
أعرفُ أن بعضَ الأبواب
لا تُفتحُ في هذه الحياة.

أطلبُ فقط
أن يجعلَ المكانَ الذي أنتِ فيه
أوسعَ من حزني عليكِ،
وأدفأَ من كلِّ مكانٍ تركتِه خلفكِ.

وأقول:

يا رب...

إن كانت أمي لا تسمعني،
فأنت تسمعني.

وإن كانت لا تراني،
فأنت تراها.

فاحمل إليها
ما عجزتُ عن قوله:

قل لها إنني اشتقتُ إليها
حتى صار الاشتياقُ
جزءًا من دمي.

قل لها إنني كبرت...

لكنني، مهما كبرت،
ما زلتُ حين يشتدُّ عليَّ العالم
أشتهي شيئًا واحدًا:

أن أعودَ صغيرة،
وأضعَ رأسي في حضنها،
وأسمعها تقول:

«لا تخافي...
أنا هنا.»

يا أمّي...

لن أقول إنكِ رحلتِ تمامًا.

لقد تركتِ فيَّ
ما لا يستطيعُ الموتُ أن يأخذه:

رحمتكِ في يدي،
صوتكِ في صوتي،
دعاءكِ في قلبي،
وطريقتكِ في الحب
حين أحبُّ من حولي.

لم تعودي أمام عيني...

صرتِ خلف روحي.

وحين يشتدُّ الطريق،
أشعرُ بكِ
لا كصوتٍ يأتي من بعيد،
بل كقوةٍ هادئة
تدفعني إلى الأمام.

لهذا سأكمل.

سأضحكُ حين يأتي الضحك،
وسأبكي حين يفيضُ الحنين،
وسأحبُّ الحياة
دون أن أشعرَ أنني أخونُ غيابكِ.

سأحملُكِ معي
لا كجنازةٍ لا تنتهي،
بل كحبٍّ
وجدَ طريقةً أخرى للبقاء.

وحين يأتي يومُ اللقاء،
إن أذنَ الله،
لن أسألكِ لماذا رحلتِ،
ولن أعاتبكِ.

سأركضُ إليكِ فقط،
وأضعُ رأسي في حضنكِ
كما لو أن السنوات
لم تمر.

وسأقول لكِ
الكلمة التي لم تكفِني الحياةُ
لأقولها كما ينبغي:

اشتقتُ إليكِ يا أمّي.

ثم أبكي...

لا لأنكِ غبتِ،
بل لأنني، أخيرًا،
سأجدُ المكان
الذي ظلَّ قلبي يبحثُ عنه
منذُ رحيلكِ:

حضنكِ.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما تبقّى مني
- ما تبقّى من وردة
- حين تغيّر العزلةُ عناوينها قراءة تأويلية في ديوان «العزلة غي ...
- القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يومي ...
- لا تلوموا العربي إذا لم يصوّت قبل أن تسأل الأحزاب العربية ال ...
- فتى الأحراش»… كيف يكتب السرد ولادة الرمز؟
- فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
- حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
- لم يعد الوجع يعرف عنواني
- من كلِّ تجربة… تعلّمت
- بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: ‏ ‏📝 قراءة في كتاب:- “أ ...
- الكرسي المقابل
- ما تركته الغرفة
- بعد العبور
- حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
- بعدَ ورديةِ ليل
- جيولوجيا الروح
- جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...


المزيد.....




- مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط ...
- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...
- قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش ...
- بجهود ذاتية.. باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون روماني ...
- تايلور سويفت تتجاوز بيونسيه كأكثر فنانة حائزة على جوائز MTV ...
- -عَسطح بيروت-... نجوى كرم تطلق فيديو كليب أغنية -تاك تاك-
- -أفنجرز: إندجيم-.. الفيلم الذي عاد إلى القمة بعد 7 أعوام
- بين -المواطن كين- والملياردير -ماسك-.. حين أغضبت السينما أصح ...
- -تعليم بمليون دولار لا يكفي-… رحلة طبيب أمريكي من حيرة الرعا ...
- بزخم أكاديمي من 5 قارات.. إسطنبول تُفتش عن -الحلول القرآنية- ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - إلى أمّي: منذُ رحيلكِ وأنا أتعلمُ الغياب